العنوان حوار صريح مع الدكتور عمر عبد الرحمن المتهم الأول في قضية الجهاد
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-ديسمبر-1984
مشاهدات 80
نشر في العدد 696
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 18-ديسمبر-1984
الدكتور عمر عبد الرحمن وراء القضبان في قضية تنظيم الجهاد.
د/ عمر عبد الرحمن ... لا بُدَّ أن تنقشع الغيوم عن الأزهر.
فجأة وبدون مقدمات تردد اسم الدكتور عمر عبد الرحمن في أوساط الحركة الإسلامية في مصر وخارجها، فقد وضعته نيابة أمن الدولة على رأس قائمة المتهمين في قضية اغتيال الرئيس السابق أنور السادات، ثم على رأس قائمة المتهمين بالقيام بأحداث مدينة أسيوط صباح عيد الأضحى عام ۱۹۸۱ والتي راح ضحيتها أكثر من ٨٠ شخصًا، وحصل الدكتور عمر على البراءة في القضية الأولى... وأيضًا في القضية الثانية، وكانت تهمته في الإفتاء لأعضاء تنظيم الجهاد بمشروعية ما يقومون به من أعمال ضد نظام الحكم.
كان الدكتور عمر حتى حادث اغتيال السادات غير معروف لدى الكثيرين حتى الإسلاميين منهم، وأصبح الكل يسأل: من هو، وماذا يقول، وإلام يدعو؟؟ وتوجهنا إلى الدكتور عمر عبد الرحمن في بلدته «الفيوم» وعرضنا عليه أسئلتنا، وإذا كان لنا بعض الملاحظات التي نختلف فيها مع فضيلته، إلا أن من حقه أن يعرض فكره ورأيه.. وكان لنا معه هذا الحوار.
من أنت؟ وماذا تريد؟
اسمي عمر أحمد علي عبد الرحمن من مواليد الجمالية- دقهلية عام ۱۹۳۸م أي أن عمري الآن (٤٦) عامًا.. لي ثمانية أولاد وزوجتان «تزوج أحداهما في السجن وأنجب منها ولدًا!!». حصلت على الدكتوراه «العالمية في التفسير» سنة ۱۹۷۲ ومنعت المباحث تعييني لمدة عام، عينت بعدها سنة ۱۹۷۳ بكلية أصول الدين بأسيوط، جمد راتبي من سنة ٦٨ إلى سنة ٧٣ بدون علاوات ولا زيادات مطلقًا، عوقبت بالإحالة إلى الاستيداع بمعنى أن أمكث في بيتي وأتقاضى نصف مرتب سنة ١٩٦٩، واعتقلت سنة ١٩٧٠ ومكثت بسجن القلعة ثمانية أشهر في الحبس الانفرادي...
أريد أن يأخذ كل ذي حق حقه، وأن ترتفع المظالم عن عباد الله، وأن يسود الحق والعدل. وأن تؤدى الأمانات وتصان الحقوق تنفيذًا لأمر الله ﴿ ِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء:58).. وأن يخلى بين الدعاة إلى الله وبين جماهير الناس لتبليغهم دعوة الإسلام دون أن يقام في وجوههم السدود، وأن توضع في طريقهم العراقيل، ودون أن يزج بأصحاب الدعوات في السجون والمعتقلات امتثالًا لأمر الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:33).
ما هي علاقتك بالجهاد وهل هناك تنظيم يسمى تنظيم الجهاد؟
أية قضية تتصل بالجهاد وتتعلق بمفهومه وأحكامه، لي بها أوثق الصلة، وأقوى الروابط، أما عن تنظيم الجهاد، ففي رأيي أنه ليس هناك ما يسمى بـ «تنظيم الجهاد»، وأن هذه التسمية اختلقها القائمون على الأمن عندنا، وإذا كان لا بد من تنظيم للجهاد، فإن المسلمين قاطبة مندرجون في هذا التنظيم، ومدعوون للاشتراك فيه.. وقد أطلق المختلقون اسم تنظيم الجهاد على كل من عنده غيرة على الإسلام، وحمية لدين الله، على كل من دعا إلى أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، على كل من ينصر دين الله ويقول كلمة الحق، على كل من يغضب ويثور إذا ما انتهكت حرمات الله، على كل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويجاهد في الله حق جهاده، وأخيرًا على الذين يحبهم الله ويحبونه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (المائدة:54).
سجون مصر سيئة جِدًّا.
بعد ما يقرب من ثلاث سنوات قضيتها وسط ظروف قاسية داخل السجن، ماذا تقول عن هذه الفترة الآن؟
الفترة التي قضيناها في سجون مصر -نسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناتنا- تعلمنا من خلالها عمليًا ما كنا نعرفه نظريًا، تعلمنا أن في الصبر على ما نكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا، وتعلمنا أن الشدائد هي التي تصقل الرجال وتظهر معادنهم وتفرق بين العدو والصديق، وتعلمنا أن الباطل سطحي لا جذور له، مظهري لا جوهر له، على حين رأينا الحق له أصالته وجذوره الضاربة في أعماق الكون، ورأينا وعايشنا ما كنا نجهله عن سجون مصر ومدى الهبوط والانحطاط وفق الآدمية في داخلها.. إن حقيقة ما يجري في السجون تحتاج إلى كتب ومجلات، فإن حالة السجون في مصر في أسوأ ما عرفته البشرية في تاريخها الطويل، ولقد كتبت رسالة وأنا في داخل السجن، أصف فيها بعض ما أنا فيه، وأشكو بثي وحزني إلى الله ثم إلى من تبلغه رسالتي، لكنها لم تعرف طريقها إلى النور كتبت في مقدمتها: «من داخل القبور من خلف أسوار الجحيم، من وراء قضبان الحديد تهرب إليكم هذه الصرخات، تحمل أنات الجرحى، وتأوهات المعذبين، وتنقل إليكم دموع الصامتين ونحيب الشباب المكبلين.. إلى كل إنسان على وجه الأرض، يحمل لسانًا ينطق أو قلمًا يكتب أو عقلًا يفكر.. إليكم جميعًا هذه الأنفاس الأخيرة والعبارات الأليمة، فلعلها تصل إليكم، وقد فارقت الأرواح الأبدان وصعدت إلى بارئها تشكو إليه ما حل بها ووقع لها».
هكذا عذبوني في السجن.
هل تم تعذيبك؟ وهل تنوي رفع دعوى جنائية ضد الذين عذبوك؟
نعم أنوي رفع قضية ضد الذين آذونا وعذبونا ليأخذوا جزاءهم كاملًا وليكونوا عبرة لغيرهم.... وكيف لا أرفع قضية على المعذبين الظالمين؟! وكيف لا أرفع صوتي مدويًا لأقول لهم إنكم أنتم الظالمون فأوقفوا ظلمكم، وكفوا عن الناس أيديكم حتى لا يشملني العذاب الآتي من الله لمن لا يدفع الظلم، وفي الأثر «إذا عجزت أمتي عن أن تقول للظالم يا ظالم، يوشك أن يعمهم الله بعذاب»... كيف أسكت عن الظلم وأركن إلى الظالمين وأساعدهم وفي الآية: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (هود:113).. وكيف لا نتمنى أن يلقى هؤلاء المجرمون المعذبون في السجون وقد أصابنا من جرائهم ما أصابنا وما تنوء به الجبال الرواسي وتعجز عن تحمله؟!... لقد امتلأت سجون مصر بالتعذيب مما يشيب له الولدان، وقد ثبت للمحكمة آثار هذا التعذيب مما اضطرها إلى إسقاط الدليل المستمد من الاعترافات المأخوذة عن هذا الطريق، أما ما وقع علي من تعذيب فقد سجلته في النيابة العسكرية بتفصيل استغرق أكثر من عشر صفحات، على حين ذكرت في نيابة أمن الدولة هذا التعذيب مجملًا، إذ رفض المحقق التفصيل في ذلك، وها هو ذا بعض ما ذكرته أثبته هنا في نقاط:
- حرمت حرمانًا كاملًا من الغذاء والدواء المناسب لمرض السكر، مما دفعني إلى الامتناع عن الطعام فترة طويلة.
-أستقبلني سجان عنبر التجربة بليمان طره بقض أذني وضربي بقبضة يده في فكي الأسفل، وانهال عليَّ بعصا غليظة على جسدي ورأسي.
-كنت أسمع السباب والشتائم طوال اليوم سواء من السجان أو من المحققين أو من ضباط السجن بأقذع العبارات وأحط الألفاظ التي يعف القلم عن كتابتها..
-كل سجن ننزل به أو نرحل منه، كنت أستقبل ومن معي بعاصفة هوجاء من الضرب والركل بالأرجل مع إمطارنا بوابل من الكبلات والعصي الغليظة والأسلاك المفتولة والكرابيج.
-هددني محققو مباحث أمن الدولة بإحضار زوجتي وأولادي وإهانتهم.
-هددني بالصعق بالكهرباء وبالكلاب المسعورة وبفعل الفاحشة.
-أوقفوني طويلًا في الماء تارة، ورافعًا يدي أخرى حتى أعجز عن الوقوف ولا أستطيع مواصلته.
-وقفت في سجن القلعة من الثانية صباحًا حتى العصر.
-ضربوني مائة سوط بالكرباج على قدمي المعلقتين في الفلكة.
-وضعوني في الزنازين القريبة من التحقيق حتى أسمع الصراخ والعويل والبكاء والنحيب من غروب الشمس إلى طلوعها...
هذا وغيره كثير.. وقد جاء في حيثيات حكم المحكمة ما نصه:
«ثبت للمحكمة على وجه القطع واليقين أن المتهم عمر أحمد عبد الرحمن عند إدلائه بأقواله بالتحقيقات لم تكن إرادته حرة، بل كان واقعًا تحت تأثير التعذيب الذي تعرض له في الفترة ما بين القبض عليه بتاريخ ۱۸ أكتوبر ۱۹۸1إلی أن مثل أمام النيابة العسكرية بتاريخ ٤ نوفمبر۱۹۸۱وأمام النيابة العامة بتاريخ ۱۱ نوفمبر ۱۹۸۱.. والدليل على ذلك: أنه قرر أمام المحقق بالنيابة العسكرية يوم ٤ نوفمبر ۱۹۸۱ أنه تعرض لضغوط كثيرة تتمثل في وقوفه من الساعة الثانية صباحًا حتى العصر، والضرب بعصا على جسمه وبالكرباج على قدميه، وأن المحقق هدده بإحضار زوجته إلى السجن، وبإحضار الكلاب لنهش جسمه والاعتداء عليه بالسجن والقذف، وتهديده بهتك عرضه، الأمر الذي أوقع الرعب في قلبه، وأنه حدثت به إصابات بظهره وقدمه، الأمر الذي تستخلص منه المحكمة أن الاعتداء قد أثر على إرادة المتهم فيما أدلى به من أقوال نظرًا لكبر سنه، ومكانته العلمية والثقافية، وباعتباره من رجال الدين الذين جبل المجتمع على احترامهم وتوقيرهم، فضلًا عن ظروفه المرضية وما ابتلى به من عيب خلقي هو فقد بصره، مما يزيد من وقع آثار التعذيب على نفسيته وإرادته فيعدمها، حتى ولو كان يسيرًا، ومما يستطيع غيره أن يتحمله دون أن تتأثر إرادته..
ومن ثم لا تعتمد المحكمة على ما ورد بأقواله بالتحقيقات لأنها كانت وليدة إرادة معيبة مشوبة بالإكراه».
وهكذا أسقطت المحكمة كل التهم المنسوبة إلى الدكتور عمر عبد الرحمن لأن إرادته لم تكن حرة..
شباب الجهاد هم مسلمون مخلصون:
كيف ترى المتهمين في قضية الجهاد فكرًا، ووعيًا، وإدراكًا للفهم الإسلامي الصحيح؟ وما هي جوانب الاتفاق والخلاف بينك وبينهم؟
إن إخواننا المتهمين في قضية الجهاد هم من عصارة العصر وخلاصة المجتمع ورحيق الذين يشتغلون للإسلام ويعملون له.. عقيدتهم هي عقيدة السلف الصالح وحديثهم الكتاب والسنة، وهديهم هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (الفرقان:64) ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (السجدة:16).. يقرأون القرآن ويتدبرون آياته فتقشعر منه جلودهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم لذكر الله... عندهم غيرة قوية على الإسلام، وحمية شديدة لدين الله يجاهدون في الله حق جهاده لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (التوبة: 71) ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (المائدة: 54)... فكيف أختلف مع هؤلاء في قليل أو كثير؟!. بل كيف أجرؤ أو أجسر على أن أختلف معهم في صغير أو كبير!!. أني أتعلم منهم وأسير على منوالهم وأترسم خطاهم، فهم قد باعوا في سبيل الله أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وقالوا: ربح البيع..
الجهاد هو القتال:
هل تعتقد أن قضية الجهاد تضيف رصيدًا حقيقيًا للحركة الإسلامية في مصر والعالم؟
نعم، أضافت رصيدًا حقيقيًا في الحركة الإسلامية لأنها نبهت المسلمين على واجب طالما أهملوه، وغفلوا عنه وبعدت الشقة بينهم وبينه، وقام كثير من دعاتهم ينفونه أو يستبعدونه إلا أنه واجب الجهاد، لقد فهمنا من القرآن والسنة بوضوح كما فهم منها السلف الصالح أن الجهاد واجب ولازم، وفريضة على كل مسلم ومسلمة في مثل أحوالنا التي نمر بها, فقد قال العلماء إن الجهاد يكون فرض عين إذا دعا الإمام إلى النفير العام، وإذا التقى الجيشان، وإذا داهم العدو أرض المسلمين واحتل أي جزء من أجزائها وعند ذلك يلزم الجهاد الرجال والنساء والصغار والكبار والأفراد والجماعات والأغنياء والفقراء والشباب والشيب لقول الله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة:41).
إن قضية الجهاد أضافت رصيدًا حقيقيًا، ودحضت حججًا واهية، وأزالت مغالطات ورفعت شبهًا حول مفهوم الجهاد، ومن أهمها ما أثارته نيابة أمن الدولة أثناء مرافعتها أمام المحكمة في القضية الأخيرة، إذ قالت النيابة: والجهاد الشامل جهاد النفس والشيطان والفقر والمرض والجهل، وأما أن الجهاد هو القتال فذلك مفهوم غريب على الفكر الإسلامي. إننا نسأل: أين هو الفكر الإسلامي الذي تستقي منه النيابة علمها؟ هل هناك نصٌ واحدٌ من الكتاب والسنة ورد فيه أن الجهاد هو جهاد الفقر والمرض والجهل؟ إن من لديه قليل علم من الدين يدرك بوضوح من تتبع آيات القرآن الكريم وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أن كلمة الجهاد في لسان الشرع وفي المفهوم الإسلامي تعني القتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وهو مفهوم اتفقت عليه الأمة وحددته النصوص منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان، ففي صحيح البخاري وصحيح مسلم والسنن الأربعة وفي سائر كتب السنة نجد أن أبواب الجهاد تتحدث عن القتال في سبيل الله، وكذلك كتب الفقه الإسلامي تتحدث في باب الجهاد عن القتال والفيء والغنيمة والجزية وأحكام الحرب ومشروعيتها..
ما رأيك في الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي؟
إن هذه الدعوات كلها مع ما فيها من قصور يكمل بعضها بعضًا، وتسد الواحدة منها خلل الأخرى، والواجب ألا يكون بينها تطاحن أو شحناء، وإنما الواجب عليها جميعًا أن تتناصح بالحق وتتمسك به، وتنقي نفسها من أي قصور أو انحراف.. إن الإسلام اليوم يحتاج إلى تضافر جهود العاملين المخلصين جميعًا، ويحتاج إلى التماسك والترابط وهو يواجه أعداء لا حصر لهم، ويجب على الجميع أن يدرك أن هذا الدين ثقيل، وأن تبعته شاقة، وأنه دينٌ شاملٌ كاملٌ متكاملٌ، لا يقبل تجزئة أو مشاركة، ولا يرضى بتنازل ولا ترخص، وهو دستور الحياة.
إن الإسلام في حاجة إلى رجال يبذلون أرواحهم رخيصة في سبيله، يبيعون أنفسهم وأموالهم لله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ (التوبة:111).
موقف الأزهر :
ما موقف الأزهر منك بعد القبض عليك متهمًا في قضية الجهاد باعتبارك أستاذًا للتفسير بجامعته؟
لقد وقف الأزهر مني موقفًا غير كريم، وتخلى عني في وقت كنت أحوج إلى عونه من أي وقت آخر، وتركني للأنواء والأعاصير، وفي مهب الرياح.. بل سمح للخناجر المسمومة أن تطعني في ظهري إن لم يكن قد شارك فيها.. لقد صمت الأزهر -إلا من رحم- عند عرض هذه القضية صمت القبور، بل إن شيخ الأزهر امتنع من الشهادة بالمحكمة حين دعي إليها، ولا أدري هل نسي قول الله تعالى ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة: 283) ومما زاد الطين بلة أن شيخ الأزهر استجاب لنيابة أمن الدولة وقدم تقريرًا للمحكمة، ليس تقرير الأزهر ولكنه تقرير شيخ الأزهر ولجنته الخماسية الذين رضوا أن يعطوا الدنية في دينهم، وما كنت أحب أن يدور صراع بين العمائم البيض في قاعات المحاكم ولا على صفحات الجرائد، ولكنها معركة فرضت نفسها علينا، وأقول إن تقرير شيخ الأزهر ولجنته الخماسية عالج القضية بأسلوب المجاملات والمداهنات، وبدلًا من أن يشكروا فضيلة الشيخ صلاح أبو إسماعيل الذي شهد في المحكمة، وأسقط عن العلماء ما وجب عليهم أن يقوموا به، تراهم بدلًا من ذلك قد سلقوا الشاهد بألسنة حداد..
إن الأزهر اليوم وإن مرت به سحابات أو ظللته غيوم، فلا بد أن تنقشع ولا بُدَّ أن يعود المجد التليد، ولا بُدَّ أن يقف شيوخه ورجاله الموقف الذي يرضي الله، فهذا هو العهد بهم دائمًا...
المجتمع: تشكر فضيلة الشيخ الدكتور عمر عبد الرحمن وتدعو الله أن ينصر المسلمين في جميع قضاياهم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.