; حوار حول ... مواقف إزاء الاتجاه الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان حوار حول ... مواقف إزاء الاتجاه الإسلامي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-ديسمبر-1980

مشاهدات 72

نشر في العدد 507

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 16-ديسمبر-1980

القطامي: نحن من المرحبين بالتيار الإسلامي المنظم الذي بدأ في الساحة الكويتية.

القطامي: الصدام الذي حصل بين عبد الناصر والإخوان المسلمين من سوء حظ العمل العربي.. ولو لم يحدث لكان لنا شأن آخر.

أبو المجد: العلمانية تبخس المسلم وتنصف النصراني فهي إعمال كامل للطبيعة النصرانية.

أبو المجد: حركة الإخوان المسلمين عالمية وكان إحساسها مليئًا بنبض المجتمع وبأولياته.

هويدي: أحس أحيانًا أن مجلة المجتمع وضعت المجتمع كله في قفص الاتهام، وصارت سياطًا مشهرة في وجهنا جميعًا.

هويدي: إن عملية تطبيق الشريعة تحتاج في عرضها إلى إحسان العرض وترتيب الأولويات.. فالدخول إلى تطبيق الشريعة من باب الحدود يسيء إلى الإسلام.

النفيسي: الاتجاه الإسلامي في الثمانينات ما زال يعيش تحت سيطرة جيل الأربعينات، وهذا يعني أنه يتحرك بعقلية وظروف الأربعينات المختلفة عن حاضرنا. 

النفيسي: الاتجاه الإسلامي ما زال اتجاهًا تربويًا تسيطر عليه مدرسة تربوية، وهذا يعني أن المدرسة الجماهرية الإعلامية غائبة تمامًا.

لأن الإسلام صار يطرح نفسه كقوة سياسية فاعلية، في مختلف الساحات، ولأن صحوه المسلمين على مشارف القرن الخامس عشر الهجري، صارت عامة شاملة واعية تعرف ما تريد. ولأن الإسلام في مظهره الحركي، يتمثل في الحركات الإسلامية التي تحمله شريعة إلهية ومنهج حياة...

 لكل ذلك، دعت مجلة «المجتمع» إلى حوار حول موضوعية العنوان، في ندوة مغلقة على بعض المفكرين، لتتاح أكبر فرصة للحرية في التعبير والمناقشة.

 وإذا كانت «المجتمع» تطرح آراء السادة المشاركين في الندوة والتي تنصب على نقد الاتجاه الإسلامي.. فإن «المجتمع» تدعو القارئ المسلم لأن يتسع صدره للنقد الذي قد يكون متجنيًا في حين، وموضوعيًا في حين آخر، كما أنها تدعو القارئ لأن يشارك في هذا الحوار من خلال الرسائل والمكاتبات.. وإننا في المجتمع ننوه إلى أننا لسنا بالضرورة موافقين على كل ما طرح من نقد وآراء.

 وقد شارك في الندوة كل من المفكرين السادة:

  • السيد جاسم القطامي: ممثل الأطراف الوطنية المعروفة بتاريخها الوطني، وله ممارسات سياسية طويلة وتاريخ سياسي معروف.

  • الدكتور كمال أبو المجد: من المهتمين بالدراسات حول الحركات الإسلامية، وقريب جدًا من السلطة السياسية، ولذا فهو أعرف بتوجهاتها حول الأطراف السياسية الموجودة.

  • الأستاذ فهمي هويدي: مدير تحرير مجلة «العربي»، وصاحب صفحة الفكر الديني في جريدة الأهرام التي كانت أول من فتح باب الكتابة عن الحركات الإسلامية المعاصرة في مصر.

  • الدكتور عبد الله النفيسي: من رجالات الحركة الإسلامية وصاحب تجربة سياسية معروفة على كل المستويات، وله اتصال بالحركات الوطنية والاتجاهات الوطنية في الكويت.

  • وقد دار هذا الحوار: 

  • الأستاذ إسماعيل الشطي «رئيس تحرير المجلة». 

 وقد افتتح الندوة الأستاذ الشطي، وطرح من البداية تساؤله حول: تصورات الآخرين تجاه الحركة الإسلامية، وعلل لكون الندوة مغلقة، بإتاحة الفرصة للصراحة المطلقة من قبل المشاركين. وطلب من الأستاذ القطامي الحديث عن تصوره للاتجاه الإسلامي من حيث الأهداف والتحرك.

  • القطامي: أشكرك على هذه الفرصة التي أتحتها لي، وموضوع الحركة الدينية في الكويت موضوع ضخم، ويصعب على الإنسان أن يقيمها دون إعداد مسبق أو تحضير، حتى يأتي التقويم موضوعيًا، يعطي الحركة حقها. وعلى أي حال، لا بد من أن نخرج من الزاوية التي وضعنا فيها، ونجيب!

 إننا كلنا والحمد لله مسلمون، ولا نعتقد أننا نختلف عن الحركة الإسلامية المنظمة، وإلا كنا نعتبر أنفسنا ضمن الحركة، ونحن نؤيد الخط الإسلامي ونعتقد أن الحركة تملأ الفراغ لدى الشباب بما لديها من مثل وأخلاق.. لذلك نحن من المرحبين بالتيار الإسلامي المنظم الذي بدأ في الساحة الكويتية. 

 ولكن لي عدة مآخذ على الإخوة: 

  • الممارسات التي تتسم بالشدة والصلابة، مما ينفر كثيرًا من الفئات الأخرى التي تحب أن تكون متكافئة في الحوار. 

  • کنا نتمنى لو أن الفئات الإسلامية كانت مثالًا للفكر الإسلامي الهادئ الذي يمثله قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، هذه المثل الإسلامية الهادئة فيها الكثير من الديمقراطية، وأعتقد لو أن الحركة التزمت هذا الخط لاستقطبت كل الفئات الأخرى بالحوار والإقناع والمحبة، لأن ظروف الأمة العربية تجعل النفوس مهيئة للعودة إلى الإسلام، ولكن مع الأسف يوجد تعصب وتكفير للآخرين، مثلًا في جمعية الخريجين حصل تشنج لا لزوم له! لوجود التحدي بين الطرفين. أنا أفهم أن الإخوان الإسلاميين يحاكمون الشيوعيين أولًا ونحن نأتي بالآخر- ولكن نحن في البيان مسلمون... 

 الشطي: أستاذ محمد، أنت متفق معنا على أن المنهج الإسلامي يقدم الحل للمسائل التي يعانيها مجتمعنا وتقف معه بكل قوتك؟!

القطامي: نعم.

الشطي: ولكن تتحفظ إزاء الممارسات الخاطئة للفئات الإسلامية!

القطامي: في الحقيقة، ليس كل الناس مؤمنين بشكل تام، الإيمان درجات: هناك مسلمون ولكن قناعتهم في إمكانية تقبل بعض الحلول أو التشريعات الوصفية تختلف. 

الشطي: هل تقول بالتدرج في تطبيق الإسلام؟!

القطامي: لا أعني التدرج، وإنما ليس كل شيء مرة واحدة، حتى تأخذ الناس فرصتها في الاقتناع، وهم يتمنون ذلك، ولكن عليك لأن تكسب آراءهم ألا تعاديهم، فيصبح الجميع متقوقعين وشبابنا مؤمنون، ولكن لهم قناعات في بعض القوانين الوصفية، فإذا استعملت معهم الحدة يتمسكون بآرائهم، وفي بيان التجمع الوطني فقرة عن الدولة تقول: «يرى التجمع الوطني أن الشريعة الإسلامية هي مصدر أساسي من مصادر التشريع، وقد سبق أن ذكرنا ذلك في أول هذا البيان، إلا أن ما نريد التأكيد عليه هنا هو أن استنباط الأحكام الشرعية من مصادر شريعتنا الغراء: الكتاب والسنة، قد تجمد، ولهذا فإن تلمس الحلول التشريعية من مصادر الفقه الإسلامي من جديد، يستوجب فتح باب الاجتهاد، وبما أن الاجتهاد له مستلزمات خاصة في الممارسة، فإن التجمع الوطني يرى أن تبذل الدولة جهودًا مركزة لتلمس الحلول التشريعية من مصادر الفقه الإسلامي، هذا البيان وثيقة، وقد انشققنا عن الآخرين لأنهم تبنوا الخط الماركسي!! ونحن اتجهنا اتجاهًا عربيًا إسلاميًا ديمقراطيًا، يؤمن بالدستور والحرية: حرية الرأي والعمل السياسي، لا أحد يخون أحدًا!! قد نختلف ولكننا نتعاون لأننا نؤمن بإصلاح البلد ونريد تطويره، وإيجاد المجتمع الفاضل الذي تسوده المحبة والإخاء والتواصل، فليس هناك مسوغ لأي خلاف!!

الشطي: هذه فرصة للحوار ومعرفة آراء الناس بالاتجاه الإسلامي، وكلامك هذا يعني فتح آفاق معينة كانت في السابق مسدودة!! وقد يعطي القارئ المسلم انطباعًا عنكم غير ما هو معروف سابقًا.

 القطامي: لا، فنحن لنا ثلاثون سنة نعمل في الحقل الوطني، واتجاهنا إصلاحي ولم نتغير، ولم نلن ولم نخضع لأي ضغط والحمد لله، ونجحنا وأخفقنا لأن المعوقات ضخمة والقيم المضادة كثيرة!!

الشطي: نطرح السؤال نفسه على الدكتور أبو المجد، ليعطينا رأيه في موقف الآخرين من الحركة الإسلامية، وخاصة أنه أقرب إلى معرفة توجهات السلطة!

أبو المجد: أوافق الأخ أبا محمد «القطامي» على أن بداية الحوار في ذاتها خير، وأقول هذا الكلام من منطلق تجربة طويلة، كشفت لي أن في عالمنا العربي والإسلامي قوى وجماعات مكونة لنسيج المجتمع العربي والإسلامي، عندها قدرة غريبة على التعايش عشرات السنين دون أن يعرف بعضها البعض الآخر، هناك شيء يبدو في ظاهره معرفة، وهو ما نسميه الانطباع. أنا لو سألت أي جماعة عمن يساكنهم ويجاورهم ويعايشهم، فسأفاجأ بأنهم لا يعرفون عنه إلا كل ما هو عام، المسلم والمسيحي، السني والشيعي. وفي المجال السياسي هذا موجود، وبالتالي يقوى احتمال الوقوع في المواقف الشاذة: فنرى أناسًا متفقين على أشياء كثيرة يتصادمون وبالعكس. والحوار بالمعروف وليس الانطباع خطوة لها تأثير. وأسجل هنا ملاحظة خاصة حول هذا الحوار:

 هناك ظواهر تقدم نفسها، ربما لأن هناك ضميرًا إسلاميًا عامًا، وضميرًا عربيًا عامًا يتلقيان من مصادر متشابهة، ويصلان كل في ميدانه إلى نتائج متقاربة!! 

 وأؤكد أنه قد يكون في تونس أو المغرب ومصر وإندونيسيا جماعة تناقش مثل هذا الأمر، لأن المشكلة محسوسة. 

 وأعود إلى جوهر الموضوع التيار الإسلامي واختلافاته مع أي جهة، أو في داخله!!

الحقيقة هناك مستويات:

  • قضية تصور الإسلام نفسه.. 

  • قضية السلوك العملي الإسلامي وأسلوب الدعوة.

 وقد لاحظت أنا الأخ جاسمًا أثاره ما يتعلق بأسلوب العمل.. سلوك الأفراد.. والحياة في مجتمع سياسي واحد تقتضي قواعد وأصول للتعامل حتى مع وجود الخلاف، لأن من أصول الدعوة لمذهب -كما ذكر- جمع الناس وتأليف القلوب!! وبصراحة: إن الحركة الإسلامية المعاصرة على امتداد جبهاتها وتعدد مدارسها بحاجة إلى وقفات دقيقة، بدءًا من التصور وانتهاء بأسلوب الحركة، وهناك النية «إنما الأعمال بالنيات» فالنية أيضًا مفروضة في التصور، وأي تحرك ينبغي أن يصدر عن فكر. وهناك مشكلتان: الحركة الإسلامية مهددة في وجودها، ومهددة في

تحددها بالذات. 

 إذا تكلمنا في الوجود، غضب الذين يحسون بصدق بأن القضية قضية حاجة إلى تجديد، وإن تكلمنا عن الحاجة إلى التجديد انزعج الخائفون على الإسلام في قضية وجوده!!

 والذي أراه: أن الأمرين لا ينفصلان!! وإذا لم يتجدد الدعاة المسلمون، فسيجرفهم التيار بوجودهم وتجديدهم!! وإذا لم يتم التجديد عن علم وهدى، فسيكون عملية اقتلاع وهذا هو الفرق بين المجددين الإسلاميين والعلمانيين، لأن الأول ملتزم بإسلامه بينما الثاني غير محايد في حق الإسلام! لأنك عندما تجيء بما جاء به نصاری سوريا ولبنان وتنادي بالعلمانية، فما معناها؟! معناها: يا مسلمون كفوا عن إعمال هذا الجزء من دينكم الذي يجعل دینكم دین هدى، بينما في حق النصراني: العلمانية هي إعمال كامل للطبيعة المسيحية.

الشطي: أراك تتجه لإبداء موقف الإسلاميين ككل حول الحاكم المسلم، فهل تعطينا موقف الجهات الأخرى؟ 

أبو المجد: هو مطلوب، ولكني لا أستطيع الزعم بأني أرى بعيون كل الآخرين، ولكنني أرى: 

  • أن أكثر الحركات الإسلامية، ضيقة صدورهم لسببين: 

  1. ما وقع عليهم في العالم الإسلامي كله من ضغط وتضييق. 

  2. إحساسهم بانطلاق كثير من المجتمعات بعيدًا عن الإسلام. 

 من هنا يسارعون إلى التنظيم المحكم والالتزام الكافي، وهذا يعكس ثلاث ظواهر يراها من يقف خارج صفوفهم: 

  1. الأمر الأول في موقفهم: عدم التسليم بالأولوية، أي إن الإسلام كل لا يتجزأ، فيطالبون الناس به كله، مع أن المجتمع غير مهيأ، مما يزرع فجوة مع غيرهم.

  2. الأمر الثاني: منهج «من ليس منا فهو علينا» الذي يشعر بأن مواضع الاختلاف أكبر من الاتفاق، ويسبب حرص الجماعات الإسلامية على التميز الذي هو فضيلة، ولكن يترك شعورًا بالمسايرة بين الإسلامي المنتمي وغيره. 

الشطي: ولكن الموقف.. نحن نحس بموقف موحد تجاه الموقف الإسلامي، هو التخوف!!

 أبو المجد، ذلك لأننا انطباعيون!! وكثير من الفوارق يا أستاذ إسماعيل التي تكون واضحة وأساسية بين الجماعات الإسلامية في داخلها، لا وجود لها في الانطباع المرسوم عن الجماعات الإسلامية خارجها، والذي يغلب عادة هو أكثر الأشياء «استثارة»، فإذا جاءت مجموعة وتصرفت تصرفًا غير ديمقراطي يقال رأسًا: والله.. الحركات الإسلامية تضيق بالرأي الآخر. وللأسف إن الصورة عن الإسلام لا تصنفها جماعة واحدة، وبالتالي فمهمة التعريف بالذات عبء، والجماعات الإسلامية

مطالبة به. 

  1. الأمر الثالث والأخير: الإسلام شامل، ولكن اهتمامات الناس تختلف، فالتجمع الوطني، سياسي دستوري ديمقراطي، ولو نقلته للتصور الكوني لوجدته إسلاميًا.. ولكن اهتمامه اليومي هو الطريقة الديمقراطية، وربما هذا الترتيب لا يكون حاجزًا بنفس الوضوح عن كثير من الجماعات الإسلامية، أعني الاهتمام بالقضايا المعاصرة لا يكون واضحًا!!

 وأنا أرى أن قضية الديمقراطية من أهم القضايا من وجهة النظر الإسلامية المعاصرة، ولو وضع الدعاة دعوتهم في مكانها الطبيعي لأفادوا جدًا، ولو نظرنا إلى قضية العدل الاجتماعي مثلًا، لوجدنا أن كتب بعض الجماعات الإسلامية تخلو منها، فقد نقرأ كثيرًا من هذه الكتب لنجد بعد ذلك أن البعد الاجتماعي غير وارد أصلًا فيها، والسبب هو أن هذا الكاتب مثلًا قد عزل نفسه. ابتداء عن المجتمع وأعضى نفسه من هموم مجتمعه. بينما تجد جماعة إسلامية أخرى كحركة الإخوان المسلمين على غير ذلك، والفرق كبير جدًا، فحركة الإخوان حركة عالمية في جوهرها على الأقل، كان لها مركز عام ومرشد عام معروف.. وكان لها رسائل متداولة.. ولها مشروعات صحية ومستشفيات وشركات.. كما كان لها اتصال مع الحركات الوطنية في الجامعات وغير الجامعات، وهذا يعني أن إحساسها كان مليئًا بنبض المجتمع وبأولوياته.. انظر مثلًا عندما قال حسن البنا لإحسان عبد القدوس: «أنت منا.. أنت من الإخوان المسلمين» على أي شيء يدل هذا؟ إنه يدل على تحرك البنا نحو المجتمع.. فمن أراد أن يعمل للمجتمع، لا بد أن يعمل في المجتمع.. أما الذي يريد أن يخدم المجتمع بأن يعزل نفسه عنه، فالاحتمال الوارد هو أن يقع في أخطاء مردية من الوزن الثقيل، حيث إنه لن يفهم الناس، وهذا يؤثر في رؤية الآخرين للجماعة الإسلامية.. ومن ثم فإن مثل هذه الجماعة سوف ترى كل من ليس معها عدوًا لها، وكل ذلك بسبب سلوك العزلة الذي يؤدي إلى عدم التطور مع هموم الإنسان المعاصر. 

 هناك أمر آخر.. وهو ظاهرة عارضة أشار إليها الأخ جاسم قبل الندوة، وهي ظاهرة الغلو في الانتفاء.. وهذه مشكلة لا تتعلق بحساب التصور.. وإنما هي تتعلق بفساد الحركة لخدمة الأهداف.. وهذه أخطاء بشر.. وإنما من أخطاء البشر تكوم الصور.. فتبدل صورة الحركات الإسلامية لا يكون بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله.. وإنما مما يفعله دعاة الحركة الإسلامية. والحقيقة أنني أريد في هذه المرحلة أن أكتفي بهذا القدر من العرض، على أن هذه هي الصورة في رأيي كما تتبدى لغير الجماعات الإسلامية. ومن شأن الحوار أن يظهر قسمات داخل الحركات الإسلامية غير معروفة، فهذا ينظر بتلسكوب، وآخر ينظر بالعين المجردة.. وغيره ينظر بتلسكوب يكبر عشرة آلاف مرة، والحوار هو هذا التلسكوب.. والانطباعية هي النظر المجرد، ومن هنا يستبين أولًا أن ما نسميه التيار الإسلامي هو مجموعة حركات.. وأن ما نأخذه على البعض ليس مأخوذًا على الكل.. وأن ما يفسر بكذا.. يكون تفسيره الحقيقي كذا.. وحتى ما نراه أحيانًا تزمتًا سببه الحقيقي كذا.. وما نراه ضيق صدر سببه قلة الخبرة الاجتماعية.

 وإذا جاز لي أن أنتهي من حيث بدأ الحوار الذي حصل في جمعية الخريجين بعد أن اطلعت عليه وعلى ردوده.. وهذا أمر بسيط جدًا ومحتم.. فحين تبدأ جماعة ليس لها خبرة العمل الاجتماعي السياسي بالنزول، وتريد أن تكون ملتزمة بالتنظيم.. ونكتشف أن وقفها عند الطرف الآخر لم يكن طيبًا، وأن بعض الأفراد أعطوا وجهًا متجهمًا.. وهذا يعني أنه سيكون بيننا طريق طويل لو أغضب بعضنا البعض في الخطوة الأولى.. ونحن بحاجة إلى ممارسة لاكتشاف المشترك بيننا، إنني لست منزعجًا مما حدث، إلا أنه يوجد بعض الناس ممن لهم خبرة كبيرة في هذا المجال، وآخرون لهم حرص كبير على النجاح.. ولا أريد أن أطيل أكثر من هذا.

  • ما أدري إذا كان الأستاذ فهمي هويدي عنده تصور معين إزاء الحركة الإسلامية والاتجاه الإسلامي، من خلال احتكاكه وكتابته وتتبعه لأخبار الحركة الإسلامية.

  • إن موضوع الحركة الإسلامية يحتاج إلى تعريف، فما هو المقصود بالحركة الإسلامية؟ إننا نقرأ عن الحركة الإسلامية.. ونقابل بعض العاملين في هذا الحقل، فضلًا عما نتلقاه عبر قنوات عديدة أخبار أطراف إسلامية.. ومع ذلك فإن موضوع الحركة يحتاج إلى تعريف. وقبل ذلك لا بد من الإشارة إلى أن هناك فروقًا واضحة.. وقواسم مشتركة بين التيارات الإسلامية، وإنني لا أختلف عند طرح ملاحظتي مع الدكتور كمال.. إن هناك مشكلة أساسية تعاني منها هذه الجماعات، فهي على علاقة سيئة بالآخرين. وبمعنى آخر فإنها لا تعرف كيف تقيم العلاقات والجسور مع الآخرين، وهذا يعني أن مشكلة تفكير الحركات الإسلامية المعاصرة يحتاج إلى حل، فهو فعلًا يصنف الآخرين بدرجات متفاوتة.. إنني لا أريد أن أذهب إلى ما ذهب إليه الأستاذ رشيد رضا في كتابة له فيها غرور واستعلاء.. ونحن لا نأخذها من موضع الاتهام- فهناك شيء مختل في علاقات التيار الإسلامي بالآخرين. ولا بد من إعادة النظر في هذه الجسور وفي تقويمها، بحيث تقام بطريقة صحيحة وعلى أسس يرضى عنها ديننا، وتحترم الآخرين وتحترم مواقفهم الفكرية ولو رفضناها، لأن هناك مسألة هي أن نتعامل مع الآخرين على اعتبار أنهم من البشر، لا أن يكون لنا الصدارة وحق محاكمة الآخرين، ولو أذن لي أن أستشهد ببعض ما جاء في مجلة المجتمع من هذا القبيل. فأنا أحس أحيانًا أنها وضعت المجتمع كله في قفص الاتهام، وصنفت هذا في السجن المؤبد، وهذا في الإعدام وهذا في النفي، أي أن المجلة صارت سياطًا مشهرة في وجهنا جميعًا، كما لو كنا مختلفين عن الناس، ولا أريد أن أطيل. فهذه عينات من بعض ما حصلته من انطباعاتي من جملة عدة أعداد للمجلة. 

 إن الحركات الإسلامية في بعض الأحيان لا تشعر الآخرين بأنها تقف معهم على أرضية واحدة، فهذا يحاكم، وذاك في قفص، إن هذه المسألة بحاجة لأن يخرج هذا من القفص، و ينزل ذاك من فوق المنصة، ويجلس الاثنان متقابلين، فإذا عثرنا على قاسم مشترك بين من يتحدثون باسم الحركات الإسلامية، فقضية الوصول إلى الآخرين تحتاج إلى تصحيح، وهنا تبقى نقطة أخرى تتركز في التعميم الذي تطرحه الحركات الإسلامية.. فإذا كان النقاش يدور الآن حول قضيتي الديمقراطية والشورى.. فهل يحق لأحد أن يقول: الديمقراطية ضد الإسلام؟ لا وهل القضية هي هي نفسها؟ فالديمقراطية ليس تعبيرًا إسلاميًا، ولكنها سميت هنا ديمقراطية وسميت هناك شورى، وهذا يعني أن هذا ضد هذا، وحتى لو اختلفت نظرية الديمقراطية عن نظرية الشورى، فإن ذلك لا يعني أن إحداهما هي ضد الأخرى. 

 إن الأجيال التي تتعلم في المدارس شيئًا عن طرح الديمقراطية، تفاجأ عندما يخرج عليها من يقول لها إنها ليست من الإسلام، وهذه مداخل ضارة نطرحها وذلك عندما نقول هذا من الإسلام وهذا من غير الإسلام.

 ثم هناك مسألة تطبيق الشريعة حيث إن البعض يطلقون هذه القضية في كل موقف دون تدبر، ذلك أن عملية تطبيق الشريعة تحتاج في عرضها إلى إحسان العرض وترتيب الأولويات، فعلى سبيل المثال نقول: إن الدخول إلى تطبيق الشريعة من باب الحدود يسيء إلى الإسلام. وأذكر لكم أنه عندما طرح هذا الموضوع في مجلس الشعب المصري صار أضحوكة.. ولم يحصل ذلك استخفافًا بالشريعة، بقدر ما كان حرصًا على ترتيب الأولويات.

 وهنا أريد أن أقول من خلال تجربتي في مصر، إن هناك عقدة تتعلق بالإسلاميين وهي أنهم ينظرون إلى الأمور من زاوية واحدة، وأضرب مثلًا على ذلك حديثهم وموقفهم من عبد الناصر، فحديث مجلة الدعوة عنه يدل كأن هناك في الأمر ثأر، إنهم لا ينظرون إلى تجربة عبد الناصر وكلها وما حدث في «1٥ - ٢٠» سنة، إلا من زاوية أحداث تصلح أن تكون معيارًا لوصف التجربة كلها. لذلك فإن المطلوب:

  • تصفية في كل صفحات الحاضر والمستقبل. 

  • الاعتماد على أرضية في مخاطبة الناس.

  • الابتعاد عن النظر إلى الأمور من خلال وضع عقدة حوادث «٥٤ - ٦٤» في الحسبان، نعم إن -الشيوعيين- على الرغم من أن ما أصابهم زمن عبد الناصر وصل إلى الحد الذي أصاب الإخوان، ومع ذلك فقد استطاعوا أن يتجاوزوا هذا الأمر ويوظفوه ويستخدموه لصالحهم، وكانوا في هذا الأمر أبعد رؤية، وأكثر مرونة وفهمًا لمتطلبات الحياة. 

 القطامي: إن الصدام الذي حصل بين عبد الناصر والإخوان المسلمين هو من سوء حظ العمل العربي، ولو لم يحدث هذا لكان لنا شأن آخر.

حقيقة:

  • إنما الواقع هي نقطة تتجاوز وتناقش، وأقول دون تعصب أو تشنج الواحد بترحم.

هويدي: نحن في عام ۱۹۸۱م ولا زلنا نتحدث فيما حدث عام 54 - 64.

 ومن الغرائب أنني التقيت عام ١٩٧٤م «بمتشل»، وأعلمني بأنه اطلع على مجلة الدعوة، وهو غير مستبشر بمستقبل الإخوان، وقد قال لي في وصف حركتهم: «إنها حركة اجتزازية، والمشرفون عليها سيحصرون أنفسهم في تجربة ماضية، ولن يكون معبرًا جيدًا عن الجو الإسلامي الذي تتمتع به القاهرة، والله أعلم. 

  • ما رأي الدكتور عبد الله النفيسي؟

 أجاب النفيسي قائلًا:

- السؤال هو تصوراتنا عن الاتجاه الإسلامي، والجواب: ثمة نقاط بين يدي ذات نتائج سلبية جدًا على طبيعة الاتجاه الإسلامي.

النقطة الأولى:

 نظرًا للمحن التي تعرضت لها الحركة الإسلامية، فإنه لا بد أن تتأثر نفسية الإسلاميين بتلك المحن بانعكاسها على سلوكياتهم،الأمر الذي جعل نفسية الإسلاميين نفسية الشيعة المضطهدة، ولا شك فإن الانسان المحبوس في حظيرة لا بد أن يتصرف مع من هو خارج الحظيرةبشيء من الغلظة والجفاف. وهذه النفسية ما زالت هي السائدة في أوساط الإسلاميين بشتى غاياتهم وشؤونهم.

النقطة الثانية:

 إن الاتجاه الإسلامي في الثمانينات ما زال يعيش تحت سيطرة جيل الأربعينات. وهذا يعني أن الحركة الإسلامية اليوم تتحرك بعقلية وظروف الأربعينات المختلفة عن حاضرنا.

النقطة الثالثة:

 إن الاتجاه الإسلامي ما زال اتجاهًا تربويًا تسيطر عليه مدرسة تربوية، وهذا يعني أن المدرسة الجماهيرية والإعلامية غائبة تمامًا عن اهتمامات أعضاء هذا الاتجاه، علمًا بأن الإنسان يحتاج إلى شيء هو أكثر من التربية العقائدية لكي يحسن عرض بضاعته، بينما الحركة الإسلامية ما زالت بعيدة عن المسألة الإعلامية وسياسة مد الجسور.

 وإننا من خلال ما ينشر العالم الإسلامي من مجلات وكتب وغير ذلك، نستنتج على ما يبدو أن الهدف الأساسي للاتجاه الإسلامي، هو استئناف حياة إسلامية على مستوى الدولة والمجتمع.

الشطي: هل تقصد أن هناك مجموعات إسلامية لا ترى استئناف الحياة الإسلامية على مستوى السياسة؟

النفيسي: هنالك مجموعات إسلامية بيننا لم تتبلور عندها الأهداف كما تبلورت لدى مجموعة من الإخوان المسلمين مثلًا، وهنا يبدو أن مسألة الأهداف مسألة فيها اختلاف في الأوساط الإسلامية. لو أنا أتينا الآن بعشرة من الشباب الجامعي المسلم وسألناه سؤالًا واحدًا: ما هي أهداف الحركة الإسلامية؟ فإننا سنحصل على عشر إجابات مختلفة. 

الشطي: ألا يمكن أن يكون اختلاف الإجابات ناتجًا عن التفاوت في القدرة على التعبير والاستيعاب؟

النفيسي: الحقيقة أنني لمست من مستويات كثيرة داخل الجماعات الإسلامية، اختلافًا في فهم الأهداف العامة لتنظيماتهم. وكما أن إجابة عشرة من الإخوان المسلمين ستأتي مختلفة، فإن إجابات عشرة أفراد من السلفيين ستكون مختلفة أيضًا أي أن كل مجموعة ستعطيك عشر إجابات. 

 وهذا يعني بالتالي أن بلورة الأهداف والتصور ضرورية، ولا بد للاتجاه الإسلامي أن يعرف ما يريد في هذه المرحلة من التاريخ. 

الشطي: في العمل الإداري توجد أهداف عامة وأخرى مرحلية فرعية، فأي الأهداف تقصد بالنسبة لعدم الوضوح؟

النفيسي: من المؤسف أن الاتجاه الإسلامي لم يطرح أهدافه المرحلية، وهنا يمكن أن ندخل إلى مسألة الأولويات التي طرحها الدكتور كمال أبو المجد.

  • إذًا حديثك عن الأهداف المرحلية وليس عن الأهداف العامة. 

  • لا.. إن الأهداف المرحلية غير موجودة، فنحن لا نعرف ماذا نريد الآن، ومن أجل أي شيء نتحرك، وليس عندنا خطة خمسية أو عشرية. وليكن معلومًا أن هذا التفكير العلمي أصبح ضرورة لأننا نتحرك اليوم في عالم منظم، ومن هنا فإن عدم وضوح الأهداف تجعل التحرك الإسلامي لا يحصل إلا في بعض الفرص، حيث ينتعش فيها قليلًا، ثم إذا به يسقط ويغيب عن الأنظار خمسة عشر عامًا مثلًا، وهذا يعني أن الاتجاه الإسلامي لا يملك قوة ذاتية تحافظ على سرعة معينة وخط معين وقوة اندفاع محددة، وهو خاضع لعوامل البيئة التي يعيش فيها. وكل ذلك ناتج عن النقاط الثلاث الأولى التي طرحها، والتي هي نفسية الشيعة المضطهدة، إذ يجب التحرر منها حتى يعيش الاتجاه الإسلامي بعافية وصحة مع الناس، كذلك يجب أن تطرح مسألة القيادة والتوجيه بجدية ووضوح، ومن كان جديرًا بالقيادة في الأربعينات، قد لا يكون جديرًا بالقيادة في المرحلة المعقدة التي نعيشها في عالمنا العربي والإسلامي. 

 أما علاقة التنظيم الإسلامي بالمجتمع، ينبغي أن تعير نوعًا من الفهم لظروف المجتمع، لكي يتحرك التنظيم بعلم ودقة، ولا يمكن ذلك إلا إذا عرف المحيط والبيئة التي يخاطبها. 

هذا خلاصة ما عندي. وأشدد على نقطة واحدة وهي التي أثارها الدكتور أبو المجد والمتعلقة بالأولويات، حيث إنه لا بد أن نعرف سلم هذه الأولويات. وهذا شيء لا بد منه، ودونه لا نستطيع أن نتحرك.

«سننشر الحلقة الثانية من هذه الندوة في العدد القادم إن شاء الله»

من أخبار المجاهدين 

أشارت الأنباء الواردة من... أن اشتباكًا عنيفًا للغاية قد تم بين المجاهدين، وبين أعداد كبيرة من عناصر المخابرات السورية، قدر عددها بـ ٢٥٠ عنصر في مدينة الميادين القريبة من الحدود العراقية، وقد استمر الاشتباك لفترة تزيد عن الثلاث ساعات، استخدمت فيها الرشاشات والقنابل اليدوية، بالإضافة إلى قذائف ال آر. بي. جي، وقد تمكن المجاهدون من العودة إلى قواعدهم سالمين بفضل الله دون أن يصاب أحدهم بأذى.. وقد عم الذعر عناصر المخابرات في تلك المنطقة، حيث سقط منهم خمسة عشر قتيلًا، بالإضافة إلى ما يقارب من العشرين جريح.. وكانت جريدة الثورة العراقية الصادرة يوم الجمعة بتاريخ 12/ 12/ 1980م، قد ذكرت أن اضطرابات عنيفة تشهدها مدينة الميادين، كما ذكرت في عددها السالف الذكر، أن مدينة حماة السورية قد تعرضت إلى قصف جوي قام به الطيران السوري، وأنه شوهدت أعدادًا كبيرة من الآلية العسكرية تتجه نحو مدينة حلب. 

 هذا ومما تجدر الإشارة إليه هنا، أن مدينة حمص كانت قد تعرضت في الأيام الأخيرة لعملية محاصرة من قبل الوحدات الخاصة السورية، حيث قطعت الاتصالات مع المدينة المذكورة وقد تم تفتيشها منزلًا منزلًا. 

الرابط المختصر :