العنوان حوار المجتمع مع المؤرخ: سيف الشملان (2)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-مارس-1984
مشاهدات 116
نشر في العدد 661
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 06-مارس-1984
- كتب التاريخ تحتاج إلى تنقيح فقط
- الهولة والعوضية والفوادرة والكنادرة عرب تحولوا من جزيرة العرب إلى سواحل فارس.
كنا نشرنا في العدد الماضي جزءًا من الحوار الذي أجرته المجتمع مع المؤرخ الكويتي سيف مرزوق الشملان؛ حيث سلط فيه الأضواء على جزء من تاريخ الكويت، وفي هذا العدد ننشر الجزء الثاني من هذا الحوار.
المجتمع: هل هناك شخصيات أخرى تضيفها؟
الشملان: في الواقع هناك شخصيات خدمت الكويت وقدمت عطاء جليلًا ولا أستطيع حصرها، ولكني أقول: إنه كان على رأسها الشيخ يوسف بن عيسى القناعي، وحمد الصقر، وحمد الخالد، وناصر البدر، وغيرهم. وهناك رجل كبير خدم الكويت في مجال العلاج هو المرحوم أحمد بن محمد الغانم المتولي سنة ١٩٦٢م وعمره يربو على المائة سنة، فهذا الرجل كان طبيبًا شعبيًّا حاذقًا ومطلعًا على كتب الطب العربية القديمة، فكان رحمه الله يعالج المرضى، ويجبر الكسور ويعمل الأدوية بنفسه، ويقدم الضمادات مجانًا لله تعالى، ويكفيه فخرًا أنه عالج الدكتور «مليري» طبيب المستشفى الأمريكاني في الكويت عندما أصيب بداء اليرقان «أبو صفار» عالجه بالكي فبرئ.
هذا الرجل من الواجب على الحكومة أن تطلق اسمه الكريم على أحد لمستشفيات حتى يعلم المواطنون والمقيمون من هو أحمد الغانم، وماذا كرمته الدولة هذا التكريم، ومع الأسف الشديد أن الغالبية العظمى من الكويتيين لا يعرفون حاليًا من هو أحمد الغانم.
أرجو من الحكومة أن تطلق أسماء الشخصيات الكويتية التي خدمت الكويت في شتى المجالات على المستشفيات والمستوصفات والمدارس والأسواق والشوارع والميادين ونحوها؛ تقديرًا لهم واعترافًا بفضلهم عندما كانت الكويت بأمس الحاجة لخدمات أبنائها، ومنذ عام ١٩٦٢م وأنا أطالب الحكومة بتكريمهم والحكومة كرمت عددًا قليلًا منهم.
المجتمع: وماذا عن الشخصيات النسائية؟
الشملان: مثلًا المرحومة سبيكة الخالد شقيقة حمد الخالد كان لها فضل كبير في تأسيس المدرسة المباركية، وهي ليس لها ذكر إطلاقًا، وقد توفيت عام ١٩١٤م، وكانت تملك بيتًا وقامت بتقديمه مجانًا؛ لكي تقام فيه المدرسة المباركية، وكان كل ما تريده مقابل ذلك إنه بعد موتها تقدم عنها أضحية كل سنة، وفي حالة تحسن الأحوال المادية للمدرسة المباركية تقدم عنها أضحيتان، ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم تقوم وزارة التربية بتقديم أضحيتين لها كل عام.. إذًا لماذا لا نقدر هذه المرأة ولا نكرمها بإطلاق اسمها على مدرسة ما.
وامرأة أخرى هي شريفة العمر وهي مدرسة فاضلة لها مدرسة هي «مدرسة العمر» -في فريج العتيقي قرب المدرسة المباركية-، وكانت المدرسة للأطفال الصغار من البنات والبنين، ويكفيها فخرًا أن الملك عبد العزيز آل سعود كان من تلاميذها، وذلك عندما كان في الكويت مع أبيه ودرس عندها. وعندما قام الملك عبد العزيز بزيارته الشهيرة للكويت عام ١٩٣٦م قام بالسؤال عنها، وأرسل لها صرة من المال، فهذه السيدة الفاضلة لماذا لا يكون لها تكريم؟
وقد توفيت في أول الأربعينات بعد عمر طويل، وأسرتها «العمر» أسرة طيبة خدمت الكويت في مجال التعليم.
المجتمع: هل تحدثتا بإيجاز عن تأسيس مدينة الكويت وعن الهجرات التي وصلت إليها؟!
الشملان: الكويت حديثة العهد؛ حيث تأسست 1125هــ - 1713م؛ أي بنيت البيوت الطينية والحجرية على أرضها، وسميت بهذا الاسم تصغيرًا للكوت القلعة أو الحصن الذي بناه «آل عريعر» وأمراء قبيلة بني خالد على أرض مدينة الكويت وبالتحديد على مرتفع «البهتية» أمام قصر السيف، ولا يعرف تاريخ بناء الكوت إنما بنى قبل أن يسكن آل صباح وآل خليفة ومن معهم حوله، فنزلوا تحت حماية آل عريعر، وبعد ذلك ترعرعت الكويت وجاء إليها عدد من المهاجرين عندئذ رأى الكويتيون أن يختاروا أحد زعمائهم أميرًا عليهم لحل الخلافات والنظر في أمور البلدة ونحو ذلك، فاختاروا الشيخ صباح الأول بن جابر جد أسرة آل صباح، وكان اختيارهم له مصيبًا وفي موقعه، ويقول الرواة: إنه كانت لوالده الزعامة على قومه منذ أن كانوا في نجد، وهاجروا منها إلى قطر، ومكثوا بها سنوات طويلة، ومنها إلى الصبية مدة قصيرة، ثم الكويت٠
بعدما كبرت الكويت وصلت إليها الهجرة من نجد والزبير والبحرين وقطر والأحساء وسواحل فارس في إيران والذين هاجروا من سواحل فارس هم الهولة والعوضية والفوادرة والكنادرة وغيرهم. وهؤلاء عرب هاجر أجدادهم في الماضي من جزيرة العرب إلى سواحل فارس والجزر، وسكنوا سواحل فارس الممتد على ساحل الخليج من ميناء بوشهر إلى بلدة «لنجة» قرب مضيق هرمز، كما سكنوا الجزر وعمروها وخاصة جزيرة «خارك»، وتسمى حاليًا «خرج» ميناء إيران لتصدير النفط وجزيرة «قيس» وجزيرة «الجسم» وغيرها، وأسسوا المدن والقرى بسواحل فارس وأهمها بلدة «لنجة» وكان حاكم ميناء «بوشهر» وما حوله أميرًا عربيًّا هو الشيخ نصر آل مذكور المتوفي سنة ١٧٨٩م، وتولى الحكم بعده ابنه الشيخ عبد الرسول وكان صديقًا للشيخ جابر الأول بن عبد الله الأول حاكم الكويت الثالث حتى أن الشيخ عبد الرسول ما أراد أن يؤدي فريضة الحج طلب من صديقه الشيخ جابر أن يرسل إليه بعض السفن وبها رجال للمحافظة علي «بوشهر» حتى عودته، وسبق للشيخ عبد الرسول أن قدم بعض المدافع الكبيرة للكويت لمساعدتها في الدفاع.
فالشيخ نصر آل مذكور كان يحكم البحرين وقاعدة حكمه «بوشهر» وفي سنة ١٧٨٢م استولى آل خليفة على البحرين، والشيخ نصر من الهولة بالهاء وهي لفظة محرفة والصواب بالحاء «الحولة»؛ لأن أجدادهم تحولوا من جزيرة العرب إلى سواحل فارس والجزر، ويطلق البعض لفظة الهولة على سكان سواحل فارس والجزر قاطبة، والبعض يطلقها على جماعة معينة من العرب من سكان سواحل فارس والجزر، وظلت إمارات الهولة في سواحل فارس والجزر قائمة حتى حوالي سنة ١٩٢٧م؛ حيث قضى عليها الشاه رضا بهلوي، كما قضى من قبل على إمارة عربستان العربية وأميرها الشيخ «خزعل خان» ١٩٢٥م.
المجتمع: ما رأيك بالدعوات التي تنادي بإعادة كتابة التاريخ الإسلامي؟ وما هي الأسس التي يجب على أساسها أن يكتب التاريخ من جديد؟
الشملان: يجب أن يحافظ على التاريخ كما هو مكتوب في كتب التاريخ الموثقة ككتب الطبري وابن الأثير وابن خلكان والسعودي وغيرهم، إنما يجب أن يتم تنقيحها من بعض الأخطاء؛ وذلك على يد رجال الفكر والدين المنصفين.
بعض رجال التاريخ شوهت سيرتهم، وبعض الأحداث حرفت، والسبب في ذلك النواحي السياسية والطائفية والشخصية ونحوها. كما أن الشعوبيين لهم دورهم السيء في هذا المجال.
المجتمع: ما رأيك بالذين كتبوا في التاريخ الكويتي من غير الكويتيين؟!
الشملان: الكتابة التاريخية صعبة، ولكن يجب التوخي والحذر؛ خوفًا من الوقوع في الأخطاء كالتي وقع بها بعض الكتاب، كذلك فإن كتابة التاريخ تحتاج إلى صبر وجلد وتعب في جمع المعلومات والسؤال والبحث، ولكن عندما يزور شخص الكويت لفترة شهرين أو ثلاثة، ثم يخرج بكتاب عن تاريخ الكويت، فإن ما يكتبه لا يعدو عن كونه حشوًا.
أحسن من كتب عن الكويت من الأخوة العرب هو الدكتور «أحمد أبو حاكمة» وعلى رأس ملاحظاتي عما كتبه الدكتور أبو حاكمة أنه يعتمد بالدرجة الأولى على الوثائق والمصادر الأجنبية. الواجب يحتم عليه أن يعتمد أولًا على المصادر المحلية والمراسلات ونحوها، وأخذ المعلومات عن الرجال المطلعين، فهذه هي الأصل، تم يقارن بينها وبين المصادر الأجنبية.
المجتمع: هل تعتبر نفسك المؤرخ الكويتي الوحيد أم أن هناك مؤرخين آخرين؟
الشملان: أنا لا أعتبر نفسي مؤرخًا وإنما أنا قارئ وهاوٍ للتاريخ، ومن ناحية المؤرخين لتاريخ الكويت، فإن أول من كتب هو الشيخ عبد العزيز الرشيد عام ١٩٢٦م؛ حيث طبع كتابه تاريخ الكويت عام ١٩٢٦م في بغداد، والمؤرخ الثاني الشيخ يوسف بن عيسى القناعي، وله كتاب اسمه «صفحات من تاريخ الكويت» طبع عام ١٩٤٦م.
المجتمع: ألا يوجد كتاب تاريخ كويتيون معاصرون؟
الشملان: لا أرى حاليًا كتاب تاريخ بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، فلا يوجد كتاب يسعون بالبحث والتنقيب عن المعلومات بشكل جاد ودقيق.. ولكن أتمنى أن يظهر في المستقبل كتاب من هذا النوع.
المجتمع: ما رأيك بالخريجين من قسم التاريخ بجامعة الكويت والمناهج التي تدرس فيها؟
الشملان: مع الأسف لم أطلع على تلك المناهج، وبالنسبة للخريجين فإن بعضهم يزورني للحصول على بعض المعلومات، وللأسف فإنني لاحظت أنه لا عمق لديهم في الاهتمام بالتاريخ، وإن تركيزهم هو على السطحيات فقط، كما أنهم لا يملكون الاستعداد للبحث والسؤال والاستقصاء. ولا يتعبون أنفسهم في مراجعة الكتب وأخذ المعلومات من الرجال المطلعين.
المجتمع: ما رأيك بتشكيل أحزاب في الكويت؟
الشملان: أؤيد تشكيل أحزاب كمبدأ، ولكن في الوقت الحاضر فإنني لا أفضل، فالعواصف تضرب من كل جانب في المنطقة، بل يجب أن نتكاتف للحفاظ على الكويت التي تتمتع بأحوال ديمقراطية مرنة لا تتوفر في البلاد الأخرى.
المجتمع: ما رأيك في عمل المرأة؟
الشملان: أرى بأن المرأة عملها في بيتها لتربية أبنائها والاعتناء بزوجها بدلًا من أن تترك هذا للخادمات الأجنبيات اللواتي ضررهن كبير على الجيل الجديد.. فينشأ الطفل نشأة غريبة... إنما المرأة التي هي بحاجة للعمل؛ فلا بأس بأن تعمل في الأعمال التي تناسب طبيعتها كامرأة... ومع الأسف الشديد أن الكثيرات من النساء التحقن بالوظائف، ولم تكن هناك حاجة إلى ذلك أبدًا، وهن ينظرن إلى أن.. فلانة توظفت! فلماذا لا ألتحق أنا الأخرى! وامرأة بيتها مملكتها، ويكفيها فخرًا تربية أبنائها تربية صالحة، عمادها الدين القويم، والنسوة في الوقت الحاضر أوفر حظًا من أمهاتهن وجداتهن؛ حيث العمل الكادح في البيت والحياة الشاقة.. ومع هذا كله كن يعملن بجد وإخلاص لخدمة أزواجهن وأبنائهن وأهلهن؛ حيث إن البيوت في الكويت القديمة من نحو 40 سنة هي عكس ما عليه الآن في هذه الفلل الأنيقة والمريحة وهذا وحده فيه الكفاية.
المجتمع: ما رأيك بالأعمال التي أنجزها مجلس الأمة الحالي وهل كانت بالمستوى المطلوب؟
الشملان: مجلس الأمة له إنجازاته المعروفة، ولكن كل عمل له نواقصه، وهذا شيء طبيعي.
وبالنسبة لما أثير حول موضوع الجوازات الدبلوماسية للأعضاء فإن رجوع النواب عن هذا المشروع تصرف صائب وسليم، فلم يكن من اللائق بالنواب -وهم ممثلو الشعب- أن ينفردوا بمثل هذه الطلبات الشخصية، ونفس الشيء بالنسبة لموضوع الرواتب التقاعدية للنواب؛ فإنني أجد هذا أمرًا خاطئًا، فالمفروض من النائب خلال عمله في المجلس أنه يقوم بواجب وطني لا يحتاج؛ لأن يطلب عليه راتبًا.
النيابة تشريف لا تكليف، وأرجو أن يكرس المجلس وقته لخدمة المصلحة العامة بعيدًا عن الأمور الجانبية التي تأخذ الكثير من وقته.
- المؤرخ سيف الشملان يوضح بعض ما نشر من الجزء الأول من الحوار
الشملان: لدي هذه الملاحظات على الحلقة الأول من هذا الحوار وهي:
١- فاتني أن أذكر أن الأديب الشاعر الأستاذ عبد الله الأنصاري له فضله الكبير عليَّ في تشجيعي للكتابة بمجلة «البعثة» التي كان يرأس تحريرها، فنشرت أولى مقالاتي بها عام ١٩٥٢م - ١٩٥٤م، والأستاذ عبد الله زكريا كان مدرسي في مدرسة والده الأهلية منذ عام 1940م وفي المدرسة الشرقية.
٢- قلت: إن الشيخ مبارك الصباح اضطر إلى عقد معاهدة الحماية مع بريطانيا عندما أرسلت الدولة العثمانية سفينة حربية اسمها مركب «زحاف» بالفاء لنفيه خارج الكويت إلى إستانبول أو إحدى البلدان العثمانية والدولة العثمانية تدفع له راتبًا شهريًّا.
الشيخ مبارك أضطر إلى طلب المساعدة العسكرية من بريطانيا وإعلان خبر المعاهدة التي عقدها معها ١٠ رمضان المبارك ١٣١٦ه- الموافق ٢٣ يناير ١٨٩٩م وهي معاهدة الحماية التي ألغاها الطرفان يوم الاثنين ١9 يونيو ١٩٦١م ونالت الكويت استقلالها؛ لأن حادثة نفيه جاءت بعد عقد المعاهدة بثلاث سنوات أي في شهر شعبان ١٣١٩هـ نوفمبر١٩٠٧م. فاقتضى التنويه. وتحدثت بالتفصيل عن المعاهدة وحادثة نفيه في كتابي «من تاريخ الكويت» من صفحة (٢٥٧ - ٢٨٢)
3- أفضل أن تكون الكويت تحت الراية العثمانية من ناحية إسلامية؛ لأن الدولة العثمانية حاملة لواء الخلافة الإسلامية، ولها خدماتها الجليلة للإسلام والمسلمين طيلة أربعة قرون حتى سقوطها آخر سنة ١٩١٨م بعدما وضعت الحرب العظمى أوزارها.
4- قلت: إن الكويت سنة ١٩٠١ أثناء تهديد الدولة العثمانية لها لم تكن دولة، وإنما كان هناك حكم الشيخ مبارك الصباح الذي يسيطر على بلدة صغيرة. فأنا بقولي هذا أعني المتعارف عليه لدى الناس عامة على اسم الدولة بمعنى الكلمة بأن يكون لها كيان دولي، وتكون لها قنصلياتها، ولها علمها، وعملتها الوطنية ونحو ذلك، وإلا من ناحية قانونية فالكويت تعتبر في سنة ١٩٠١م دولة. وركائز الدولة قانونيًّا «الإقليم - الشعب - الحاكم» وهذه كلها موجودة بالكويت آنذاك.
يتبع في العدد القادم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل