; حوار الفرصة الأخيرة.. هل ينجو من المناورة؟ | مجلة المجتمع

العنوان حوار الفرصة الأخيرة.. هل ينجو من المناورة؟

الكاتب النذير المصمودي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1994

مشاهدات 74

نشر في العدد 1114

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 30-أغسطس-1994

في الواحد والعشرين من الشهر الجاري، بدأت بالجزائر الجولة الأولى من الحوار بين السلطة والمعارضة في مسعى يهدف إلى مصالحة وطنية تنهي حالة التوتر واللاأمن التي شهدتها "الجزائر" منذ إلغاء نتائج انتخابات ديسمبر (1991م) والتي فازت بها جبهة "الإنقاذ الإسلامية" بأغلبية.

ومعلوم أن السلطة الجزائرية وجهت رسميًا الدعوة إلى ثمانية أحزاب للمشاركة في عملية الحوار، وهي:

جبهة التحرير الوطني الحزب الحاكم (السابق)، بزعامة عبد الحميد مهري.

جبهة القوى الاشتراكية بزعامة حسين آيت أحمد.

حركة المجتمع الإسلامي بقيادة الشيخ محفوظ نحناح.

حركة النهضة الإسلامية بزعامة عبد الله جاب الله.

الحركة من أجل الديمقراطية بقيادة الرئيس السابق أحمد بن بلة.

حزب التجديد الجزائري بقيادة نور الدين بوكروح.

الحركة من أجل الثقافة والديمقراطية (RCD) بزعامة سعيد سعدي.

حركة التحدي بقايا الحزب الشيوعي الجزائري بقيادة الهاشمي شريف.

ومن خلال هذه المجموعة الحزبية التي وجهت إليها الدعوة للمشاركة في الحوار الوطني خرج المراقبون بملاحظتين:

  • الأولى: غياب جبهة الإنقاذ التي نادت معظم الأحزاب الكبرى والمتوسطة بضرورة إشراكها في الحوار، حيث لم توجه لها الدعوة رسميًا.
  • الثانية: أن الدعوة لم توجه إلى الأحزاب على أساس تمثيلها الشعبي في الانتخابات الملغاة في (ديسمبر) 1994م، وإنما على أساس نفوذها في أجهزة الحكم، وإلا ما معنى أن توجه الدعوة إلى أحزاب لا امتداد لها شعبيًا أصلاً كحزب التحدي مثلاً؟

ورأت جهات مقربة من الرئيس "الأمين زروال" أن هذا الأخير أراد بهذا الموقف إقامة الحجة على أحزاب "يسارية" مدعومة من الخارج تتهم "زروال" شخصيًا بالتحيز إلى الطرف الإسلامي ممثلاً في جبهة "الإنقاذ" وحركتي "حماس والنهضة الإسلاميتين".

وكانت هذه الأحزاب وخاصة الحركة من أجل "الثقافة والديمقراطية" قد أعلنت عن رفضها لأي حوار تشترك فيه أطراف سياسية إسلامية منذ أن أصدرت اللجنة الوطنية للحوار في منتصف (ديسمبر) 1993م، بيانًا ضمنته أرضية عمل أولية لمؤتمر المصالحة الوطنية جاء فيه "إن أعضاء جبهة الإنقاذ وشخصياتها القيادية لها الحق الكامل في المشاركة في الحوار الوطني، على نفس قدم المساواة مع بقية الفعاليات السياسية".

وكما كان متوقعًا فقد رفضت الحركة من أجل "الثقافة والديمقراطية" الاستجابة لدعوة الحوار وتبعها حليفها "حزب التحدي" قبل أسبوع من بدء الجولة الأولى للحوار، ولم يثر هذا الرفض اهتمام المراقبين والمحللين بقدر ما أثار اهتمامهم رفض جبهة "القوى الاشتراكية" بزعامة "آيت أحمد"، التي سبق لها وأن أعلنت عبر ناطقها الرسمي في الجزائر عن ترحيبها بالحوار، بل وعن نيتها في المشاركة في مؤسسات المرحلة الانتقالية.. وهي الجبهة التي احتلت "المرتبة الثانية" بعد جبهة الإنقاذ في نتائج الانتخابات التشريعية (1991م)، وظلت بعد إلغائها تطالب بالعودة إلى نتائج هذه الانتخابات، ورفع الحظر عن جبهة الإنقاذ الإسلامية، وتمثيل الجيش كجماعة منفصلة في الحوار.

وترى مجموعة من المحللين أن رفض جبهة "القوى الاشتراكية" لدعوة الحوار الأخيرة يعود إلى احتمالين:

المناورة التكتيكية للضغط على النظام وإرغامه على المزيد من التنازل الذي يصب في مصلحتها الاستراتيجية بالدرجة الأولى على المدى القريب.

الاحتمال الثاني (وهو المرجح): كونها أحست بجدية النظام في محاورة جبهة الإنقاذ، وهو ما لا يخدم مصالحها وأهدافها على المدى البعيد خاصة إذا كان هذا الحوار ممرًا إجباريًا لوصول الإسلاميين إلى الحكم وإقامة ما وصفه آيت أحمد نفسه بالدولة الأصولية (....) التي يرفضها.

وبناءً على ذلك، فإن حوار الفرصة الأخيرة كان السبب في بروز تيارين واضحين داخل المعارضة والسلطة متناقضين في الأهداف والوسائل:

التيار الوطني الإسلامي يسعى إلى حل سياسي للأزمة في إطار ثوابت الأمة ومقدساتها

1- التيار الوطني الإسلامي: الذي يسعى إلى حل سياسي للأزمة في إطار ثوابت الأمة ومقدساتها تتزعمه على مستوى المعارضة السياسية "جبهة التحرير، حركة حماس، وحركة النهضة" إلى جانب شخصيات وفعاليات معروفة كالرئيس الأسبق أحمد بن بلة، وبعض الجمعيات والنقابات والتنظيمات الطلابية ويحسب عليه على مستوى السلطة الرئيس الأمين زروال، ويوسف الخطيب. الرئيس الأسبق للجنة الحوار، وبعض القادة في المؤسسة العسكرية.

التيار العلماني يسعى إلى تدويل الأزمة ومنع الإسلاميين من الوصول إلى الحكم ولو عن طريق صندوق الاقتراع

2- التيار العلماني الجهوي: الذي يسعى إلى "تدويل" الأزمة، ومنع الإسلاميين من الوصول إلى الحكم ولو عن طريق "الصندوق"، وهو مدعوم بقوى خارجية تريد التدخل المباشر في شؤون الجزائر لإدارة الأزمة بطريقة تخدم مصالحها الإقليمية والدولية، ومن خلال البيانات الواضحة والمواقف، فإن "سعيد سعدي" "والهاشمي شريف" يتزعمان هذا التيار ويقودان بصورة علنية من داخل الجزائر وخارجها الحملة الشرسة على الإسلام والمسلمين في الجزائر، وإلى وقت قريب كان "آيت أحمد" -زعيم جبهة القوى الاشتراكية- محسوبًا على التيار الوطني الإسلامي غير أن موقفه الأخير من الحوار دفع الملاحظين إلى التشكيك في براءته من تهمة الدخول في لعبة المناورة؛ لتحقيق أهداف مصلحية على حساب المبادئ والثوابت.

وعلى رغم ذلك، فإن الكلمة التي ألقاها "الأمين زروال" في افتتاح "لقاء الحوار الوطني" الذي شاركت فيه خمسة أحزاب سياسية (يوم الأحد) 21 من الشهر الحالي، أعطت الانطباع لدى رؤساء الأحزاب المشاركة بأن السلطة جادة هذه المرة في إجراء حوار حقيقي مع المعارضة قد يكون الخطوة الأولى على طريق مصالحة وطنية تقوم على جملة من التنازلات المتبادلة بين جميع الأطراف.

وفي حوار هاتفي مع أحد مسؤولي الأحزاب المشاركة في لقاء الحوار، أكد المسؤول لـ "المجتمع" أن اللقاء مع الرئيس "زروال" يوم الأحد (21) من الشهر الجاري كان صريحًا للغاية، وأن زعماء الأحزاب المشاركة أكدوا لرئيس الدولة حرصهم على إخراج البلاد من أزمتها، وأعربوا عن قلقهم إزاء الأجواء المتوترة.

وطالبوا صراحة بإشراك جبهة "الإنقاذ" في عملية الحوار على اعتبار أنها حقيقة وواقع لا جدوى من محاولة تجاهله أو إلصاق تهمة الإرهاب بكافة عناصره وتنظيماته.

وحسب نفس المسؤول، فإن "زروال" فتح الباب أمام الأحزاب والفعاليات للاتصال بقيادة جبهة الإنقاذ المسجونة والتحاور معها من أجل إقناعها بضرورة التنازل عن بعض الشروط، بعد أن فشل هو شخصيًا في هذا المسعى وقام باتصالات سرية بقيادة الجبهة بالسجن بصفته وزيرًا للدفاع قبل تسلمه منصب رئيس الدولة.

وتؤكد أخبار من الجزائر أن الأحزاب المشاركة في الحوار ما زالت تصر على أن التسوية المبدئية التي يمكن التوصل إليها بين السلطة وجبهة الإنقاذ يجب أن تقوم على تنازلات متبادلة، كأن تصدر السلطة عفوًا عامًا عن كل المعتقلين الإسلاميين وعلى رأسهم القيادة الشرعية لجبهة "الإنقاذ" - كما طالبت بذلك حركة حماس في بيانها الأخير - في مقابل أن تدعم جبهة "الإنقاذ" الإجماع الوطني ومساعي المصالحة، وتتنازل عن بعض شروطها التعجيزية كالعودة إلى نتائج انتخابات (ديسمبر) 1991م التي فازت فيها بأغلبية، وهو الشرط الذي لم يتحدث عنه المسؤول الإعلامي للجبهة في الخارج يوم الإثنين الماضي، "من بروكسل" واكتفى بوضع أربعة شروط هي:

1- إطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين "وهو ما طالبت به الأحزاب السياسية الكبرى".

2- أن يكون الحوار علنيًا وعلى شاشة التلفزيون وفي هذا تحقيق لرغبة الشيخ "علي بلحاج" - الرجل الثاني في الجبهة-، والذي سبق له أن طلب مناظرة تلفزيونية مع "الأمين زروال"، في رسالة وجهها إلى رئيس الدولة في الأشهر السابقة.

3- إرجاع الشرعية لجبهة الإنقاذ لتمكينها من العمل السياسي أي (رفع الحظر الجاري عليها) منذ حلها سنة (1991م).

4- وقف المتابعات والمحاكم الخاصة والمداهمات والقتل العشوائي ويبدو من خلال هذه الشروط التي تطالب جبهة الإنقاذ والأحزاب الوطنية والإسلامية بها، أن الجبهة أكثر ليونة هذه المرة، وهو ما فسره المحللون بنيتها في العمل من أجل حل سياسي سلمي للأزمة.

وعلى الطرف الآخر، فإن البيان الذي نشرته رئاسة الجمهورية يوم الإثنين الماضي (22) من الشهر الجاري يؤكد نية "زروال" في إجراء انتخابات جديدة وإرادته السياسية في الحوار مع الجبهة، حيث دعا ولأول مرة أحزاب المعارضة إلى الانضمام إلى المؤسسات الانتقالية بما فيها الحكومة للتحضير للانتخابات وإعداد جدول زمني لها. وهذه الدعوة الجديدة عدها المراقبون بمثابة رمي الكرة في ملعب جبهة الإنقاذ "لتتحمل مسؤولياتها التاريخية تجاه المصالح العليا للوطن المهدد بمخاطر الشقاق والتناحر".

ولا شك أن الأنظار ستتجه في الأيام المقبلة إلى موقف جبهة الإنقاذ من الحوار والمصالحة، والذي ما زال في نظر البعض متأرجحًا بين القبول المشروط، والرفض القاطع بسبب رسالة علي بلحاج التي نشرتها قيادة الجبهة في الخارج قبل أسبوعين والتي طالبت فيها "زروال" بالاستقالة وطالبت بإشراك "المجاهدين" في حل الأزمة.

وليس ثمة يقين لدى أي طرف بأن لا يتراجع "بلحاج" عن مطالبه ما إن يتخذ الحوار مسارًا واضحًا، خاصة وأن الرسالة جاءت كما يعتقد أحد مسؤولي الإنقاذ كرد فعل على ما قامت به قوات الأمن تجاه العضوين القياديين "علي جدي وعبد القادر بوخمخم" بعد زيارتهما للشيخين "عباس وبلحاج" في سجنهما شهر (يونيو المنصرم) حيث قامت بمصادرة ما كان بحوزتهما من أوراق وملفات، مما أثار حفيظة الشيخ "علي بلحاج" وزاد في شكه بنية النظام، فيما تعتبر جهات أخرى أن "علي بلحاج" ملزم في كل الأحوال بقرار القيادة الجماعية وأن رسائله التي نشرت تعبر عن وجهة نظره كعنصر قيادي، وأن ما يعبر عن رأي القيادة سيصدر في شكل بيان رسمي، لكن هذا لا يعني أن رأي بلحاج لا قيمة له ولا وزن.

توقعات مستقبلية

إن تاريخ عقد الجولة الثانية من الحوار يوم الأربعاء المنصرم (24) من الشهر الجاري وموعد تقديم المجلة للمطبعة، قد يحرمان القارئ من تتبع ما استجد في هذا الأمر، غير أن ما توفر لدينا من معلومات ومعطيات تجعلنا نتوقع ما يلي:

أن تلتحق جبهة القوى الاشتراكية بسباق الحوار الذي يعد الفرصة الأخيرة والبديل الأوحد عن الذهاب إلى الدمار، وقد علمت "المجتمع" من مصادر مطلعة أن اتصالات مكثفة بزعيم الجبهة "آيت أحمد" تجري لإقناعه بعدم تفويت الفرصة الأخيرة.

أن تشرع الأحزاب السياسية الوطنية والإسلامية في زيارة القيادة الشرعية لجبهة الإنقاذ بالسجن من أجل التحاور معها وتحقيق الوساطة بينها وبين السلطة.

أن يعلن بعد جولات من الحوار عن تشكيل حكومة ائتلاف مؤقتة تتولى الإعداد للانتخابات.

وفي حال تعثر هذا المشروع في آخر لحظة لسبب أو لآخر، فإن السيناريو البديل سيكون "الاستمرار في اعتماد الحل الأمني"، وفي هذه الحالة يكون على قيادة الجيش البحث من جديد عن زروال آخر!

أما على "المستوى الدولي"، فيتوقع أن تعلن الولايات المتحدة هذه الأيام عن دعم "زروال" في مساعيه الرامية لإيجاد تسوية سياسية للأزمة.

كما أنه من المتوقع أن تضغط فرنسا عبر أجنحتها في السلطة الجزائرية على أصحاب الحوار، لتفادي وصول الإسلاميين إلى السلطة بشكل مؤثر.

لكن الضغط الخارجي مهما بلغ حجمه في نظر المراقبين لن يصل إلى درجة التأثير الكبير في قرارات مبدئية اتخذها "زروال" عن قناعة ومبدأ.. بل إن البعض يرى أن الظروف الدولية مشجعة على اتخاذ مثل تلك القرارات وخاصة ما يتعلق منها بالحريات وحقوق الإنسان، والممارسات الديمقراطية.

ويبقى في الأفق سؤالان: هل أن مبادرة "زروال" الجديدة مبادرة شخصية بمعزل عن سلطة الجيش، أم أنها خرجت إلى الوجود بعد الضوء الأخضر من جيش السلطة؟ وهل ستستطيع جبهة الإنقاذ استغلال هذه المبادرة لصالحها ولصالح الشعب الجزائري الذي أنهكته الأزمات على كل المستويات؟

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل