; حوار الداعية المعارض (٤) | مجلة المجتمع

العنوان حوار الداعية المعارض (٤)

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1988

مشاهدات 76

نشر في العدد 850

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 05-يناير-1988

    • مجاميع الحكام مازالت تحركها تقارير غامضة يرفعها المصلحيون المداهنون لها.
    • على كل حاكم أو حزب علماني أن يفهما نفسية الداعية المسلم

    إن سبب الافتراق بين دعاة الإسلام وبين جميع الحكام سبب مهم وواضح في المنطق الإسلامي، لكن الحاكمين يجهلونه أو يتجاهلونه.

    ذلك أن القرآن والسنة هما مصدر دين الدعاة ومنهج تفكيرهم مستمد منهما، ومن إرشادهما يعرفون محاسن الأخلاق.

    وهذان المصدران، مفترق عما هنالك من آراء العقول، وشهوات النفوس.

    أما القرآن: فقد سماه الله تعالى فرقانا في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: 1).

    أي يفرق بين الحق والباطل، والصواب والخطأ ويفصل طريق الإيمان عن طريق الجاهلية.

    وأما السنة فقد تبع وصفها وصف صاحبها صلى الله عليه وسلم فإن الملائكة قد أنطقها الله، فأثنت عليه، وأطنبت، ثم قالت: «ومحمد فرق بين الناس»(1).

    فرق فرقان بينهم، كما يكشفه هذا النص الخفي الثمين من تبعه وانقاد لكلامه، منفذًا مراده: كان مسلمًا حاكمًا أو محكومًا، ومن كسل عن ذلك ومنعته الشهوات: فسق وعصى، واستحق النصح، فالتأنيب، فالتقويم إن لم يسارع إلى ارتداع.. ومن عاند وحرف، وضاد، وأحل الذي حرم، وحرم الذي أحل: ففي الكفر وقع، وليس الكافر أن يقود.

    هذه هي منطلقات دائمة يصدر عنها دعاة الإسلام تحديد صلتهم بالحاكمين، فيؤيدون أو ينصحون يقارعون، تبعًا لمنهج الحاكم وسلوكه

    وقد صاغ إقبال ميزانهم في بيتين فصلين فقال:

    ليس هذا العقل ذو الوهن

    حريًّا بالإمامة

    فحياة الظن والتخمين

    ضعف وسقامة(2)

    فهم يعارضون الأنظمة الرأسمالية وديمقراطيتها الزائفة كمثل معارضتهم للأنظمة الاشتراكية الشيوعية وصراعها الطبقي المدمر، ويرفضون أي شكل علماني آخر لأنها نتاج العقول، والعقل يخمن، فيخطئ ويصيب ليس كالوحي.

    ·        إنما يقود الناس البصير

    وهم لا يملكون السكوت، وأن يتركوا ما لله لله، وما لقيصر القيصر، لأنهم يفهمون أن الإسلام رحمة مهداة شاملة صفته الكمال والتكامل، ولا يمكن أن تصان عبادات الناس إلا بحاكم متعبد مثلهم يفهم عباداتهم كما يفهمونها، كما أن أخلاقه تفترض خلفية من العدل وأنواعًا من العلاقات كي توجد وتنمو وطريق ذلك السياسة بما تعتمد من أمر مهيب، وتربية تقنع، ولذلك يدخل الدعاة أبواب السياسة، في غير ما طمع بمناصبها وبهرجها، وإنما تكميلًا للنقص.. وقد صاغ أبو حيان التوحيدي ميزانًا لهم آخر في ذلك، فقال:

    «إن الشريعة متى خلت من السياسة كانت ناقصة. والسياسة متى عريت من الشريعة كانت ناقصة»(3).

    فمن آمن من الحاكمين أو السائرين إلى الحكم بمثل ما آمن به الدعاة فقد اهتدى، وإن تولوا فإنما هم في شقاق هم بدأوه، وسيكفي الله الدعاة أذاهم، كما أذن لهم بكف الأذى.

    ·        مناهضة الشعوبية عبادة

    بهذه البساطة يرى دعاة الإسلام حقهم على جميع الحاكمين اليوم في أن يفسحوا مجال العمل للحركات الإسلامية، وأن يعطوا لفكرها وصحافتها حرية التواجد والتعبير ولنواب الأمة وممثليها حرية الانتخاب والاجتماع والبحث، تشبها بالأعراف العالمية إن لم يكن إيمانا بشورى الإسلام، فإنهم والكافرين قد اشتركوا في اتباع الرأي العقلي فكانوا أقرب منهم في هذا إلى الصواب، ولو أنهم فعلوا ذلك لقضوا على أساس أي تفكير بصراع ولأغنت الوسائل الحرة في ترويج كل ذي منهج لمباديه، ولكن الحاكمين يتعسفون.

    وكلهم في ذلك سواء، والقوميون منهم بالذات يزيدون على التعسف عدم استيعاب لمقاييسهم القومية نفسها وشيئًا من البعد عن إدراك المصلحة القومية، ذلك أن أكثر البلاد الإسلامية تسودها تيارات شعوبية تلقي في روع العامة المشاعر الإقليمية والحنين إلى الفرعونية والفينيقية وأمثالها من الأصول الجاهلية، ويوم كان عبدالناصر ينفخ في العرب الروح القومية كانت مصر أبعد بلاد العرب عنها بسبب قوة تلك الحملة الشعوبية فيها، ولو فكر القوميون بإنصاف لأدركوا أن الساحة المصرية خاصة لم تشهد خصمًا للشعوبية أشد من دعاة الإسلام.

    وكذلك شأنهم في بلاد العرب الأخرى، وهو شأنهم في غير بلاد العرب؛ إذ إن دعاة الإسلام في تركيا مثلًا قد أخلصوا لمصالحها الاقتصادية أيما إخلاص يوم كان دعاة الطورانية وأتباع أتاتورك يحولون الاقتصاد إلى قبضة اليد اليهودية.

    وقيادات الأحزاب الحاكمة، والملوك والأمراء وأصحاب الانقلابات، كأنهم جميعًا يجهلون ذلك، بل الأظهر من أمرهم أنهم يخضعون في فهمهم لهذه الأمور لإيحاء موتور يلقيه في روعهم من يتظاهر بحمل المعاني القومية من النصارى، أو من برع في الاقتصاد والإدارة وقربوه مستشارًا لهم، ولولا هذا الإيحاء والإملاء لوعى الحاكمون ارتباط محق الاتجاهات الشعوبية بحرية الحركات الإسلامية أكثر من ارتباطها بدعاة القومية.

    ·        استقلال المحتسبين لا تبعية المكتسبين

    إن مجاميع الحكام مازالت تحركها تقارير غامضة يرفعها المصلحيون المداهنون لها، ولم يستطع الحكام تجاوز الانشغال بالحيثيات اليومية الكثيفة الناتجة عن مراقبتهم للشباب المسلم إلى نظر مصلحي في أفق واسع ترى من خلاله صدق دعاة الإسلام في توجههم، وضرورة تواجدهم في الساحة، وإمكانياتهم في الإسهام بإكساب الحياة عناصر التعادل السياسي والأصالة الفكرية.

    وتتكرر تسرعات بعض الحاكمين حين يشترطون لحرية العمل الإسلامي ما يشترطونه على الأحزاب الأخرى من حتمية اعترافهم بعمل جبهي تكون فيه القيادة للحزب الحاكم، وهم يقيسونها هنا قياسًا مع الفارق، فإن الأحزاب تسيرها أهواؤها واجتهادات زعمائها، والعمل الإسلامي محكوم بفرائض القرآن وآداب السنة، وحدود الحلال والحرام ويمنعه الميزان الشرعي في «تجريد الولاء» عن تبعية حاكم أو حزب آخر؛ إذ الولاء عند المسلم لله تعالى، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولجماعة المؤمنين، وفي المجموعة السياسية المتحالفة التي قد يعاملها دعاة الإسلام نصارى، وملاحدة ومسلمون لم تسجد جباههم سجدة العبودية الحقة لرب العالمين، وعشرات الآيات صريحة في منع المسلم الملتزم العابد من بذل ولائه وتبعيته لهؤلاء وإن كان لقاء بعض السياسات بينهما ممكنًا، أن إذا أحسن الحاكم أو الحزب في فعلة مدحوها وأسهموا فيها، وإن أخطأ في أخرى نقدوها، عن دراسة وبتعليل في إطار من التحليل، وما هم بحاجة إلى تجريح، ولا لهم في مفردات لغة السباب والإسفاف، فإن متانة الفكر الإسلامي، ووضوح المنطق الإيماني لا تحوجان دعاة الإسلام إلى إسفاف.

    إن على كل حاكم أو حزب علماني أن يفهما نفسية الداعية المسلم التي تسيره وتضعه في مواقفه السياسية والفكرية الرافضة، وعليهما أن يميزا طبيعة رفضه عن طبيعة تشنجات محترفي السياسة وطلاب المناصب؛ إذ للداعية تقويم ثابت للأمور وميزان واحد ونظر كلي شامل لا يفصل فيه المسيرة التربوية الأخلاقية وشكل العلاقات الاقتصادية عن الموقف السياسي.

    أفيكات الأفاكين

    لكن الداعية المسلم يملك في نفس الوقت مرونة في الفهم والتخريج الفقهي يراعي بهما الاعتبارات المصلحية واستثناء الضرورات، ويتمكن من خلالهما أن يكيف خطته وفقًا لمتطلبات التدرج المرحلي، ليصل إلى تطبيق الإسلام عبر استعداد وظرف ملائم وتربية وعظية موجهة إلى الجماهير اللاهية، تخاطبها بمعاني الفضائل الخلقية في موازاة تامة مع التوعية السياسية.

    إن هذه المرونة يفترض أنها لا تدع مجالًا لجفلة تستولي على الحاكمين وتدعهم في رهبة يترقبون معها أنواعا من الإشكالات عند تنفيذ أنظمة الإسلام في مجتمع زاد ابتعاده عنها، أو عند منحهم حرية العمل والصحافة لدعاة الإسلام، والتخوفات الواردة إن هي إلا أثر تركته الحرب النفسية، ولا يليق بأحد أن يسترسل في الحذر من دين هو رحمة مهداة من رب العالمين، وتقوم تعاليمه ابتداء على اختيار الأيسر من الأمرين، والتبشير دون التنفير.

    ليست إلا حرية العمل الإسلامي، فلِمَ الحذر؟

    لِمَ خوف الحكومات وهي في المركز الأقوى تسندها أموالها الطائلة ووزاراتها وجيشها، وجهازها الإعلامي الإذاعي والصحفي، ومناهجها التربوية المدرسية، وانبثاقها الرقابي الأمني، أمام دعوة إسلامية فقيرة لا مال في يدها عزل لا سلاح لها؟

    أم يقولون إن الدعوة ستمد بعون خارجي، فذلك قول من لم يعرف التاريخ الحديث وشهادته لها بالصفاء، ولم تدع الوثائق اسمًا ذائعًا لم تدنه وتبين عمالته إلا دعاة الإسلام فإن قول المغرضين فيهم كثير، لكنه غير معزز بوثيقة واحدة تقنع طلاب الحقائق.

    إن دعاة الإسلام يستندون إلى تاريخ طاهر وحاضر نقي، وتشهد قضايا فلسطين، ومناهضة الاستعمار ومدافعة الشعوبية، أنهم هم الأساتذة في الجهاد والحرص على مصالح الأمة، المعلمون لغيرهم القدماء البادئون، وينبغي أن يفسح لهم مجال القول والعمل.

     

الرابط المختصر :