; حوارات القاهرة.. دوافع متباينة وأهداف تكتيكية | مجلة المجتمع

العنوان حوارات القاهرة.. دوافع متباينة وأهداف تكتيكية

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر السبت 01-فبراير-2003

مشاهدات 91

نشر في العدد 1537

نشر في الصفحة 18

السبت 01-فبراير-2003

بعد فشل جولة الحوار بين حركتي حماس وفتح التي رعتها القاهرة قبل أسابيع في التوصل إلى نتائج ملموسة، ظن الكثيرون أن الأمر انتهى عند ذلك وأن القاهرة ستوقف جهودها الرامية إلى تحقيق هدفها المعلن في ترتيب أوضاع البيت الفلسطيني من الداخل، الذي استخدم غطاء للهدف الحقيقي المتمثل في التوصل إلى اتفاق بين مختلف الأطراف الفلسطينية على تهدئة المقاومة المسلحة خلال الفترة القادمة.

لكن تجدد اللقاءات بين الفصائل الفلسطينية والمسؤولين المصريين في القاهرة، دفع الكثيرين إلى إيلاء أهمية أكبر لمجريات الحوار وتفاصيله، وإلى البحث بعمق في الأهداف والدوافع والنتائج التي يمكن أن يتمخض عنها الحوار.

 مدير المخابرات المصرية عمر سليمان كان الشخصية المحورية التي لعبت الدور القوي والأبرز في ترتيب لقاءات القاهرة ذات الطابع السياسي، والتي كان يفترض أن تناط بالجهاز السياسي لا الأمني، وهو ما طرح العديد من التساؤلات حول طبيعة الدور الذي يلعبه سليمان في هذه المرحلة، وعن نفوذه الآخذ بالتزايد في المجالات المختلفة إلى الدرجة التي دفعت كثيرين إلى القول بأنه رئيس الوزراء الفعلي لمصر، وهو ما تؤكده مصادر مصرية مطلعة في القاهرة، قالت إن سليمان هو الرجل الثاني بالفعل في مصر.

وقد لوحظ اهتمام سليمان وإصراره الشديد على تواصل حوارات القاهرة مع القوى الفلسطينية، رغم إدراكه لحجم التباينات الكبيرة في المواقف بين الفرقاء المتحاورين إزاء القضايا الجوهرية المطروحة. وقد انشغل بنفسه في الإشراف على كافة تفاصيل حوارات القاهرة، وأكدت مصادر الحركات الفلسطينية التي زارت مصر أن سليمان أظهر تصميمًا واضحًا على الوصول إلى حد أدنى من النجاح، إن لم يكن بالإمكان تحقيق النجاح الكامل.

اعتراف بوزن حماس

ولم تخف مصادر الحركات الفلسطينية أن مدير المخابرات المصرية كان واضحًا منذ البداية في تحديد الهدف المطلوب من الحوار؛ ففي جولة الحوار الأولى بين حماس وفتح قبل عدة أسابيع، طرح سليمان بوضوح مطلب مصر المتمثل في ضرورة وقف العمليات المسلحة ضد «إسرائيل» لفترة معينة؛ من أجل تحسين فرص حزب العمل الإسرائيلي بزعامة رئيسه الجديد عميرام متسناع في الانتخابات القادمة. أما الهدف الثاني الذي طرحه سليمان بوضوح أيضًا فهو تهيئة الفرصة لإنجاح «خريطة الطريق» التي طرحتها واشنطن لتنشيط المسار السياسي، وتحفظ عليها الجانب الصهيوني. 

ولكن تعزيز فرص حزب العمل وإنجاح «خريطة الطريق»، شكَّلا دافعًا واحدًا فقط من جملة دوافع مصرية وراء الضغط باتجاه استمرار الحوار الفلسطيني، فقد سعت القاهرة لإصابة عدة عصافير بحجر واحد. ويمكن الوقوف على ثلاثة دوافع مصرية أخرى مهمة:

 الأول: ترسيخ دور مصر المحوري في المعادلة الفلسطينية، الذي تعرض لكثير من التآكل بعد تصاعد الاعتداءات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والجهود الصهيونية الملموسة لتحجيم الدور المصري المركزي في القرار الفلسطيني، وتراجع نفوذ السلطة ومنع رئيسها من مغادرة الأراضي الفلسطينية. 

فيما مضى كان رهان القاهرة في لعب دور محوري في القضية الفلسطينية يقتصر على ورقة السلطة الفلسطينية كطرف أقوى في المعادلة الفلسطينية، لكنها أدركت مؤخرًا أن كثيرًا من الأمور تغيرت على الأرض، حيث برز دور حركة حماس بصورة كبيرة خلال انتفاضة الأقصى على الأصعدة المختلفة، الشعبية والعسكرية والسياسية، ورأى الكثيرون أنها باتت تشكل ندًّا موازيًا للسلطة، لا يمكن لأي ترتيبات سياسية للوضع الفلسطيني أن تتجاوزها أو أن تقفز عليها. وبعد أن كانت القاهرة تتحفظ في فتح قنوات حوار سياسية معلنة مع حماس، لم تجد بدًّا من إعادة النظر في سياستها تلك، وأدركت أهمية فتح قنوات اتصال على مستوى عالٍ معها إن هي رغبت بمواصلة لعب دورها المركزي في القضية الفلسطينية.

 وما يؤكد إدراك القاهرة لأهمية حركة حماس كطرف أساسي في الساحة الفلسطينية، اقتصار دعوتها للحوار في الجولة الأولى على حركتي حماس وفتح، متجاهلة بقية الحركات الفلسطينية التي أجلت دعوتها إلى القاهرة لوقت لاحق، في جولة ثانية. وقالت مصادر فلسطينية مطلعة إن المخابرات المصرية كانت على قناعة بأن العقبة الكأداء أمام التوصل إلى أي اتفاق يتمثل في حركة حماس، وبأن أي نتائج يتم التوصل إليها مع حماس، سيكون من السهل إلزام بقية القوى الفلسطينية بها.

ومن خلال جمعها للسلطة والمعارضة الفلسطينية في القاهرة، كانت مصر ترد بصورة غير مباشرة على محاولات الإرهابي شارون تهميش دورها المركزي في القرار الفلسطيني. فهي أرادت من خلال حوار القاهرة أن تؤكد للصهاينة أن ورقة المعارضة الفلسطينية لديها أيضًا، وليس ورقة السلطة فحسب.

الهدف الثاني: تسويق أبو مازن: ويشكل ذلك دافعًا آخر للسياسة المصرية التي تؤكد مصادر القاهرة أنها حسمت أمرها باتجاه التعامل مع محمود عباس «أبو مازن» كخليفة لعرفات في رئاسة السلطة الفلسطينية، بعد أن أدركت أن كلًّا من واشنطن وتل أبيب شطبت من حساباتها خيار التعامل مع عرفات وتصر على استبداله.

وقد ضغط عمر سليمان بقوة في جولة الحوار الأولى مع حركة حماس، على أن يكون وفد الحوار من قبل عرفات هو وفد السلطة وليس وفد فتح، وأن يرأسه «أبو مازن» على وجه التحديد على اعتبار أن ذلك سيشكل خطوة مهمة في تكريس مكانة «أبو مازن» في قمة الهرم الفلسطيني.

 ولكن عرفات الذي كان يدرك جيدًا أبعاد المسعى المصري، تعنت بصورة كبيرة في تلبية هذا الطلب، رغم علمه المسبق بأن ذلك قد يؤدي إلى توتير علاقاته مع القاهرة، وأصر على أن يمثل الوفد المحاور حركة فتح وليس السلطة، كما أصر على استبعاد منافسه «أبو مازن» من رئاسة الوفد، واختار شخصية ضعيفة لرئاسته، هو زكريا الآغا.

لكن القاهرة التي لم تيأس من فرض توجهها، نجحت في دفع عرفات إلى الموافقة على أن يرأس «أبو مازن» وفد السلطة في جولة الحوار الجديدة مع حركة حماس، والتي سبقتها حوارات متتالية بين عمر سليمان ووفود تمثل كلًّا من الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية.

أما الهدف الثالث الذي أرادت مصر تحقيقه من خلال حوارات القاهرة، فهو تأكيد انسجامها مع الحملة الأمريكية ضد ما يسمى بـ «الإرهاب» وقيامها بدور بارز في هذا الاتجاه، عبر جهودها المكثفة لوقف العمليات الفلسطينية المسلحة.


 

خيار المضطر

من جانبها.. فإن «السلطة» التي تمر بوضع صعب لا تحسد عليه، كان لها حساباتها ودوافعها المختلفة تجاه حوارات القاهرة، وهي حسابات انطلقت من قاعدة الضعف والاضطرار. 

فقيادة فتح والسلطة حرصت طوال الأعوام الماضية على أن تبقى قنوات الاتصال مغلقة بين مصر وحركة حماس، وكانت تبدي حساسية تجاه أي اتصال وبأي مستوى بين حماس والقاهرة. ولكن أمام انهيار مؤسساتها على الأرض، وتراجع حضورها السياسي والشعبي، وانغلاق خياراتها السياسية التي رهنتها بالعملية التفاوضية، لم تجد السلطة بدًّا من تلبية دعوات القاهرة، رغم علمها المسبق بأن ثمة خسائر سياسية يمكن أن تترتب على ذلك.

وقد أرادت السلطة من خلال حوارات القاهرة تجنب التصعيد في علاقاتها مع مصر في هذا الوقت الحرج الذي تحتاج فيه إلى أي إسناد رسمي عربي في ظل حالة الحصار التي تواجهها. كما رأت في حوارات القاهرة فرصة للتوصل إلى اتفاق مع حركة حماس وبقية القوى الفلسطينية على تهدئة عمليات المقاومة؛ على أمل أن يسهم ذلك في تعزيز احتمالات العودة إلى طاولة المفاوضات التي يمكن أن تعيد إليها بعض أدوارها المفقودة.

 

حماس.. خيارات مفتوحة: بخلاف خيارات السلطة المغلقة، فإن حركة حماس التي نجحت في تكريس حضورها الشعبي، وفعلها المقاوم داخل فلسطين، رأت في حوارات القاهرة فرصة لتحقيق جملة مكاسب سياسية لا تتعارض مع ثوابتها ومواقفها المبدئية. 

فهي من جهة تكرس حضورها السياسي كأكبر طرف فاعل ومؤثر في الساحة الفلسطينية وباعتراف من مصر أكبر الدول العربية، وهي من جهة أخرى تؤكد للشارع الفلسطيني حرصها على وحدة وتماسك الصف الفلسطيني، ورغبتها بترتيب الوضع الفلسطيني الداخلي وتفويت الفرصة على محاولات «إسرائيل» بث الفرقة بين الفلسطينيين. كما سعت إلى تأكيد فشل الجهود الصهيونية والأمريكية في عزلها ومحاصرتها وتصنيفها كحركة «إرهابية» خارجة على القانون. 

ولا تبدي أوساط حركة حماس وحركات المقاومة قلقًا إزاء الضغوط التي يمكن أن تمارَس عليها فيما يتعلق بمطلب وقف المقاومة؛ فهي ترى أن السياسات الصهيونية العدوانية، وجرائم شارون المستمرة ضد الفلسطينيين، ستعطي المبرر الكافي لاستمرار عمليات المقاومة.

 

إصرار على العدوان

وما توقعته حركات المقاومة الفلسطينية كان في محله، حيث أصر شارون على تصعيد عدوانه بصورة استثنائية ضد الفلسطينيين في الفترة التي كانت فيها القاهرة تشهد لقاءات الفصائل الفلسطينية مع مدير المخابرات المصري، وهو ما دفع مصر والسلطة الفلسطينية وأطرافًا عربية إلى اتهام شارون بالعمل على إجهاض جهود التهدئة التي تبذلها مصر، لا سيما أن الفترة التي سبقت الجولة الثانية من حوارات القاهرة شهدت هدوءًا ملحوظًا في عمليات المقاومة الفلسطينية. وترى مصادر سياسية في الكيان الصهيوني أن قلق شارون من حوارات القاهرة ومن احتمالات التهدئة ينبع من أمرين:

الأول: إدراك شارون الحقيقة أن تزايد أسهم حزب الليكود في الفوز بالانتخابات القادمة، ينطلق من استمرار حالة قلق الشارع الإسرائيلي من توتر الوضع الأمني، ورغبته بتعزيز فرص حزبه في الانتخابات القادمة عبر إدامة هواجس الناخبين.

الثاني: تفجر أزمة الفساد والرشاوى المالية في انتخابات الليكود الداخلية، التي أقضت مضجع شارون، وأثرت سلبًا -بصورة محدودة- على شعبية حزبه. ورأى شارون في تصعيد العمليات العسكرية بالتزامن مع حوارات القاهرة، فرصة لصرف أنظار الشارع الإسرائيلي عن أزمة الفساد داخل الليكود.

اختراق أوروبي

وفي ظل انشغال الولايات المتحدة بحربها المرتقبة ضد العراق، وبتداعيات هجمات ۱۱ سبتمبر، ووصول جهودها السياسية للتوصل إلى حل سياسي بين الفلسطينيين والصهاينة إلى طريق مسدود، وجدت أوروبا في كل ذلك فرصة لاختراق احتكار أمريكا للملف السياسي في المنطقة. 

وأكدت مصادر متعددة أن الأوروبيين لعبوا دورًا بارزًا من وراء الكواليس في ترتيب حوارات القاهرة، وأنهم نسقوا بصورة حثيثة كل الخطوات مع المصريين عبر المسؤول البريطاني أليستر كوك الذي كان على اتصال وثيق مع المفوض الأوروبي خافيير سولانا. 

وإضافة لانشغالها بالملف العراقي، لم تجد الولايات المتحدة بأسًا في احتمالات نجاح الجهود المصرية - الأوروبية في التوصل إلى تهدئة لعمليات المقاومة الفلسطينية، بل رأت في ذلك نقطة إيجابية في إطار استعداداتها للحرب التي تفضل أن تخوضها في ظل هدوء على الجبهة الفلسطينية.

أهداف تكتيكية       

وفي ظل الأهداف والدوافع المتباينة للأطراف المختلفة من الحوار، وتمسك حركات المقاومة التي تتبنى الخيار الجهادي كاستراتيجية ثابتة ترفض المساومة عليها، بمواقفها، فإن حوارات القاهرة تبدو غير مرشحة للوصول إلى نتائج مهمة، أو تغييرات جذرية في التوجهات والمواقف؛ حيث يسعى كل طرف لتحقيق أكبر قدر ممكن من أهدافه التكتيكية، مع إدراكه الواضح لأهداف الآخرين.

 

الرابط المختصر :