العنوان حنين إلى الجنان
الكاتب شيخة عبدالله المطوع
تاريخ النشر السبت 28-أغسطس-2010
مشاهدات 82
نشر في العدد 1917
نشر في الصفحة 31
السبت 28-أغسطس-2010
تحت ظلال الأشجار، وحول منابع المياه، وعند تغريد الطيور، وعندما تكتسي الأرض ثيابها الخضراء وتنشر عبقها الفواح، هناك تصفو نفسي وتمرح، وتنتشي روحي ولعظمة الخالق تسبح، أحس أني في عالم آخر لا يمت لعالمنا الذي يكثر فيه الهرج والمرج بأية صلة، وأتساءل دومًا في نفسي: إذا كان ما أراه على وجه الخليقة أحسبه جنة؛ فكيف يا ترى تلك الجنة التي وعد بها المتقون؟ خضراء غناء وارفة ظلالها، جارية أنهارها، عذب زلال مائها، طيبة وطيب مقامها، كم تهفو نفسي لجنان الدنيا!
وكم أرتحل شرقًا وغربًا باحثة عن منظر خلاب يأخذ بالألباب! وأحن لزقزقة الطيور، وحفيف الأشجار وخرير المياه، وأتمنى لو أحظى بهذا كله في دياري! كم يحسدنا الناس على أننا نتمتع بعيشة هنية، من الناحية المادية، وأن بلادنا نفطية، وينظرون إلى الحضارة السطحية في ظل المدنية والماركات العالمية، ولكنهم لا يدركون أننا نفتقد الكثير ..
نحمد الله أولًا وآخرًا على تقسيمه وتدبيره للأمور، ولكنهم لا يعلمون أننا نحن للنسمة العليلة، ونتوق للشجرة الظليلة، والذي يجعلنا نحتمل جفاف الأجواء وقسوة المناخ أحباب أعزة، من إخوان وقرابة وأهل وجيران، نحمل لهم أسمى المشاعر في الوجدان، وهم الذين
يحيلون قلوبنا بساتين مزهرة وينابيع متدفقة.
وصحوتنا الدينية في بلادنا الخليجية هي بكل صراحة ما يثمر الفؤاد، ويلونه بألوان الربيع الأخاذ، فاتصالنا الروحي مع الله يجعلنا نحرث في أرواحنا الجنان ونستنشق عبق الأزهار، والله جعل لنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، وهو قد عاش في بيئة مشابهة، ولكنه عاش متنعمًا بجنة روحية، خضراء نقية، وارتوى من مائها وروى منها العباد وفتح بها البلاد، وارتوى أصحابه وظلوا ينعمون بجنانهم ونقلوا النعيم لغيرهم، فنشأت أمة إسلامية تهز العالم من شرقه لغربه، ومنشؤها صحراء قاحلة لا خضرة ولا قطرة، يتنقل رعاياها بين البوادي يحومون حول منابع المياه، ولكنهم فجروا في أرواحهم ينابيع وأنهارًا، وحرثوا جنات وبساتين غناء، حتى يقول ابن تيمية: «أنا جنتي في قلبي، وقلبي بيد ربي».
وإني لأتأمل الذين حباهم المولى بطبيعة ساحرة، وأراض مثمرة، وبحار وأنهار، ولكنهم معرضون عن التفكر فيها، والشكر لبارئها، بل إن تلك الأشجار والأنهار لتمقتهم وتشكو إلى الله من سوء فعلهم، لأنها مخلوقات مسبحة عابدة طائعة لأمر الله، وأحس أن الله قد عجل لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا فهي جنتهم ودار مقامهم.
اللهم اجعل في قلوبنا جنانًا وارفة بذكرك وحبك وقربك، ولا تحرمنا جنتك؛ فإننا نتوق لنعيمها ومائها وخضرتها وأنهارها ومتكئها وحريرها .. آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل