العنوان حمى كأس العالم الواقع العالمي وفرص الاستثمار
الكاتب علاء سعد حسن
تاريخ النشر الأربعاء 08-مايو-2002
مشاهدات 66
نشر في العدد 1504
نشر في الصفحة 39
الأربعاء 08-مايو-2002
يشهد العالم نوعًا من الركود والاسترخاء العام في مجالات شتى سياسية واقتصادية واجتماعية على مدار شهر كامل؛ حيث تتجه الأنظار صوب كوريا الجنوبية واليابان لمتابعة الحدث الرياضي الأكثر شعبية وأهمية على مدى السنوات الأربع؛ حيث تجرى منافساتكرة القدم في انتظار إعلان الفائز بكاس العالم ... ويعيش الإعلام العالمي حالة من تسليط الأضواء بشدة على هذا الحدث، بحيث يشد أنظار الشعوب بقوة، فتشعر من خلال التغطية الإعلامية الضخمة بأنه لا صوت يعلو فوق صوت كاس العالم، ويصف الإعلاميون هذه الظاهرة بـ «حمى كاس العالم».. وهذا الحدث لا شك من الأحداث العالمية التي تؤثر على جوانب أخرى في الحياة.
فعلى الصعيد السياسي تستطيع بعض الحكومات تمرير القوانين والمشروعات أثناء غياب الوعي المؤقت لدى الشعوب، كما تموت أو تهمش قضايا مصيرية وحيوية؛ لأنها صادفت نفوسًا مشغولة كل الانشغال بكأس العالموعلى الجانب الاقتصادي تحاول كبرى الشركات خاصة المنتجة لمواد الاستهلاك اليومي ربط حملتها التسويقية والدعائية بكاس العالم لضمان زيادة التوزيع خلال هذه الفترة، ولهذه الأسباب نقف مع الحدث ونحاول بحث كيفيةالاستفادة منه أو تجنب أضراره على قضايانا المصيرية برصد هذه الظواهر.
الاهتمام بالرياضة أحد مظاهر شمولية الإسلام، وهو أمر غير مرفوض في الفهم الإسلامي، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ولقد صارع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركانة مصرعه، وحث الإسلام على الرماية والسباحة وركوب الخيل، وسابق النبي السيدة عائشة فسبقته ثم سبقها، وقال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالرمي فإنه من خير لهوكم»، وسابق النبي صلى الله عليه وسلم بالخيل.
النظر إلى مثل هذه الدورات الرياضية على أنها مؤامرة خبيثة أو ملهاة ماكرة يحتاج إلى مراجعة؛ لأن هذه المسابقات لا توجه نحو المسلمين وحدهم ولكنها تشمل العالم أجمع، فهي إما مؤامرة شيطانية على البشرية كلها أو هي أحد ميادين المنافسة الشريفة، وأعتقد أنها تدخل في ميدان المنافسات الشريفة، لكن المغالاة فيها والخروج بها عن حجمها الطبيعي إعلاميًّا، ودعائيًّا هو السبب في جعلها ملهاة للعالم عن قضايا أكثر حيوية وأهم أولوية، فالمرفوض هو المغالاة في الاهتمام بها وليس إقامتها أو التنافس من خلالها، وإن كان من مؤامرة فيها، فالمؤامرة تحاك لإقصاء فرق الدول العربية والإسلامية عن الوصول إلى الأدوار الأكثر فاعلية، مثال ذلك تواطؤ ألمانيا والنمسا ضد الجزائر عام ۱۹۸۲ في إسبانيا، وشبهة تواطؤ البرازيل والسويد ضد المغرب عام ٩٨ في فرنسا.
التناسب الطردي: بين التقدم الاقتصادي والصناعي والتقني وبين المستوى الرياضي خاصة الكروي، فباستثناء دول أمريكا الجنوبية (البرازيل والأرجنتين والأرجواي) لم تفز أي دولة من دول العالم الثالث بكأس العالم، وهذا يعكس أن الرياضة بما فيها كرة القدم، مرآة المجتمع، وإحدى الظواهر التي تعكس مدى تقدمه ولم تنجح الملهاة الرياضية «من وجهة نظر البعض» في إنهاء هذه الدول عن التقدم في جوانب الحياة الأكثر أهمية.
فاعلية الغرب في تفعيل الأفكار وغياب الفاعلية الإسلامية في طرح الأولويات، ففكرة كأس العالم لكرة القدم فكرة فرنسية دعا إليها إيميل روميه، ولم تمض سنوات على دعوته حتى كانت أحلامه تتحقق، ثم أصبح كاس العالم لكرة القدم حدثًا عالميًّا بارزًا لا يقل أهمية بل يزيد كثيرًا على اجتماع سياسي طارئ أو مهم، وتعتبر مبارياته النهائية أهم من لقاءات القمة بين بوش وبوتين، والمتابع الفرق بين التغطية الإعلامية لكلا الحدثين يدرك مدى اهتمام الشعوب بالحدث الأول، وهكذا ينجح الغرب دائمًا في صنع مناسبات عالمية يغيب فيها العالم عن الوعي، أو تحظى بالاهتمام العالمي الأكبر، في حين تعجز الأمة الإسلامية عن تفعيل قضاياها المحورية وجعلها تخطف الأبصار وتستحوذ على الاهتمام العالمي، فضلًا عن اهتمام الشعوب الإسلامية ذاتها، وهذا يدل على قصور في استغلالنا للوسائل الإعلامية والمناسبات الجماهيرية وطرح الأفكار التي تجتذب الناس حول قضايانا المصيرية.
كيف نستغل الحدث الأهم إعلاميًا وشعبيًا على غرار استغلال سوق عكاظ في عهد الدعوة الأول إذا كان كأس العالم لكرة القدم هو الحدث المهم جماهيريًّا، وهذا أمر واقع، وإذا كنا لم نستطع حتى الآن امتلاك طرح الأفكار الجديدة لشد أنظار العالم حول فكرة من نبت عقولنا، فهل نستطيع أن تتفاعل على الأقل مع الحدث محاولين استغلاله بدلًا من النظرة إليه نظرات الشك والريبة التي تقعدنا عن التفاعل ولا تدفعنا إلى الابتكار.. لقد واجهت الدعوة الإسلامية في مهدها طغيان الشعر كظاهرة حضارية ميزت العرب وكقيمة ثقافية ومهارة لغوية كانت لها الريادة والسبق في نفوس العرب، فلم تغفل ظاهرة الشعر في مواجهة الحملة على الإسلام، أو لتقديم النموذج الثقافي الإسلامي، ولم يعتزل الشعراء المسلمون الشعر بعد نزول قول الله المعجز الذي لا يدانيه شعر ولا تقاربه بلاغة؛ بل جعل النبي الحسان بن ثابت منبرًا في مسجده لإلقاء الشعر، ولم ينهزم الإسلام ثقافيًّا وهو في أدق ظروف البناء الداخلي للأمة المسلمة، فهل نستطيع أن تتفاعل مع هذه التجمعات الرياضية بدلًا من أن نعتزلها أو ننهزم في ميادينها، وكيف نستطيع أن نتعاطى مع الحدث ونوظفه دعويًّا وإعلاميًّا وشعبيًّا؟ إن من وسائل ذلك:
الاعتراف بالأمر الواقع وأن هذه الأحداث العالمية لا يمكن تجاهلها أو اعتزالها، ولكن ينبغي التعامل معها لخدمة أولوياتنا المختلفة.
استغلال التجمعات والوفود الرياضية والجماهيرية «كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل»، والتوجه إليهم دعويًّا ومخاطبتهم خطابًا مباشرًا عن طريق سفر الدعاة إليهم، أو مخاطبتهم إعلاميًّا «كتيبات- نشرات - أشرطة تهدف للتعريف بالإسلام مع بيان اهتمام الإسلام بالرياضة والرياضيين».
مهرجانات تعريف بالقضية الفلسطينية وسائر القضايا الإسلامية.
مهرجانات إنشاد.
توزيع أعلام فلسطين وصور المسجد الأقصى في الملاعب، ورصد بعض الجوائز الرمزية التي تذكر بالمسجد الأقصى.
إعلانات تؤكد هوية فلسطين والحقوق الإسلامية في مختلف القضايا.
أتمنى ألا نتهم بمحاولة تسييس كرة القدم، وإلا فلماذا لم ينكر أحد على بعض رؤساء الدول الغربية حضورهم مباريات فرقهم بالزي الرياضي للفريق، ولم يذكر أحد على الشركات الاقتصادية محاولة التربح من كأس العالم هذه دعوة للتفاعل مع الحدث وليس للانحراف به عن وجهته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل