العنوان حملة رئيس المخابرات الألمانية على الإسلاميين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1997
مشاهدات 141
نشر في العدد 1267
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 16-سبتمبر-1997
في عددها رقم ٣٦ الصادر في (۸/۳۱إلى /۹/۷ ۱۹۹۷م) نشرت مجلة دير شبيجل، الألمانية مقابلة مع بيتر فيشر- رئيس هيئة حماية الدستور المخابرات العامة في ألمانيا- أعطتها عنوانًا مقتبسًا من كلماته تبرير القتل وتحته عبارة تقول: الإسلاميون الذين يعيشون في ألمانيا يرفضون الدستور.. رئيس هيئة حماية الدستور بيتر فيشر يحذر من التسامح الخاطئ تجاه المتطرفين المقابلة المنشورة في ستة أعمدة لا تستحق الترجمة الكاملة، ولكن يمكن نقل المقاطع الرئيسة منها مع الحرص على المضمون، وفيه الكثير مما يكتسب صفة التخويف والتهويل، وهو ما يبدأ في مطلع المقابلة بقول فيشر توجد إشارات إلى أن الإسلاميين في القرن القادم سيصبحون خطرًا كبيرًا، وبعد الحديث عن مصر والجزائر يقول: «في ألمانيا توجد جماعات تدعم دعائيًا على الأقل مرتكبي أعمال العنف الإسلاميين»، وقال بوجود 150 شخصًا من أنصار حماس الفلسطينية، و ٦٠٠ من أنصار حزب الله اللبناني.
وأول ما يلاحظ في المقابلة أن رئيس المخابرات الألمانية يتحدث عن مثل هذه الأرقام ولا يجهل أن عدد المسلمين في ألمانيا يربو على ثلاثة ملايين نسمة، ومع ذلك فهو يعمم ما يعتبره خطرًا ويهوله، وقد أشار دكتور نديم إلياس- رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا- بهذا الصدد، في حديث مباشر معه عن هذه المقابلة إلى أنها ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها بيتر فيشر أسلوب التعميم، رغم أن الهيئة التي يرأسها تقول إن ما تعتبره تطرفًا إسلاميًا لا وجود له فيما لا يصل إلى 1% من المسلمين في ألمانيا.
وبعد الحديث عن التعاون مع المخابرات الفرنسية بصدد متابعة الإسلاميين الجزائريين يقول جوابًا عن سؤال آخر: »عمل في أفغانستان ما بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألفًا من المتطوعين العرب لدعم إخوانهم في إقامة دولة إسلامية، وقتل كثير منهم، ومن بين من بقي على قيد الحياة تسلل فريق إلى أوروبا، وربما وصل بعضهم إلى ألمانيا، وهؤلاء مدربون على القتل ونحن نسعى سعيًا حثيثًا للعثور عليهم ومعرفة كيفية دخولهم وأين استقر بهم المقام، ويقف وراءهم أو وراء بعضهم على الأقل السعودي الشديد الثراء بن لادن، الذي ينفق أموالًا ضخمة في دعم الإسلاميين«، ومع أن مضمون الكلام يشير إلى أن المخابرات الألمانية لا يستهان بقدراتها لا تستطيع الجزم بوجود ذلك الفريق من المجاهدين الذين شاع وصفهم بالعرب الأفغان، إلا أن ذكر احتمال وجودهم، بل وتأكيد عدم اكتشاف أماكنهم من شأنه أن يثير لدى القارئ العادي في ألمانيا المخاوف، وأن ينعكس ذلك في تشككه بالمسلمين من حوله، لاسيما عندما يرى في مظهرهم وسلوكهم ما يشير إلى أنهم من الملتزمين بدينهم، ولاسيما أن رئيس المخابرات الألمانية ربط بين التكهنات التي ذكرها، وبين الاتهامات المتداولة في الإعلام عن مسؤولية بن لادن عن عمليات بعينها كتلك التي وقعت ضد القوات الأمريكية، ويمضي بيتر فيشر خطوة أخرى فيقول:
»توجد جهود من أجل نشر الاتجاه الإسلامي في ألمانيا أيضًا وبصورة منظمة، هم يرفضون
نظامنا الاجتماعي القائم على الفصل بين الدولة والكنيسة ويتحدث كمثال عن جماعة «ميلي جوروش التركية، وعندما سئل عما يناقض الدستور الألماني في النشاطات المبذولة للتأثير على المسلمين، ظهر من جوابه أن القضية لا ترتبط بإرهاب وقتل، بل أصبح الاتهام بالتطرف عنده موجهًا للممارسات الإسلامية اليومية، إذ يقول: يجري بصورة متعمدة فصل الأطفال المسلمين عن المجتمع بغرض الحفاظ على نقاء دينهم، فلا ينبغي لهم مثلًا المشاركة في الرحلات الجماعية المدرسية والإقامة لعدة أيام بصورة مشتركة في إطارها، وتخصص لهم في العطلة نشاطات كبيرة مع تدريس القرآن، وبعض الفتيات يعود بالحجاب بعد المشاركة في مثل هذه النشاطات، والجدير بالذكر أن الرحلات المذكورة مختلطة بين الجنسين، وأن من أهدافها التربوية التقريب بين الجنسين عبر المخالطة لعدة أيام في أجواء أخرى غير أجواء المدرسة وتعترض المجلة بسؤال يقول: »ولكن الدستور يضمن الحرية الدينية« فيجيب »الإسلامي لا يميز بين الدين والسياسة، ويرفض أن يعتبر شأنًا من شؤونه أمرًا دينيًا محضًا«، ويستغرب المحرر السائل أو يظهر الاستغراب في السؤال: كيف يؤدي مثل هذا الربط إلى وضع يوصف وفق تعبير الدستور بالشمولية؟«، فيضيف رئيس المخابرات الألمانية »الدولة الدينية التي يريدونها لا تتفق مع مبادئ الحرية في الدستور، وعلى وجه التخصيص مبدأ سيادة الشعب، فالإسلامي لا يعترف إلا بسيادة واحدة، لله فقط، وإذا سئل الإسلاميون عن رأيهم بالدستور جاء الجواب دستورنا القرآن«.
تطورات إيجابية
دكتور نديم إلياس يؤكد أن الاتهامات برفض الدستور الواردة على لسان رئيس المخابرات
الألمانية في هذه المقابلة وفي سواها من قبل لا تتناقض مع ما ينتظر منه ومن هيئة اتحادية يمثلها من التزام بالمنهجية فيما يقول وتجنب- التعميم فحسب، بل وتكاد تستهدف هدم ما وجدته الجالية الإسلامية من انفتاح تدريجي في الأونة الأخيرة على أعلى المستويات، مشيرًا بذلك إلى عدد من التطورات الإيجابية في السنتين الماضيتين، بدءًا برئيس الدولة الألماني هيرتسوج الذي سبق أن أستقبل- لأول مرة في ألمانيا- وفدًا يمثل الجالية الإسلامية، وكرر الدعوة إلى التعامل القائم على التسامح والتفهم تجاه المسلمين، وإلى التعايش بين الثقافات والحضارات المتعددة، مرورًا بالعديد من الجهات الكنسية والحزبية والفكرية التي تمارس حوارًا إيجابيًا مع الأطراف الإسلامية في ألمانيا، وتحاول تصحيح الانحرافات القائمة في كثير من ميادين الإعلام والتعليم، وانتهاء بمجلس النواب الألماني في بون الذي استعان بالمجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا عند مناقشته بعض القوانين، ولعل من أخطر ما ورد في كلام بيتر فيشر في مجلة دير شبيجل وما يكتسب صفة التخويف من المسلمين في ألمانيا ونشاطاتهم قوله: القرآن يقول: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة آية 216)، وفي هذا عند الإسلاميين تبرير للقتل الناشطون في الجزائر يذبحون الناس بصورة وحشية ويستندون إلى هذا التبرير، وعندما توجد في ألمانيا منظمة ترحب بذلك أو تدعمه، فهذا لا يتفق مع نظامنا الدستوري والقضائي، ثم يتحدث عن الحجاب فلا يعارضه إذا كان اختياريًا، ولكنه يشير إلى وجود أسر تفرض الحجاب على بناتها، ويرفض تنويه المحرر من المجلة بأن حق التربية مكفول للوالدين أيضًا، ويقول: نحن لا نتحدث هنا عن مسائل حماية الدستور في الدرجة الأولى بل عن الاندماج، وتوجد خصوصيات ثقافية إذا أثيرت أصبحت عائقًا دون الاندماج، وفي هذا خطر على الأمن الداخلي في نهاية المطاف، وتشير المجلة إلى مطالبة الإسلاميين بمنع الصور العارية في دروس التوعية الجنسية، والفصل بين الإناث والذكور في دروس الرياضة، فيعترف رئيس المخابرات بأن المحكمة الإدارية العليا أقرت بذلك بالنسبة إلى دروس الرياضة، ولكنه يضيف هذه هي الحدود التي لا ينبغي أن يتعداها الأمر إلى أي حصة تدريس أخرى، ولكن الرابطة الإسلامية في ولاية هسن تطالب حتى بحذف المحتويات المعادية للإسلام في المناهج الدراسية، ويختتم المقابلة بقوله: لا نستطيع القبول بمطالب كل أقلية في ألمانيا بأسم التسامح، وحساسيتنا في ألمانيا بالذات شديدة تجاه التطرف السياسي والإسلاميون متطرفون سياسيًّا.
والواقع أن معظم الأجوبة، وما تتضمنه من اتهامات تعميمية» للإسلاميين معظم هذه الأقوال تخلط خلطًا كبيرًا إلى درجة توحي بأنه متعمد بين عدد من القضايا المتباينة عن بعضها البعض وتلقي على الرأي العام استنتاجات قائمة على فرضيات صادرة عن صاحبها فقط دون وجود دليل منهجي عليها، ويكفي هنا التنويه ببعض ذلك:
1- الربط المثير للاستغراب إلى حد كبير بين وجود خطر أمني وسياسي مزعوم، وبين سعي المسلمين عمومًا -لا الإسلاميين فقط- من أجل تربية أبنائهم وبناتهم تربية إسلامية أخلاقية، بعد أن بلغت أزمة القيم والأخلاق في الغرب عمومًا بما في ذلك ألمانيا، درجة من الخطورة تنعكس في سائر الميادين بدءًا بانتشار ألوان الجريمة والإدمان في صفوف الأطفال والناشئة انتشارًا متصاعدًا يشكو منه الجميع، وانتهاء بظاهرة خطيرة أصبحت تثير ضجة عالمية وردود فعل واسعة النطاق مثل الاعتداء على الأطفال والنساء، ولا يوجد في حرص المسلمين على التربية القويمة لأبنائهم وبناتهم قطعًا، ما يمكن أن يتناقض مع الدستور الألماني من قريب أو بعيد، أو أن يمس الوضع السياسي أو الأمني في ألمانيا بصورة أو بأخرى، علاوة على أن كثيرًا من المطالب المذكورة على صعيد المدارس مثلًا، هي من المطالب المشتركة مع فريق من غير المسلمين من الآباء والأمهات في ألمانيا، يتزايد عدده باستمرار تحت وطأة الظواهر الخطيرة المشار إليها.
انتشار الحجاب
۲ - انتشار الحجاب على نطاق واسع كان في السنوات الماضية ظاهرة عالمية إذا صح التعبير، ولا يقتصر على المسلمين في ألمانيا، وقد عبر عن صحوة خلقية وعقدية إسلامية شاملة، وليس عن ارتفاع نسبة الضغوط من الجيل الأكبر سنًّا على بنات الأسر المسلمة بل يكاد العكس يكون هو السائد في ألمانيا بالذات فكثير من الفتيات يقبلن على الحجاب- ككثير من الفتيان المقبلين على الالتزام بدينهم أيضًا- رغم نشأة هؤلاء وهؤلاء في إطار أسر غير ملتزمة بتطبيق تعاليم الدين الحنيف، ولم تصل الأمور في ألمانيا إلى ما وصلت إليه في فرنسا من حيث محاربة الحجاب بصورة مباشرة ولكن هذا بالذات ما يعطي تصريحات بيتر فيشر خطورة التحريض على اعتبار الحجاب رمزًا سياسيًّا بدلًا من استيعابه كجزء من الالتزام الذاتي بالعقيدة الإسلامية، وبالتالي ما تكفله الحرية الدينية في الدستور، ولا يتناقض مع تعايش الثقافات بدلًا من تحويل مصطلح الاندماج في المجتمع إلى الذوبان فيه بخيره وشره معًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل