; في مجرى الأحداث.. حملة التحريض على السودان | مجلة المجتمع

العنوان في مجرى الأحداث.. حملة التحريض على السودان

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 26-يوليو-2008

مشاهدات 69

نشر في العدد 1812

نشر في الصفحة 15

السبت 26-يوليو-2008

بدأت الآلة الإعلامية والسياسية المناوئة لنظام حكم البشير، وللنظام السوداني بصفة عامة في التحرك على وقع قرار مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية باتهام الرئيس السوداني بارتكاب جرائم حرب في «دارفور».
المناوئون جميعًا وجدوها فرصة مواتية لتوجيه الضربات لنظام الحكم في السودان، سعيًا لانهياره أو زلزلته وكل لديه أسبابه ومراميه، فالدكتور حسن الترابي الشريك السابق في الحكم مع البشير ومعارضه الرئيس الآن أعلن في تصريحات لإذاعة «بي بي سي» الإخبارية تأييده لما ذهب إليه المدعي العام للمحكمة الجنائية، وليس سرًا في السودان أن تصنيع أزمة «دارفور» إعلاميًا، وتحريكها سياسيًا، وإشعال النار تحت رمادها اجتماعيًا كان من تدبير وإخراج الدكتور حسن الترابي، انتقامًا من زملائه الذين خالفوه، واختلفوا معه، ثم عزلوه وسجنوه بعد أن تقطعت بهم كل سبل الوفاق معه. ففي عام ١٩٩٨م كانت الخلافات بين البشير والترابي قد بدأت بالاشتعال، وأفادني مصدر رفيع يومها أن الترابي يحضر لتفجير الوضع في «دارفور» التي لم يكن أحد يسمع بها كثيرًا، وأطلعني على كتاب يحمل تفاصيل مشكلة ذلك الإقليم أصدره موالون للترابي تحت اسم «الكتاب الأسود»، والذي تم توزيعه يومها على أوسع نطاق في داخل السودان، سعيًا لإحداث فتنة في البلاد، إضافة لفتنة الجنوب.
ويتردد بقوة أن جماعة «العدل والمساواة» الفصيل الرافض لتوقيع اتفاقية سلام مع الحكومة السودانية أسوة ببقية الفصائل، وهو ذات الفصيل الذي حاول قبل أكثر من شهر غزو مدينة «أم درمان» هو من صناعة الترابي أو مقربين منه، وهو فصيل معروف بولائه لجهات غربية معروفة، التقت أهدافها على خلخلة الحكم في السودان، وإحداث فوضى في ذلك البلد. 
ومن هنا فإن تصريحات الدكتور حسن الترابي الذي يقود حزبًا مناوئًا للسلطة «المؤتمر الشعبي» جاءت طبيعية وغير مفاجئة، لأنها تكمل الدور الذي بدأه قبل عشر سنوات في تحريك قضية «دارفور»، وهي التصريحات التي جاءت منسجمة مع تصريحات قادة التمرد في «دارفور» الذين لم يكفوا عن مطالبة البشير بتسليم نفسه للمحكمة، معلنين أن المحكمة لو أدانتهم لما توانوا عن تسليم أنفسهم.
على الجانب الآخر، وفي نفس التوقيت تحرك تيار التطبيع مع الصهاينة وبعض غلاة التيار العلماني، لتوجيه سهامهم إلى النظام في السودان عبر منابرهم الإعلامية مطالبين البشير إما بتسليم نفسه للمحكمة «حتى قبل أن تحكم هيئتها بقبول اتهامات مدعيها العام»، أو اعتزال الحكم وتولية هيئة للسلطة لإدارة البلاد، وتحديد مستقبلها. ولم ينس ذلك الفريق أن يلقي بكل المصائب والكوارث التي حلت بالسودان على نظام حكمه الحالي، كما لم تفته السخرية من الحديث الدائر عن تعرض السودان لمؤامرة تستهدف ثرواته المتنامية، بل وصل الأمر بالبعض إلى تشبيه عمر البشير بـــ «صدام حسين»
كل ذلك سواء كان موقف الترابي، أو مواقف تيار التطبيع، وغلاة العلمنة يصب في إناء واحد، وهو تأهيل الرأي العام بتقبل ذبح الضحية الجديدة على مذبح المحكمة الدولية، وتهيئة الشعوب العربية نفسيًا لاستقبال الكارثة الجديدة التي يتم الإعداد لها في السودان، برضا ودون احتجاج أو امتعاض.
ولست هنا -بأي حال- في موقف الدفاع عن الرئيس البشير، أو عن نظام حكمه، لكن مقارنته بـ «صدام حسين» الذي أغرق بلاده في بحار من الدماء والحروب والمغامرات هي مقارنة ظالمة الهدف منها تقبيح صورة البشير وإضفاء ملامح الإجرام والرعب على صورته حتى لا يبكي عليه أحد. 
والأهم، أن خروج أقلام تنادي بإذعان السودان للإملاءات الغربية، ولاتهامات المحكمة الدولية يؤسس لأمر خطير، وهو القبول العربي لتقديم رؤسائه للمحاكم الدولية، ورميهم في السجون الغربية، وذلك يؤدي لإحداث الفوضى وتقويض منظومة الحكم العربي، فاليوم البشير بــ «تهمة دارفور» وغدًا رئيس آخر بــ «تهمة انتهاك حقوق الأقليات» وبعد غد رئيس ثالث بــ «تهمة انتهاك حقوق المثليين جنسيًا وعبدة الشيطان». وهلم جرًا، ويومها لن يمانع أحد في تسليم الرئيس -أي رئيس- ومن يلاحظ تقارير المنظمات الحقوقية الدولية يجدها مليئة بأخبار هؤلاء وانتهاك حقوقهم.

مرة أخرى لمن يدافعون عن موقف المحكمة الدولية، ومواقف الغرب من السودان تؤكد أن الذي يجري بحق السودان منذ سنوات هو «مؤامرة» -مع أنني لست من أنصار نظرية المؤامرة- تستهدف أرضه وثرواته المتنامية والتي بدأ يجنيها بالتعاون مع جهات دولية، وأولها «الصين»، كما تستهدف اختطافه بالكامل ويومها سيختفي الحديث عن «دارفور» والتاريخ خير شاهد على ما نقول، فلم يكن غزو الولايات المتحدة لـ «فيتنام»، دعمًا لثورة «هوتشي» كما أعلن في ذلك الوقت، وإنما للسيطرة على سواحل ذلك البلد الذي كان يعوم على بحيرة هائلة من النفط، تم تقسيمها بين شركات النفط العالمية، وكان للشركات الأمريكية فيها نصيب الأسد، وكذلك الحال حدث مع «كولومبيا»، و«العراق»، و «أفغانستان»، بل و «كوسوفا»، ومن يطالع التقرير الإستراتيجي للطاقة وتحديات القرن ٢١ الذي صاغه مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، ويحذر من نضوب الاحتياطي الأمريكي من النفط مع نهاية العقد القادم من يطالعه يدرك أن المسألة في السودان ليست «دارفور» ولكنها إما «ثرواته» وإما رأس «الرئيس».

الرابط المختصر :