العنوان حمام القيشاني «2 من 3» الشيوعيون في حمَّام القيشاني.. حقيقة مقلوبة
الكاتب نوال السباعي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يونيو-1998
مشاهدات 67
نشر في العدد 1303
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 09-يونيو-1998
- من أعجب مفارقات المسلسل: الشيوعية لا تتنافى مع الإيمان بالله.. والشيوعي يطلب من والديه الدعاء وهو يقرأ الفاتحة!
- المصادر التاريخية والعلماء شهود العصر: المسلسل يُشَوِّه التاريخ بشكل متعمد.
- ألا يستحق رجل مثل الدكتور مصطفى السباعي الذي يعرفه العالم الإسلامي والعربي كله وقفة تاريخية في المسلسل؟
إذا ذُكِرت الشام، ذُكِرت قهوتها الصباحية، وياسمينها، وحاراتها، وذُكر مع ذلك كله جهاد رجالاتها ضد الاستعمار، كما تُذكر الفُرْقة التي أصابتهم، والخلافات التي دبت فيما بينهم أثناء فترة الاستعمار العسكري، وبعده، وإلى الآن.
ولعل وضع بلاد الشام خلال نصف القرن الأخير يُمَثِّل بصورة جليّة وضع وطننا العربي الذي آثر مختارًا أن يُقتطع من جسد الأمة الإسلامية، وبخاصة أن التمزق والتشتت والتشرذم أصبح سمة أساسية من سمات تشكيلته الاجتماعية، وقد تقطعت أوصال الشام كغيرها من الأقطار الإسلامية، وساهمت الجغرافيا في صنع التاريخ، كما هو الحال منذ خلق الله الأرض وما عليها، فأصبحت الشام أربعة أقطار سورية، ولبنان، وفلسطين، والأردن.. وحدث داخل هذه الدول الوليدة نوع أعمق من التشتت والتمزق والتشرذم، وظهرت الطوائف، والفرق، التي سبق فتنتها ظهور الأحزاب السياسية، والتيارات الفكرية التي دعمتها وتدعمت بها، مما أدى مع الزمن إلى غرق الناس في مستنقعات الحقد، والكبت، والكراهية، التي تُعَبِّر عن نفسها بين الحين والآخر، بمذابح أشد هولًا من مذابح الصرب وبقمع أشد من قمع الشيوعيين للشعوب التي حكموها قسرًا، وضموها ظلمًا لمنظومتهم السوفييتية.
مذابح صابرا وشاتيلا:
وليست مذابح «صبرا وشاتيلا» عنا بغائبة، ولا ما شابهها في مناطق أخرى بمنسية على الرغم من الخوف الذي ألجم وما زال يُلجمُ في كل مكان!
وإن من أكثر ما لفت نظري مما يخص «حمام القيشاني» أن يُوجِّه مسلسل عربي يُعرض في دولة خليجية، أكبر جزء من حلقاته للترويج للفكر الشيوعي، وهو الذي سقط وانتهى في أوروبا التي حملت به، وتمخَّضت فولدته في أرضها، وقد كان نُشُوؤه أصلًا بسبب التفاعل الاجتماعي الخاص بالإنسان الأوروبي ومشكلاته وفكره، وبخاصة أن أوروبا- وهي الأم الشرعية للفكر الشيوعي- كانت قد أعلنت عن موته ودفنه بيديها تحت أنقاض جدار برلين الذي حطمته بإرادتها الماضية قدمًا في سبيل تحقيق الوحدة والتمازج والتماسك والالتحام الاقتصادي والاجتماعي، والإنساني والحضاري، وبأي- بل وبكل- ثمن ممكن!
بينما ما زلنا نحن نبحث في شرعية الدعوات الإقليميّة والنعرات القوميّة التي ترمي إلى تفتيت المزيد من وحدة أمتنا.
لقد سقطت الشيوعية بالفعل وانتهت وثبت فشلها وجرائمها، وعلى كل صعيد، ولم يبق منها إلا أسماء بعض الأحزاب الرنانة هنا وهناك والتي استخدمت اسم الشيوعية للوصول إلى السلطة في هذا البلد أو ذاك... ولا ينطبق القول ذاته على الاشتراكية التي ما زالت تحكم سياسيًا واجتماعيًا في معظم دول العالم اليوم لأنها خضعت لتغيير وتبديل، وتكيَّفت- بل تزاوجت- مع جميع الأنظمة السياسية والاجتماعية المعروفة في عالمنا اليوم.
- وعودة إلى المسلسل «حمام القيشاني» والذي نخص هذه الحلقة من تعليقاتنا عليه، بنقد بعض أوجه التشويه التاريخي التي عرضها والذي لا ندري هل كان بقصد أم بدون قصد، فإذا كان دون قصد، فإننا قد نفهم منه- على أحسن الوجوه- أنه جاء بهدف إجراء مصالحة بين الشام «حكومة وشعبًا»، وبين «الحزب الشيوعي» الذي لعب خلال زمن ليس بالقصير دور «العدو اللدود» للجميع.
كما أنه كان من المثير للدهشة أن يُقْدِمَ «عرض تلفزيوني» بمثل هذه المواصفات على طرح جملة من الحقائق التاريخية، وتشويه صفحة من صفحات تاريخ سورية بشكل بدا متعمدًا.. ولم يؤدِّ ذلك إلى أي نوع من أنواع الاعتراض، أو الاحتجاج، أو مجرد النقاش الهادئ البناء في محطة كالقناة الفضائية لتلفزيون أبو ظبي، وخصوصًا أن الأمة الإسلامية تعاني، وفي هذه الفترة بالذات، من أمرين على غاية من الخطورة، أولهما: الإذعان المستسلم اليائس للتوجه العام في الانصياع لما يُسَمَّى النظام العالمي الموحد.
وثانيهما: إحياء الذكرى الخمسين لاغتصاب فلسطين، وتقسيمها بتواضع المجتمع الدولي وإقراره.
ولم ينتبه في تلك الأيام إلى فداحة المصيبة إلا الصفوة من علماء الأمة، ورجال الإسلام الذين وقفوا ضد قرار التقسيم، وضد مشروع الإجهاز على الأمة الإسلامية عقب تفتيت دولة الخلافة، والقضاء على رمز وحدة الأمة، وتميُّزها كأمة إسلامية.
أجريت جملة من الاتصالات بالعديد من كبار رجال سورية الذين عاصروا تلك الحقبة، ومدَّ الله في أعمارهم فكانوا «شهداء على هذا العصر»، في نهاية هذا القرن الميلادي، لأتأكد مما ورد في مسلسل «حمام القيشاني» من أحداث أثارت لديَّ عشرات من إشارات الاستفهام، فلئن كنت قد ولدت بعد تلك الأحداث بعشرة أعوام تقريبًا، إلا أن هذا لا يعني أنني لم أعش وبعد مرور ثلاثين عامًا على قرار التقسيم، كل ما ترتب عليه في حياتنا الفردية، والأسرية، والاجتماعية، والسياسية.
ولقد كان اتفاق الجميع، ودون أدنى مجال للشك، على أن ما جاء في المسلسل، إنما كان «محاولة خطيرة لقلب الحقائق وهضم الناس حقوقها، وتشويه تاريخنا»، الذي لا يجد أصلًا من يكتبه، أو يُثْبته كما هو وكما جرى وحدث!!
ولقد تواضعت أقوال جميع هؤلاء العلماء وكبار رجال سورية- الذين طلبوا عدم ذكر أسمائهم لكيلا تثار فتن جديدة- على أن الشيوعيين لم يكونوا قط قوة شعبية فاعلة على المستوى الاجتماعي، ولا حتى السياسي في سورية، وحتى إن زعيمهم «خالد بكداش» الذي رفع المسلسل من وزنه، لم يكن ليظهر له اسم لولا أن الغضب الشعبي كان عارمًا ضد السياسة الأمريكية في سورية عام ١٩٤٩م.
مصادر الحركة الشيوعية:
المصادر التي عدنا إليها، وفيها مجموعة ضخمة من الكتب الخاصة بالحركة الشيوعية في بلادنا[1]- مع جزيل الشكر للأستاذ الفاضل الذي زودني بها مع الإشارات المهمة إلى المواقع الفصل في هذه القضية- أكدت هذه المصادر من «شهود العصر»، ومن الكتب «أن الشيوعيين كانوا قد وقفوا بجانب تقسيم فلسطين، وكان بيانهم الذي صدر صبيحة التقسيم في دمشق مثالًا في التبعية لموقف الاتحاد السوفييتي، ودعوة إلى تعاون العمال العرب مع العمال اليهود ضد الطبقات الرأسمالية المستغلة».
وقد استغرب «شهود العصر» في العديد من الأقطار العربية والأوروبية أن يُعرضَ المسلسل التلفزيوني بطريقة تُضَلِّل الرأي العام العربي، كما أن ما عرضه المسلسل يتناقض مع ما كنت قد لمسته وعشته مع رفيقات مقاعد الدراسة أثناء المرحلة الثانوية، وبخاصة من أولئك المجاهدات بالانتساب للحزب الشيوعي، وما كنت ألمسه من بعض الأقارب أو المعارف، في وسط أسري منفتح على جميع الاتجاهات السياسية في دمشق.
لقد أكَّد المسلسل وبدأب مُضحك على أن «الشيوعية» لا تتنافى مع الإيمان بالله وأكْثَرَ من صور الشيوعيين الذين يُكبون على أيدي آبائهم وأمهاتهم طالبين منهم الرضا والدعاء وهم يقرأون الفاتحة.. وذكر الله.
وهذه صورة لا يمكن أن يهضمها من كان له أدنى معرفة بالشيوعية وبواقع الشيوعيين من عرب أو عجم !!
لقد كان الرفاق الشيوعيون من الشباب والشابَّات الذين لم تتجاوز أعمارهم السادسة أو السابعة عشرة، مثلًا من أمثلة الكفر، والخروج على الدين، والعرف والتقاليد، وكانوا يجتهدون في تحقير كتاب الله ماديًا ومعنويًا.. وكانوا مُصِرِّين على تشكيك كل أحد بوجود الخالق، وعملية الخلق، فكيف يُصِرُّ المسلسل على تجميل صورتهم؟
ثم ومن أعجب المفارقات أن ما أثبته المسلسل من حقائق مقلوبة، نفاه الشيوعيون أنفسهم، وعجبوا له، وأنا شخصيًا إن نسيت شيئًا من دمشق، فلا أنسى صورة «خالد بكداش»- هذا الذي جعله المسلسل قائدًا فذًا وشخصية استثنائية- في موقف له أثناء خطاب كان يلقيه الرئيس الأسد في حشود غفيرة، وصار يردد فيه عبارة «لا إله إلا الله محمد رسول الله »، فهتف الناس مكبرين مصفقين، بينما كان «خالد بكداش» الوحيد في القائمة كلها، وقد عقد يديه على صدره، وامتعض وجهه إلى درجة جعلت المصورين يجتهدون في التقاط تلك اللحظة، وتثبيتها في أذهان الناس، وقد حملت هذه الصورة مع بقايا الصورة التي كانت آخر عهدي بسورية وبدمشق.
ولقد أكد لي أحد كبار أساتذتنا أن زوجة «خالد بكداش» التي قضت في السجن فترات طويلة، كانت قد رفضت رفضًا باتًا أن تجرى لزوجها أي مراسم جنازة أو دفن إسلامية، كما منعت مجرد الصلاة عليه يوم موته.
- وقضية فكرية تاريخية أخرى تستوجب منا الكثير من الوقوف، وهي غياب كبرى الأسماء الوطنية، وافتقادها في مسلسل يروي تاريخ دمشق في فترة الخلاص من الاستعمار العسكري. فبينما يُفْرَد لخالد بكداش مثل هذا الدور، يُعْرَض رجال العلم في سورية على أنهم أربعة أفراد جاؤوا لزيارة «حسني الزعيم» في قصر الحكم... في هيئة رثة، وثياب مشوهة، وعمائم هي للقماش المستعمل في تنظيف المطابخ أقرب، وقد دخل كلٌّ منهم في أعطاف نفسه خزيًا وقلقًا، ولم يجرؤ واحد منهم على التلفظ بحرف في حضرة الرئيس الزعيم... ثم ما لبثوا أن خرجوا خائفين وَجِلِين تهتز اللحى الملصوقة على وجوههم.... وتدل هيآتهم على منتهى الإهمال في الإخراج والإعداد والديكور الشخصي والمكياج، ولعل هذا هو المشهد الوحيد الذي أفلت فيه الممثلون بصورة عجيبة من يد الإتقان، من حيث تصميم الملابس، وهندسة الشخصيات.
ويستمر حال إهمال «الآخر» الذي يمثل كل ما هو إسلامي في المسلسل، فإذا بنا نسمع ومرة واحدة فقط اسم «الشيخ مصطفى»، هكذا نكرة حتى دون لقب، كأنه نكرة غير معروفة في تاريخ البلاد والعباد، الشيخ مصطفى السباعي، الذي يقول عنه صاحب المكتب الإسلامي الأستاذ زهير الشاويش، وفي أكثر من موضع من مؤلفاته وهوامشه: «إنه المحرك الرئيس الذي وقف لدفع جيش الإنقاذ في سورية، ودعا إلى الجهاد مع شخصيات سوريَّة بارزة، كالضابط عبد الرحمن الحلو، والسيد عدنان الدبس، والدكتور عبد المجيد شعبان، وجماعات القوميين، والبعث العربي، وعلى رأسهم ميشيل عفلق، وصلاح البيطار، والدكتور مدحت البيطار، وكذلك الحزب الاشتراكي برئاسة أكرم حوراني، ولقد تم تشكيل جيش الإنقاذ، وليس فيه شيوعي واحد».
مصطفى السباعي:
وأنا أسأل... ألا يستحق رجل مثل «الدكتور مصطفى السباعي» الذي يقول عنه علامة داعية مجاهد آخر هو الأستاذ عصام العطار: «إنه لم يصب بمثل خبر وفاته الذي جاءه في بيروت، ومُنِعَ حتى من حضور جنازته وتشييعه إلى قبره»، في أواخر الستينيات... رجلٌ يعرفه العالم الإسلامي والعربي كله من أقصاه إلى أقصاه، ما عدا مواطنيه أبناء سورية... ألا يستحق رجل مثل هذا ولو مجرد وقفة تاريخية واحدة في المسلسل؟ الذي قدم صورة لا بأس بها عن الإسلاميين، ولكن من خلال شخصيتين اثنتين فقط أحدهما هو «بشير» الذي قام بتمثيله «فوزي بشارة»، والذي يصعب إلا على ذوي الدراية أن يفهموا أنه من «الإخوان المسلمين» الذين كانوا في ذلك العهد قوة اجتماعية كبيرة على غاية من الأهمية في سورية، وعلى الرغم من ذلك لم يُذكر اسمهم قط إلا بالتلميح لدى الإشارة إلى مقتل «الإمام البنا» في مصر، عندما أراد «بشير» أن يصلي عليه صلاة الغائب، دون أن يفهم المُشاهد العادي، شيئًا مما يحدث على الإطلاق، اللّهم إلا قيام ممثل غير مسلم بترديد آيات من القرآن، وأدعية مختارة بشكل أقل ما يقال فيه إنه مضحك للغاية.
وأما الممثل الثاني الذي أدى دور ملتزم بالدين إلى درجة إطلاق لحيته، وإصراره على قراءة «المنار» التي هي بالطبع النشرة الخاصة بالإخوان، والتي كانت بإشراف الشيخ مصطفى السباعي- رحمه الله- فهو «عماد»، الذي قدم دوره «طارق مرعشلي»، والذي مَثَّل دور إنسان مُتدين مُنسحب من الحياة وحتى من المجتمع لا ناقة له ولا جمل في أي مما يجري حوله، على غاية من السلبية والعجز.. رغم أدائه المتميز وقدرته على التمثيل، وبخاصة في مجال طاعته لأمه، ومواقفه الرقيقة من زوجة عمه المظلومة.. وحبه ومعاملته الطيبة لزوجته.
ومن العجب أن كل الناس تجنَّدوا في جيش الإنقاذ... إلا «عمادًا» هذا الذي لم يذهب للقتال في فلسطين... وهذ حديث آخر.. أرغمنا المسلسل على إفراد بحث له، وبخاصة أن اتصالي وسؤالي عن هذه الحقائق كان قد أثار شجون أساتذتنا، فأصروا على تبيان الحقيقة، لا من باب الهدم ومهاجمة الأعمال الفنية، بل من باب احترامنا للعمل الفني المتميز، واعترافنا بقدرته على تقديم الجديد، الغريب من نوعه في عالم القنوات الفضائية اليوم مما يمس حياتنا وحاضرنا ومستقبلنا.
إنه مجرد نقد.. ولكن مع النقد تصحيح وتقويم وتبيان للحق الذي تَفْقِدُ من دونه الأشياء معناها وبريقها ومُبرِّر وجودها.
الحلقة القادمة... جيش الإنقاذ ورجال سورية الذين هُضِمَت حقوقهم…
[1] «نصوص حول المسألة اليهودية» – ترجمة جورج طرابيشي ۱۹۷۲م.
-الاتحاد السوفيتي وقضية فلسطين د: صلاح دباغ 1968م.
-دور الدول الإشتراكية في تكوين إسرائيل د. ابراهيم الشريفي.
-العلاقة بين الصهيونية والشيوعية د. مصطفى الحيا 1986م.
-حركة التحرر الوطني والنضال في سبيل الإشتراكية خالج بكداش
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل