العنوان حماس وسلطة الحكم الذاتي بين الشد المرن.. والصدام الشامل
الكاتب محمد الخضري
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1994
مشاهدات 96
نشر في العدد 1111
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 09-أغسطس-1994
· السلطة التي شكلها عرفات لقيادة الحكم الذاتي تعمل كجبهة غير متجانسة تحوي الكثير من التناقضات.
منذ انتقال ياسر عرفات وبقية أعضاء السلطة الفلسطينية إلى مناطق الحكم الذاتي في قطاع غزة ومنطقة أريحا، أخذ الصراع الدائر بين القوى الفلسطينية المؤيدة لاتفاق الحكم الذاتي بزعامة حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" والقوى المعارضة للاتفاق الداعين لتصعيد الصراع ورفع وتيرته لتحقيق أهداف متباينة بقيادة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" منحى جديدا، لم يعد الصراع بين قوى متنافسة على كسب الشارع والتأثير فيه وإنما تحول ليأخذ صورة الصراع بين سلطة حاكمة ومعارضة محكومة وبينهما شعب خرج من تحت سطوة المحتل ليسقط في هوة الحيرة وقلة الحيلة.
ولا يملك بندول العلاقة بين السلطة التي تهيمن عليها حركة "فتح" كبرى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وبين المعارضة التي تقودها حركة "حماس" إلا التأرجح بين الصراع الهادئ الذي يأخذ صورا إعلامية واقتصادية وقانونية ودبلوماسية وبين الصراع الصاخب بصورته التقليدية من اعتقالات وتصفيات واغتيالات وربما حرب شوارع إذا تفجر الموقف غير أن قوانين الصراع تظل مرتبطة بقوانين الواقع القائم وتركيبة الطرفين وأهدافهما من هذه المرحلة.
تكوين السلطة
يمكن النظر إلى السلطة التي شكلها عرفات لقيادة الحكم الذاتي كجبهة غير متجانسة تحوي الكثير من التناقضات على المستوى الأفقي والعمودي، ومن شأن صراعات أفراد السلطة وتياراتها إضفاء المزيد من الضعف عليها، فالسلطة تضم حركة "فتح" بشكل رئيس إذ يضم مجلس الستة نحو 10 وزراء من حركة فتح، بينما لا يضم سوى عضوين من الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني فداء وهو حزب شكله ياسر عبد ربه بعد انشقاقه عن الجبهة الوطنية لتحرير فلسطين، كما يضم المجلس- الذي تم تعيين 20 من أعضائه- عضوا عن جبهة النضال الشعبي بزعامة سمير غوشة وأحد المقربين من حزب الشعب "الشيوعي سابقا" والبقية من المستقلين المحسوبين على عرفات وحركة "فتح"، وتحتدم الصراعات داخل حركة "فتح" بين القادمين من الخارج ومن قادوا النضال في الداخل، كما تحتدم بين حركة "فتح" التي تحتكر القرار في شخص زعيمها عرفات وبين حلفاء الحركة الذين يرفضون علنا أن يتحولوا إلى دمى أو بيادق على رقعة الشطرنج يحركها عرفات ويضحي بها لحماية مصالحه.
من زاوية أخرى فإن تركيبة المجلس الذي عينه عرفات لإدارة الحكم الذاتي تكاد تخلو من التكنوقراط لمصلحة التوازنات السياسية، مما يضعف إمكانات النجاح في تحقيق هدف السلطة إقامة بنية تحتية متطورة في مناطق الحكم الذاتي وإقامة اقتصاد ذاتي قادر على تغيير الواقع البائس في قطاع غزة ومنطقة أريحا.
كما أن معظم الشخصيات التي يتشكل منها المجلس لا تعدو كونها شخصيات مارست طوال تاريخها السياسي النضال الثوري غير المنظم والخالي من البعد الحضاري- الإنساني، مما يعيق محاولتها إدارة مجتمع مدني ناهيك عن إقامة مثل هذا المجتمع ومن شأن مثل هذا التركيب دفع قرارات السلطة وتصرفاتها باتجاه الحزبية الثورية أو العسكرية الديكتاتورية، وهو ما يجعل هذه السلطة عاجزة عن قبول الرأي الآخر أو التعاطي معه بإيجابية.
استحقاقات الاتفاق
من ناحية ثانية فإن السلطة- أيا كان تركيبها- محكومة بسقف أعلى لا تستطيع تجاوزه في ظل موازين القوى القائمة، وهذا السقف يحدده اتفاق الحكم الذاتي الذي وقعته منظمة التحرير مع "إسرائيل" واستحقاقاته، ويمكن إدراك هذه الاستحقاقات عند قراءة الهدف الذي سعت إليه "إسرائيل" من الاتفاق، ويمكن في هذا المقام تجاهل أهداف منظمة التحرير من الاتفاق كون الطرف الإسرائيلي هو الطرف الأقوى والضامن للاتفاق ويكفي أن تتراجع إسرائيل عن الاتفاق ليسقط مباشرة.
ويتمثل الهدف الإسرائيلي من الاتفاق في قضية أساسية تتعلق بالوضع الفلسطيني وأخرى تتعلق بالوضع العربي والعلاقات العربية- الإسرائيلية، أما الهدف الخاص بالوضع الفلسطيني، والذي تجدر الإشارة إليه هنا هو إقامة منطقة عازلة بين "إسرائيل"، ومنظمات المقاومة الفلسطينية وقطع الطريق على الفصائل المطالبة بزوال "إسرائيل" والآخذة بالنمو السريع على حساب الرصيد التاريخي لحركة "فتح" ومنظمة التحرير، وتلخصت نظرية وزير الخارجية "الإسرائيلي" شمعون بيريز في أن إصرار إسرائيل على إهمال دور منظمة التحرير الفلسطينية سيؤدي إلى بروز حركة حماس مما سيضطر إسرائيل إلى مواجهة خصم يرفض الالتقاء معها على أي مستوى أو أي حلول وسط، وقد تمكن بيريز من إقناع رئيسه في الحكومة والحزب إسحاق رابين بضرورة التفاوض مع عرفات لقطع الطريق على "حماس"، وصنع واقع جديد تضطر فيه الحركة إلى التعامل مع سلطة أهم مقومات نجاحها في المرحلة الانتقالية ضمان الأمن الإسرائيلي من الأخطار القادمة من المناطق الخاضعة لسيطرتها.
ومن شأن هذا الاستحقاق وضع السلطة أمام خيارات محددة فإما السقوط في الاختبار والاندثار أو الوقوف في وجه الفصائل والمعارضة المصرة على مواصلة المقاومة، فيما ستكون حركة "حماس" أمام خيارين أيضا فإما الرضوخ لقوانين السلطة ومحددات الاتفاق وبالتالي وقف عملها العسكري ضد إسرائيل، أو مواجهة مخاطر الصدام مع السلطة الفلسطينية.
سيناريوهات محتملة
يمكن وصف العلاقة القائمة بين حركة "حماس" وسلطة الحكم الذاتي بأنها علاقة "الشد المرن" حيث تسعى السلطة إلى ممارسة ضغوطها لتحجيم حركة "حماس" مع إبقاء خطوط الاتصال معها مفتوحة عبر قنوات عدة، وهو ما برز خلال مهرجان كان المقرر تنظيمه يوم زيارة وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر؛ حيث أرسل عرفات مندوبين عنه إلى زعماء الحركة وبقية فصائل المعارضة يتمنى تأجيل مهرجانهم فيما أبلغ رجال الشرطة أصحاب "الباصات" قرارا يحظر بموجبه على "الباصات" نقل المشاركين إلى حين وصول أموال المساعدات الدولية للسلطة التي ستتمكن آنذاك من تنظيم صفوفها وتعزيز قوتها الشعبية، وفي هذه الحالة سينتقل الصراع إلى مستوى آخر لعل أوله الصراع "المؤسساتي والخدماتي"؛ حيث إن صراع الجانبين محوره الرئيس الشعب وهو ما لا يمكن اقتسامه، إذ تسعى حركة حماس للفوز بتأييد الشعب ودعمه لمشروعها، كما يحاول أنصار السلطة إقناع الشارع أن ليس في الإمكان أفضل مما كان وأن أي محاولات لإطالة أمد الصراع ستتحول إلى تهديد حقيقي ينذر بضياع الإنجازات، وعودة المحتل إلى شوارع غزة وأريحا.. ومع توالي التوتر يصبح الصدام الشامل بين الجانبين مجرد مسألة وقت ما دامت السلطة محكومة بالاتفاق وظلت حركة "حماس" تعارض الاتفاق وتصر على خوض معركة التحرير حتى النهاية والنهاية لديها زوال "إسرائيل" وليس أقل من ذلك.
(*) خدمة خاصة لــ"المجتمع" من قدس برس.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل