العنوان حماس والسلطة- وحوار فرض الإرادات في القاهرة
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-1995
مشاهدات 80
نشر في العدد 1181
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 26-ديسمبر-1995
- حماس: لم نتراجع عن موقفنا وموافقتنا على الحوار ليست نتيجة ضعف.
- وفد حماس مَثّل الضفة والقطاع والشتات لتفنيد المزاعم بوجود خلافات داخل الحركة.
الحوار الذي عقد في القاهرة قبل أسبوع بين حركة المقاومة الإسلامية «حماس»والسلطة الفلسطينية كان هو الأول من نوعه منذ قيام السلطة الفلسطينية قبل عام ونصف، وقد جاء بعد فشل عدة محاولات سابقة لجمع الطرفين على مائدة الحوار.
وعلى الرغم الرغم من أن عدة لقاءات قد تمت داخل الأراضي المحتلة بين قادة من حماس وبين رموز السلطة الفلسطينية خلال المدة الماضية، إلا أن تلك اللقاءات اتخذت طابعا ميدانيا واكتسبت أهمية محدودة نظرا إلى أنها لم تكن مخصصة لبحث مجمل العلاقة بين الجانبين كما حصل في القاهرة، حيث كانت أجندة اللقاء مفتوحة أمام الجانبين لوضع جميع النقاط على طاولة التفاوض.
ولعل ما أكسب حوار القاهرة أهمية إضافية، أن هذا اللقاء جاء بعد توتر حاد شهدته العلاقة المتوترة بين الجانبين، حيث شهدت الشهور الماضية العديد من الصدامات والاحتكاكات الساخنة والتي كانت تؤدي إلى صراع دموي واقتتال داخلي لا يخدم إلا العدو الصهيوني، وتمثلت ذروة التوتر في مجزرة مسجد فلسطين في غزة التي راح ضحيتها العشرات من القتلى والجرحى، وكذلك انفجار حي الشيخ رضوان الذي أستهدف عددا من قادة كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس، إضافة إلى الاعتقالات المستمرة من قبل السلطة في صفوف حركة حماس ومؤيديها وإصدار الأحكام العالية بالسجن بحق العشرات منهم.
- حماس: لم نتراجع
مصادر في حركة حماس أكدت أن حوار الحركة مع السُلطة لا يشكل تراجعًا في موقفها ونفت أن تكون موافقتها على الحوار ناتجة عن ضعف في موقف الحركة، وأشارت إلى أن الحركة أعلنت دوما أنها مع مبدأ الحوار لحل الخلافات ومن أجل حقن دماء الشعب الفلسطيني.
وقالت هذه المصادر ل «المجتمع» إنه إذا كان هناك تراجع فإن السلطة هي التي تراجعت لا حماس، وأضافت أن السلطة كانت ترفض أن يتم الحوار بينها وبين حماس، وكانت تصر على أن السلطة للجميع وأنها ليست ندا لحماس وأن الحوار يجب أن يتم بين حماس وحركة فتح، ولكنها تراجعت عن هذا الموقف الذي أعلنه رئيسها وعدد من رموزها وقبلت بالجلوس على مائدة الحوار بندية كاملة مع الحركة.
أما التراجع الآخر الذي حصل في موقف السلطة كما أشارت مصادر حماس فهو موافقة السلطة على شرط حماس بالإفراج عن قادتها المعتقلين، قبل المباشرة في الحوار والذين كان آخرهم الشيخ سيد أبو سامح الذي صدر بحقه -في وقت سابق- من هذا العام حكم بالسجن لمدة ثلاثة أعوام بحجة قيام صحيفة الوطن التي يرأس تحريرها بنشر مقالات تحريضية ضد السلطة، وكانت حركة حماس وضعت اسم «أبو سامح» ضمن وفدها للحوار مع السلطة رغم تواجده في المعتقل وكانت باستمرار على ضرورة الإفراج عنه حتى يتسنى له المشاركة في وفد الحركة.
وبالعودة إلى تاريخ اللقاءات الرسمية بين الجانبين فقد شهد شهر ديسمبر «كانون الأول ۱۹۹۲ م ويناير «كانون الثاني ۱۹۹۳م لقاءين بين حركة حماس وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية لم يسفرا عن تحقيق تقدم في العلاقة بينهما، ومنذ توقيع اتفاق أوسلو عام ۱۹۹۳م أعلنت حركة حماس تجميد اللقاءات مع قيادة المنظمة تعبيرا عن رفضها للسياسة التي انتهجتها تلك القيادة.
وقبل أشهر تجدد الحديث عن إحتمالات عقد لقاء رسمي بين الجانبين بعد جهود بذلها الدكتور حسن الترابي الأمين العام للمؤتمر الشعبي العربي والإسلامي، ولكن تلك الجهود فشلت في جمع الطرفين بسبب تأخر السُلطة الفلسطينية في إعلان موافقتها على دعوة الترابي للقاء في الخرطوم، وبعد أن أعلنت حماس عدم إستعدادها للقاء مع السُلطة بسبب الإعتقالات التي شنتها في صفوف الحركة وشملت عدد من قادتها وعلى رأسهم الدكتور محمود الزهار والشيخ أحمد بحر.
وقبل شهرين جدّد الترابي دعوته للوساطة بين حماس والسُلطة ووجه دعوة للطرفين للقاء في الخرطوم، و أعلنت حركة حماس موافقتها على الدعوة في حين تلكأت السُلطة في إجابة الدعوة وبدا واضحًا عدم رغبتها بعقد الحوار في العاصمة السودانية رغم حرصها على اللقاء مع حماس، وعزا المراقبون موقف السُلطة هذا إلى التوتر القائم بين السودان ومصر التي تحظى بتأثير كبير على مواقف وقرارات السُلطة الفلسطينية، خاصة وأن الدعوة السودانية وجهت في أعقاب محاولة إغتيال الرئيس المصري في أديس أبابا وإتهام مصر للسودان بالوقوف وراء محاولة الإغتيال.
وللخروج من المأزق، وحتى لا يسيء إلى علاقته المتميزة مع السودان طلب رئيس السُلطة في مصر توجيه دعوة للطرفين للقاء في القاهرة، وقد لقي هذا الطلب ترحيبًا من قبل الحكومة المصرية التي تتابع الملف الفلسطيني عن كثب وتوليه إهتمامًا كبيرًا، ولكنها كانت تتحرج من توجيه دعوة رسمية لحركة حماس وفضلت توجيه الدعوة للحركة بصورة غير مباشرة عبر السلطة الفلسطينية، ولكن حركة حماس رفضت ذلك وأصرّت على ضرورة أن توجه لها دعوة رسمية ومباشرة عبر السُلطة الفلسطينية، ولكن حركة حماس رفضت ذلك وأصرت على ضرورة أن توجه لها دعوة رسمية ومباشرة من الحكومة المصرية وإلا فإنها تعتبر أن الدعوة المصرية للقاء غير قائمة وتتمسك بوساطة الترابي.
و أمام إصرار حركة «حماس» وجهت الحكومة المصرية دعوة رسمية للحركة للقاء في القاهرة عبر سفيرها في غزة، وكانت حركة حماس تهدف من وراء إصرارها على تلقي دعوة رسمية من الحكومة المصرية تعزيز موقعها السياسي وتحميل ياسر عرفات و السُلطة الفلسطينية مسئولية نقل الحوار من السودان الذي تربطه علاقات وثيقة بحماس.
ولتأكيد حرصها على العلاقات المتميزة مع السودان، إظهار رغبتها بأن يكون اللقاء في الخرطوم، قام وفد حركة حماس بزيارة الخرطوم، قبل التوجه للقاهرة وفد السُلطة الفلسطينية، وألتقى خلال زيارته بالدكتور الترابي وبالرئيس السوداني ووجه الشكر للترابي وللحكومة السودانية على جهود الوساطة التي قاموا بها.
على أن وفد حماس كان يسعى إلى تحقيق هدف آخر من خلال زيارته للسودان، وهو تنسيق موقف وفد الحركة الذي جاء من ثلاث مناطق هي الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات من أجل الذهاب للقاء بموقف موحد متفق عليه، وأرادت حركة حماس عبر تشكيل وفدها من المناطق الثلاث التأكيد على وحدة الحركة وتماسك صفوفها وتفنيد الإدعاءات التي تروجها السُلطة الفلسطينية حول وجود خلافات وإنشقاقات في صفوفها على خلفية داخل وخارج أو معتدلين ومتشددين.
و قد لوحظ أن كلًا الطرفين.. حماس والسُلطة حرصًا على حضور اللقاء بقيادات أساسية من الصفوف الأولى تعبيرًا عن أهمية اللقاء.
فمن جانب السُلطة ضم الوفد رئيس المجلس الوطني الفلسطيني بالوكالة وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح سليم الزعنون الذي رأس الوفد، إضافة إلى وزير العدل فريح أبو مدين، وأمين عام مجلس السُلطة المُكلف بملف حركة حماس وعضو اللجان المركزية لحركة فتح الطيب عبد الرحيم، ورئيس جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة محمد نجلان، ومسئول دائرة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية حسن عصفور، ومدير عام وكالة الأنباء الفلسطينية زياد عبد الفتاح.
أما حركة حماس قضم وفدها عددًا من أعضاء مكتبها السياسي ورموزها القيادية في الضفة والقطاع والشتات حيث مثلها عن قطاع غزة الدكتور محمود الزهار والشيخ سيد أبو سامح وعبد الفتاح دخان ومحمد شمعة، و عن الضفة الغربية جميل حمامي، وحسن يوسف وجمال منصور وعبد الخالق النتشة، ومن الخارج خالد مشعل و عماد العلمي ومحمد نزال وأبو حمدان ممثل الحركة في ظهران.
و شكلت قضية ممارسة العمليات المسلحة ضد الأهداف الإسرائيلية محورًا أساسيًا في العلاقة والحوار بين حماس والسُلطة، وكانت السبب المباشر لمعظم الإحتكاكات التي حدثت بين الجانبين ففي الوقت الذي نصر فيه السُلطة على ضرورة أن تقوم حركة حماس وقف عملها العسكري في جميع الأراضي الفلسطينية و على الأقل في المناطق الخاضعة للحكم الذاتي والتي تعد السُلطة مسئولة بصورة مباشرة عن ضبط الأوضاع الأمنية فيها، فإن حركة حماس تؤكد بإستمرار حقها في مقاومة الإحتلال في جميع أماكن تواجده، وحرصها على أن لا يؤدي ذلك إلى مواجهات فلسطينية - فلسطينية على خلفية المواقف المتناقضة بين الطرفين.
و خلال إحتفال حركة حماس في قطاع غزة الأسبوع الماضي بذكرى إنطلاقاتها الثامنة شدد المتحدث بإسم الحركة على أنها ستواصل الجهاد حتى تحرير فلسطين المُغتصبة مؤكدًا في الوقت نفسه: «أنها قطعت على نفسها عهدًا ألا تدخل في صراع أو اقتتال، و ستسعى خلال الحوار الجاد والشامل مع السُلطة من أجل تكوين مجتمع مدني يتمتع فيه الجميع بالأمن والطمانينة من أجل إرساء قواعد الإحترام المتبادل بما يحفظ الحقوق المتساوية».
و إلى جانب رغبتها بإقناع حركة حماس بوقف عملياتها العسكرية فقد سعت السُلطة الفلسطينية من خلال حوارها مع حماس إلى تهدئة الأوضاع وإشاعة أجواء من التفاؤل والإستقرار خلال عملية إعادة إنتشار القوات الإسرائيلية خارج بعض المدن الفلسطينية وعلى أبواب إجراء إنتخابات مجلس الحكم الذاتي أو آخر شهر يناير «كانون ثان» القادم التي رفضت حركة حماس المشاركة فيها وأكدت أن موقفها نهائي لا عودة عنه.
وبغض النظر عن نتائج الحوار بين حماس والسُلطة فإن كثيرًا من المراقبين يرون أن مجرد عقد اللقاء بين الجانبين على هذا المستوى الرفيع يُشكل تحولًا في طبيعة العلاقة بين أهم طرفين فاعلين على الساحة الفلسطينية».