العنوان حماة: حضارات وأمجاد وتاريخ
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1982
مشاهدات 86
نشر في العدد 563
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 02-مارس-1982
حماة: إرث خالد من البطولات والحضارات والأمجاد.
وادي العاصي كان ملجأ للإنسان القديم منذ العصر الحجري!
المدينة التي تحطمت على أسوارها هجمات الصليبيين فلم يدخلوها؟
حكمها أبو الفداء الأيوبي فازدهرت في عهده فنسبت إليه.
الأحداث الأخيرة التي وقعت في مدينة أبي الفداء «حماة»، جذبت أنظار العالم كله إلى تلك المدينة الحالمة على ضفاف «العاصي» نهرها الجميل الذي يشطرها إلى شطرين تحفهما الخضرة والجمال.
هذه المدينة التي كانت تغفو على أنين نواعيرها الخشبية مستسلمة لأحلامها، خلعت رداء الدعة والسكون، وألقت جانبًا بأمنياتها الوردية.
لتؤدي حق الله والشهادة، فداء للإسلام ودفاعًا عنه، وليس هذا الموقف جديدًا عليها، فرغم أنها في مظهرها الأخضر الأنيق تبعث الراحة في النفوس، إلا أنها تنطوي في قلبها النبيل على ثورة عارمة ضد الظلم والإرهاب، ولذلك تتابعت ثوراتها واتصلت في العصر الحديث منذ الاحتلال الفرنسي عام ۱۹۲۰ إلى هذه الساعات الفاصلة، كما كان ذلك دأبها من قبل التاريخ، حسب الحفريات التي كشفت في قلعتها الأثرية عن وجود أسس لبيوت مستطيلة الشكل يعود تاريخها إلى الألفين الرابع والثالث قبل الميلاد؟!
حماة في التاريخ:
وقد عثرت البعثة الأثرية الدانماركية ٣٢ – ١٩٣٨م في حماة على مكتشفات يعود تاريخها إلى العصر الينوليني أي إلى الألف الخامس قبل الميلاد «العصر الحجري الحديث»!! ولا يستبعد الباحثون أن يكون الإنسان الحجري القديم قد استوطن المغاور والأخاديد والحفر التي تصفح منطقة «المحطة» الآن وهي التي أشارت إليها وكالات الأنباء، على أنها مسرح الصراع بين الطرفين المتخاصمين في حماة؟؟ ويعللون لسكناها منذ القديم، بوجود الماء الذي يؤمنه نهر العاصي ووجود الموانع الطبيعية من التلال المحيطة بها، ومن هنا –ربما– جاءت تسميتها بحماة التي تعني «الحصن أو القلعة» حتى إنه في اللغات الشرقية يسمى الحصن «حامات».
وبعض الباحثين يقول إن التسمية جاءت من اسم أول ملك أرامي حكمها، وقد ورد ذكرها كثيرًا في الإنجيل ووصفت بالعظمي؟!
سكانها وحكامها:
لم يحدد التاريخ أول من بناها، ولكن من المعروف أن العمالقة وهم من قدماء العرب أهل شمالي الحجاز قد حكموها، ثم هزموا على أيدي الأموريين عام ٢٦٠٠ ق م ثم جاء السومريون فالأكاديون وفي عام ٢٠٠٠ ق م ملكها الحثيون فازدهرت في فترة حكمهم إلى عام ١٧٥٠ ق م حيث اجتاحها الهكسوس إلى عام ١٥٨٠ ق م ثم استولى عليها الآراميون عام ١١٠٠ ق م ولهذه الفترة مكتشفات أثرية تدل على تطورها الحضاري ومنذ ٨٥٤ ق م خضعت المنطقة لغزوات الأشوريين لكنهم لم يخضعوها إلا في عام ۷۲۰ ق م؟!! حيث أعملوا فيها حرقًا وهدمًا وأجبروا سكانها على الرحيل؟؟ ثم جاء الكلدانيون وبعدهم استولى على سوريا كلها فرعون مصر نحو الثاني عام ٦٠٧ ق م ولكنهم استعادوها عام ٦٠٤ ق م، وحكمها نبوخذ نصر ثم قورش الفارسي الذي أحرقها؟!! ثم دخلت تحت حكم الإسكندر المقدوني عام ٣٣١ ق م ثم آلت إلى خلفائه الهلنستيين وهي فترتها الذهبية حيث استعادت ازدهارها السابق فطورت الزراعة وفنون السقي والري وذلك بابتكار النواعير وهي دواليب خشبية ضخمة تدور بقوة تيار الماء الذي يرتفع معها داخل صناديق مفتوحة على ساقية مرفوعة على أعمدة، بما يقرب «۱۰» أمتار عن سطح الأرض و «١٥» مترًا عن سطح الماء في النهر، وقد صارت النواعير سمة خاصة لهذه المدينة.
وفي عام ٦٤ ق م تقع حماة تحت الحكم الروماني إلى سقوطه في الفتح الإسلامي.
حماة في الإسلام:
منذ عام ١٧هـ «٦٣٨م» بدأت حماة دخولها تحت راية الإسلام صلحًا على يدي الصحابي الفاتح أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه.
وقد ألحقها الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم بأعمال حمص، وكذلك الأمويون وفي العهد العباسي أهملت حيث ترك حكمها لعمالهم، ويذكر التاريخ أنها اشتركت مع حمص في الفتن الأهلية الناجمة عن الصراع القبلي بين القيسيين واليمانيين؟ وقد قاست من الطولونيين ثم حكمها سيف الدولة الحمداني في منتصف القرن ١٤هـ، ووصلت في عهد نور الدين الزنكي إلى قمة ازدهارها.
وفي فترة الحروب الصليبية وقفت سدًا منيعًا ضدهم، فلم يدخلوها؟!! وولى عليها السلطان صلاح الدين الأيوبي ابن أخته تقي الدين عمر وفي هذه الفترة الأيوبية برز اسم ملكها العالم المؤرخ الجغرافي أبي الفداء إسماعيل الأيوبي وقد خلدها في كتبه ودفن فيها فصارت تنسب إليه وحكمها المماليك فازدهرت في عهدهم ولكن هولاكو وتيمور لنك قضيا على عمرانها منذ القرن السابع الهجري إلى أن حكمها العثمانيون اعتبارًا من ٩٢٢هـ إلى عام ۱۹۲۰م حيث وقعت تحت سيطرة الحكم الفرنسي لستة وعشرين عامًا.
وفي الجغرافية:
تقع حماة التي تعتبر رابع المدن السورية حيث يبلغ عدد سكانها ٣٠٠ ألف نسمة، في وسط سوريا إلى الغرب، وتبعد عن دمشق ۲۱۰ كم وعن حلب ١٦٥ كم ويمر بها نهر العاصي الذي ينبع من سفوح جبال لبنان ويحيط بالمدينة سلسلة مرتفعات جبلية في الشرق والشمال والجنوب. وتقوم في وسطها القلعة التاريخية والمدينة بالدرجة الأولى زراعية ودخلتها الصناعة في فترة متأخرة. وتشتهر بآثارها وأوابدها من مساجد وقصور وحمامات وزوايا للعبادة وخانات ونواعير وأسواق ومكتبات.
في العصر الحديث:
في الواقع، إن التاريخ الحديث المدينة حماة يبدأ مع الاحتلال الفرنسي حيث شاركت في كل ثورة وانتفاضة ضده، وكان لها مواقف رائعة في البطولة والتضحية وتقديم الشهداء استمرت على مدار ربع قرن كامل، وكان قمة عطائها في معارك الجلاء ١٩٤٥م التي استمرت لاهبة صاعدة إلى أن طرد آخر جندي محتل في صباح الخامس عشر من نيسان عام ١٩٤٦ وبعده بيومين جرى الاحتفال الرسمي بعيد الجلاء حيث اعتبر السابع عشر من نيسان عيدًا رسميًا لسوريا.
ولكن هذا الاستقلال كان البداية الفعلية لعهد جديد من الجهاد الدؤوب في سبيل الحرية والانعتاق من إسار التركة الاستعمارية الثقيلة وظل يتصاعد عبر مختلف الحكومات إلى أن بدأ يأخذ شكلًا محددًا مع بداية حكم البعث في آذار ١٩٦٣، ويصل إلى ذروته اللاهبة الدامية في هذه الأيام.
ونحن من خلال استقراء التاريخ بأحداثه المختلفة، ومن واقع الأحداث المعاصرة لنؤكد حتمية انتصار الشعب السوري المكافح بإذن الله وحسب وعده، وستبقى حماة قلعة الإسلام وحصنه، كما كانت كذلك عبر تاريخها الطويل.
تقرير عام:
ونرى أخيرًا أن نورد التقرير المختصر الشامل الذي أوردته وكالة أ.ف.ب من بيروت بمناسبة الأحداث الأخيرة ففيه صورة أقرب إلى الحقيقة، وقد نشرته الشرق الأوسط في ۸۲/۲/۱۲.
وفي الأدب أيضًا:
ورد ذكر حماة في معجم البلدان لياقوت الحموي، فقال: «وهي مدينة قديمة جاهلية»، ذكرها امرؤ القيس في شعره فقال:
تقطع أسباب اللبانة والهوى *** عشية جاوزنا حماة فشيزرا
بسير يضج العود منه، يمنه *** أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا
إلا أنها لم تكن قديمًا مثل ما هي اليوم من العظم بسلطان مفرد.
وقد نسب إليها جماعة من العلماء منهم قاضي القضاة ببغداد أبو بكر محمد بن المظفر الحموي المعروف بالشامي وكان من صالحي القضاة، وكان لا يخاف في الله لومة لائم!!؟ «معجم البلدان لياقوت الحموي مجلد/٢»
وذكرها المؤرخون والرحالة كابن سعيد الأندلسي الذي قال: «لم أر ما يشبه الأندلس في رونقها وأشجارها إلا «فاس» بالمغرب الأقصى ودمشق بالشام، وفي حماة مسحة أندلسية وابن بطوطة».
حماة عبر التاريخ:
بيروت – أ.ف.ب: حماة هي رابع أكبر المدن السورية ويبلغ عدد سكانها ٣٠٠ ألف نسمة، وهي تقع على بعد ٢٠٠ كم شمال دمشق تقريبًا في منتصف الطريق إلى حلب وهي تعد ملتقى عدة طرق ومركز منطقة زراعية غنية يرويها نهر العاصي كما أنها مدينة صناعية تتخصص في المنسوجات واشتهرت بنواعيرها.
ويقطن المدينة بصفة أساسية مسلمون من السنة وقد أصبحت معقلًا للمتدينين في مواجهة علمانية حزب البعث الحاكم في سوريا منذ ١٩٦٣.
وقد أظهرت هذه المدينة دائمًا معارضتها القوية للاحتلال الفرنسي بين عامي ۱۹۲۰ و١٩٤٦ وكذلك لمختلف حركات التحديث العلمانية في سوريا بعد الاستقلال.
ويشتهر سكانها بالصلابة والجرأة. كما أن من حماة بدأت معظم حركات المعارضة ضد الأنظمة المتعاقبة على الحكم.
وفي حماة جرت المظاهرات الوحيدة المعارضة للدستور العلماني لدولة سوريا الذي طرحه حافظ الأسد عام ١٩٧٢.
ومنذ عام ۱۹۷۹ وهو التاريخ الذي بدأ فيه الإخوان المسلمون عملياتهم ضد السلطات في سوريا أصبحت الأحياء القديمة في حماة وهي الأحياء التي يعود تاريخها إلى العصور الوسطى مركزًا للاضطراب المستمر.
وفي نيسان «أبريل» الماضي سببت عملية دفن العسكريين السوريين الذين قتلوا خلال عمليات قوات الردع العربية في لبنان تدهورًا في الموقف انتهى باشتباكات ثم بعصيان حقيقي تطلب تدخل الجيش النظامي بمعداته الثقيلة.
وبعد بضعة شهور من الهدوء وقعت بعض العمليات الجديدة أشارت إليها بصفة خاصة الصحف السورية إلا أن الانطباع السائد في الدوائر الدبلوماسية في دمشق هو أن الإخوان المسلمين نجحوا في تجميع وبلورة معارضة شعبية في هذه المدينة.
في رحلته المشهورة، وفي ألف ليلة وليلة، وفي رحلة ابن جبير وتاريخ أبي الفداء ذكر نواعيرها قائلًا «وبها نواعير على العاصي تسقي أكثر بساتينها» وسميت كذلك لأنه مشتق من النعير وهو صوت في أقصى الأنف.
وفي حماة الآن تسع نواعير كانت ولا تزال مبعث إلهام الشعراء في حماة وغيرها، يقول الشاعر الخطيري في القديم:
رب ناعورة كان حبيبًا *** فارقته فقد غدت لي تحكي
أبدًا هكذا تئن بشجو *** وعلى إلفها تدور وتبكي
ويقول عبد الغني النابلسي:
هذي حماة التي ما مثلها بلد *** لكل دان من الأهلين أو قاصي
ترق قلبًا لأحوال الغريب بها *** حتى نواعيرها تبكي على العاصي؟
ولولا خوف الإطالة لذكرنا شيئًا كثيرًا في هذا المقام، وحسبنا أن تذكر هنا هذه الحادثة الطريفة التي حصلت مع العلامة محمد كرد علي حين كان مسافرًا مع الشاعر أحمد شوقي، فقد قال له وهما في الطريق إلى حماة هذه المدينة التي سنصل إليها نصف أهلها شعراء؟! وبعد أن دخلها شوقي ورأى طبيعتها واستمتع بها قال: عجيب ألا يكون نصف أهلها الآخر، شعراء!! وبعض الدارسين المعاصرين يذكر أن في المدينة الآن ما ينوف عن الخمسين ما بين شاعر وكاتب وأديب، مما دعاه إلى القول» بالظاهرة الحموية» في الشعر؟!
ويبقى هنا أن نورد بعض الأبيات التي تصور واقع الحال في حماة من خلال أحد شعرائها حيث يقول:
وحماة العاصي، أينسى فداها؟ *** وهي أم الفداء يوم التفاني
لم تتم ليلة الغاصب حق *** يزدريها، ولو سما للعنان
هي بنت العاصي استطالت فربت *** كل أبنائها على العصيان؟!
كل حر بها أعق على الضيم *** وأمضى إلى المعالي الحسان
يرفض الذل والخضوع لغير الله *** ماهل فوقه القمران!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل