العنوان حلم ليلة.. تحقيق
الكاتب الطاهر إبراهيم
تاريخ النشر السبت 17-مايو-2003
مشاهدات 8
نشر في العدد 1551
نشر في الصفحة 53
السبت 17-مايو-2003
قصة قصيرة
حلم ليلة.. تحقيق
الطاهر إبراهيم
في ساعة متأخرة من الليل، رن الهاتف رنيناً
متواصلاً، في منزل ضابط المخابرات الرائد «دحام» الذي كان يدخل بيته في تلك اللحظة، بعد سهرة صاخبة في مقر عمله، يعرف من
كان قدره أن زوره من غير عناصر المخابرات ما تعني كلمة سهرة صاخبة رفع سماعة لهاتف فجاءه صوت نسائي متهدج تخنقه العبرات يستنجد به أدرکنا یابا «دانة» بعد أن التقط
أنفاسه أدرك أن لصوت المستغيث كان صوت زوجة زميله في قسم التحقيق في المخابرات العسكرية الرائد
«رعد». رمى
سماعة لهاتف كيفما اتفق
وخرج مسرعاً سيارته المرسيدس.
دخل دحام إلى منزل صديقه رعد بعد أن فتحت له زوجته الباب ليفاجأ بمنظر يأخذ مجامع النفس من
شدة الهول، كان رعد منفوش الشعر جاحظ
العينين محملقاً في سقف غرفة نومه، لا يكاد يحس بمن حوله اقترب منه.. لم يسأل زوجته عن السبب طبيعة الحال تغني عن
السؤال. حاول أن يعرف ما حل بصديقة..
وجده لا يكاد يستطيع النطق، وإنما هي أنفاس متحشرجة تتردد في صدره دقائق قليلة، قضاها دحام بالاتصال الهاتف، ثم أصبحت
غرفة «رعد» تعج بأطباء من اختصاصات مختلفة عندها غادر الرائد دحام منزل صديقه بعد أن اطمأن أنه بين أيد لن تقصر
معه في العلاج.
في اليوم التالي، وبعد أن أنهى دوامه الصباحي، توجه دحام إلى منزل رعد،
حيث وجده في حال. وإن لم يكن على ما يرام تماماً تمكنه من
الإفضاء إليه بالأسباب التي عصفت به من دون سابق إنذار.
تمالك رعد نفسه بعض الشيء،
وقال يحدث
دحام:
على خلاف العادة وصلت إلى
بيتي نحو لساعة الواحدة صباحاً، وأنا أشعر بالضيق هد أن عجزت عن إرغام أحد
المشبوهين في قضية سياسية عن الإدلاء بما عنده من معلومات، رغم كل وسائل
الضغط النفسي
و الجسدي التي أخضعته لها. ولشدة
غيظي لم أستطع تناول طعام العشاء ولا حتى شرب شاي دخلت إلى سريري لعل
النوم يذهب بعض ما حل بي من نار الغيظ وما هي إلا دقائق حتى دخلت في كابوس لا أدري
حقيقة كان أم في المنام؟.
جاني مخلوقان كريها المنظر
لا استطيع أن اصف ملامحهما، وإن كان يُخيل إلي أن الواحد منهما كأنما قطع من جبل
عظيم الضخامة جسده، ودون أن يدعا لي فرصة الاتبين ما يريدان مني، كنت معلقاً
بينهما كريشة في مهب الريح ثوان معدودة وكنت على شفير واد سحيق، يتصاعد منه دخان
ولهيب وعندما أرادا إلقائي في قعر الوادي جاهم صوت لا استطيع أن أصفه، يقول: لا،
حتى نجري له حساباً عادلاً.
وما هو إلا كلمح البصر، حتى بدأت تتساقط أمامي ملفات كالملفات التي أدون بها
الحالات الأمنية التي مرت علي، لكن الذي افزعني أكثر أن أعداد هذه الملفات كان
أضعاف أضعاف الحالات التي حققت بها. ابتدا التحقيق معي حالة بعد حالة وملفاً بعد
آخر. وكلما انتهينا من نظر حالة كان الصوت يصدر حكمه، من مكان لا أدري أين هو،
فيقول: ادخلوه في وادي لظى» لمدة مليون عام أو عشرة ملايين عام أو مليار عام حسب
وبمجرد أن يخطر ببالي أن هذه الأحكام قاسية جداً، يتم تمثيل الحالة امامي يؤتى
بالشخص الذي كنت أتابع ملفه في غرفة التعذيب، فيمثل أمامي هو وأولاده وزوجته وأمه
وأبوه.
واحدة من هذه الحالات واجهتني في بدء التحاقي بقسم التحقيق في فرع المخابرات
عندما كنت ملازماً، أي منذ عشر سنوات وكانت هذه الحالة لمدرس في مدرسة ثانوية جيء
به متهماً، بعد أن سمع وهو يذكر بالخير زميلاً له اعتقل منذ أكثر من خمس سنوات وقد
اعتبر ذلك موالاة منه لذلك المعتقل، وأنه مثله يعادي النظام والشعب وكل المكتسبات
الثورية. كان بدء عرض شريط هذه الحالة ظهور خيال أبيه امامي وهو يطوف على فروع
المخابرات فرعاً فرعاً، يسأل عن ابنه، وهم يصدونه بجفاء، وربما أسمعوه كلمات نابية
وإذا أظهروا له بعض التهذيب قالوا له: ليس لدينا أحد بهذا الاسم كان ابنه داخل
المبنى يخضع للتعذيب تحت إشرافي يصرخ منشدة الضرب على رجليه وهو محشور في دولاب
جنط ١٤، أو يتلوى من الألم، ويصعق بالتيار الكهربائي مر شريط طويل أمامي لأری في آخره هذا الوالد وقد سقط ميتاً في زمهرير الشتاء
أمام مبنى فرع المخابرات بعد أن أصابته في عقله لوثة جنون، وهو يظن أن ابنه سيخرج
إليه بعد طول انتظار جاء الصوت يقول: سجلوا عليه مئتي مليون عام في نار جهنم جزاء
ما اقترفت يداه في حق هذا الشيخ الفاني. وجاءت بعده صورة امه التي أخرسها الحزن
على فقد وحيدها لتموت بعد شهرين من اعتقاله وصدر الحكم علي بمنتي مليون سنة في
النار، عقاباً لي على تسببي بعذاب تلك الأم التي ماتت حزناً على انقطاع أخبار
وحيدها عنها، بعد أن اعتبرته في حكم المقتول.
ثم ظهرت صورة الزوجة بثياب مرقعة تخدم في البيوت، بعد أن كانت سيدة تستقبل
الخادمات في بيتها، لتعيل طفلها وطفلتها، بعد أن قطع عنها راتب زوجها وصدر الحكم
علي بمئة مليون سنة، لأنني تسببت بعذاب الزوجة وطفليها. وقد ظننت أن هذا الحكم هو
نهاية المطاف عن هذه الحالة، حتى ظهر أمامي صاحب الحالة نفسه أحمد الذي مات أثناء
التعذيب بعد أن أدخل رجالنا خرطوماً موصولاً بمنفاخ في فتحة شرجه، فانتفخ بطنه
وتمزقت أمعاؤه وسجلت وفاته ضد مجهول صدر الحكم علي بما يساوي مجموع الأحكام
السابقة، لأني عرضت هذا المعتقل لفتنة التعذيب والفتنة أشد من القتل.
بعد ذلك بدأت تعرض علي الحالات حالة بعد أخرى، ومما أثار فزعي
أكثر، أن الحالات التي أشرف عليها ضباط وضباط صف كانوا تحت إمرتي، حوسبت عليها.
وقيل لي إن أولئك الجلادين كانوا يضربون الناس بسوطي. وهذا يفسر كثرة الملفات التي
حوسبت عنها . ولم ينقذني من هذا الكابوس المخيف إلا صوت زوجتي تهب مذعورة توقظني
من نومي وهي ترى ما كان يظهر مني أثناء نومي من هيجان واصوات غير مفهومة، أو هكذا
قالت لي زوجتي ولم أعد إلى نفسي إلا بعد الأدوية التي أعطيتها وأنت تعرف باقي
الحديث أكثر مني.
رفع الرائد رعد، رأسه ليرى صديقه دحام، يبتسم ابتسامة صفراء، فقال
رعد: وهل حديثي مدعاة للابتسام؟
دحام ليس لهذا الحديث
ابتسمت ولكني تذكرت نفسي وكيف سيكون عليه أمري وتذكرت معلمنا العميد.. «أبو يعرب»
مدير فرع المخابرات العسكرية، وعشرات آلاف الملفات التي سيسال عنها، وأحكام
بمليارات السنوات وربما بسنين ضوئية، إن كان منامك هذا سيصدق علينا جميعاً، أو حتى
اللواء أبويشجب مدير إدارة المخابرات أوحتى......
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل