العنوان حلم «إسرائيل» الكبير
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1994
مشاهدات 69
نشر في العدد 1103
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 14-يونيو-1994
لم تقف أحلام إسرائيل ومطامعها في المياه
العربية عند حدود المطالب التي تقدمت بها الحركة الصهيونية إلى مؤتمر فرساي للصلح
الذي عُقد في عام 1919 بتعيين حدود للكيان الصهيوني تضم معظم الأنهار التي تجري في
سوريا، ولبنان، والأردن، وفلسطين؛ ولكن أحلام «إسرائيل» التوسعية لاختراق العالم
الإسلامي والسيطرة على مقدراته الغذائية والمائية، ذهبت إلى أبعد من ذلك بكثير،
ووصلت الآن إلى شربة الماء التي نشربها.
ففي تقرير خاص انفردت بنشره صحيفة «العالم
اليوم» الاقتصادية في عددها الصادر بتاريخ 1994/4/10 حول قدرات إسرائيل التقنية في
مجال تحلية وتبريد المياه، كشف التقرير عن المخطط الإسرائيلي لاحتواء الدول
العربية، خاصة دول الخليج، والسعي للانفراد بالسيطرة على مجال تحلية مياه البحر
للشرب، والذي تعتمد عليه دول الخليج جميعها تقريبًا لعدم وجود أنهار عذبة بها.
وأشار التقرير إلى أنه لا يوجد في العالم كله
سوى (9) شركات فقط تنتج مصانع تبريد وتحلية المياه، وهذه الشركات التسع تتحكم في
المياه المحلاة في جميع أنحاء العالم، وتتنافس فيما بينها على الإنتاج والتسويق،
وهي على التوالي: أمريكية، وفرنسية، واثنتان بإيطاليا، وأربع يابانية.
أما الشركة الرئيسية المنافسة لهذه الشركات
الثماني فهي شركة «كيميكاليم» الإسرائيلية، وهي تتحكم في (11%) من حجم المنافسة
العالمية. وقد وصل اهتمام هذه الشركات في الحفاظ على أسرارها نفس اهتمام الدول
النووية بالحفاظ على أسرارها النووية ومعلوماتها الاستخباراتية، حتى إن كثيرًا من
مصانع التبريد والتحلية التي تنتجها الشركة الإسرائيلية تحيطها بالكتمان الشديد.
وقد أصبحت الشركة الإسرائيلية -حسب وصف
التقرير- من الشركات القليلة في العالم ذات الخبرة في مجال تحلية المياه حتى إنها
تتعامل مع مصانعها كأنها مفاعلات نووية، وقد أنتجت الشركة حتى الآن (300) مصنع
منتشرة في معظم أنحاء العالم خاصة في جزر الكاريبي، وفنزويلا، وجنوب إسبانيا،
وتايوان، والهند، وتحقق إسرائيل من وراء تشغيل هذه المصانع دخلًا سنويًا يزيد على
المليار دولار.
أما أخطر مشروعات إسرائيل في هذا الجانب فهو
مصنعها الذي أنشأته في عام 1991 بسرية تامة في جنوب إفريقيا لإنتاج الثلج المجروش
لتبريد مناجم الذهب العميقة هناك، والتي تحول درجة الحرارة دون التمكن من استخراج
الذهب منها؛ حيث وصل عمق بعضها إلى خمسة كيلومترات داخل القشرة الأرضية، وقد تمكنت
إسرائيل من تبريد هذه المناجم مقابل الحصول على نسبة عالية من إنتاجها من الذهب.
وكما رسم أعضاء الحركة الصهيونية خريطة
إسرائيل في عام 1919، فإن الصهاينة كانوا يحاربون العرب بعد إعلان قيام الكيان
الصهيوني في عام 1948، ويخططون في نفس الوقت لليوم الذي سيصلون فيه للسلام مع
الحكومات العربية، وأخذوا يرسمون خرائط نفوذهم ومشاريعهم منذ الخمسينيات
والستينيات. وقد نظروا حولهم، وبحثوا عن أهم الاحتياجات التكنولوجية للدول العربية
المجاورة، فوجدوا أن المياه المحلاة تمثل حاجة استراتيجية هامة، فكان تركيزهم على
البدء في مشاريع هندسة تحلية المياه لوجود نقص كبير من المياه المحلاة في كثير من
الدول العربية، ثم بعد ذلك مشاريع الري بالتنقيط حيث توجد صحارٍ كثيرة ومياه
قليلة، وهذه أفضل الوسائل التكنولوجية لتوفير المياه، وزراعة أكبر بقعة من الأرض.
وبدأت هندسة تحلية المياه في إسرائيل برامجها
الأولى في عام 1965، ووصلت للإنتاج الفعلي لمصانع التحلية عن طريق «كيميكاليم» في
عام 1982، وخلال أقل من عشر سنوات وصلت إسرائيل إلى مجال متقدم في تقنية التحلية،
في الوقت الذي مازال العرب منقسمين على أنفسهم ومرتمين في أحضان الشركات التي توفر
لهم كل شيء؛ حتى مياه الشرب التي تعتبر موردًا إستراتيجيًا يجب توفيره بالخبرة
الوطنية.
وظلت إسرائيل تطور من إمكاناتها في مجال تحلية
المياه انتظارًا لذلك اليوم الذي تأخذ فيه دورها، وتبدأ مشروعات التحلية
الإسرائيلية في الدول العربية، وتتحكم في شربة الماء التي تحتاجها أجسادنا. وهذا
ما أكدته شركة «كيميكاليم» بالفعل مؤخرًا حينما أعلنت أن (60%) من حجم مشروعاتها
الضخمة لتحلية المياه لم تستخدم بعد بسبب الحظر على التعامل العربي المباشر مع
إسرائيل، وحينما يتم رفع ذلك الحظر فإن إسرائيل ستبدأ بالاستفادة من تشغيل نسبة
الـ (60%) الباقية في الدول العربية لتدر دخلًا سنويًا على إسرائيل يزيد على
المليار دولار.
ولهذا كان إصرار إسرائيل على إشراك الدول
العربية -وخاصة الخليجية- في مباحثات المياه المتعددة. ورغم فشل كافة الاجتماعات
التي عقدتها هذه اللجنة، والتي كان آخرها في مسقط، إلا أن إسرائيل نجحت في الترويج
لمشروعها الخاص بالتحلية، وأعلنت أنها اتفقت على إنشاء أول مصنع للتحلية في مسقط،
وأعلن الإسرائيليون أنهم يأملون أن يكون هذا بداية لتحلية المياه في باقي الدول
الخليجية.
وإذا كانت إسرائيل تقاسم جنوب إفريقيا الذهب
المستخرج من المناجم مقابل تبريدها، فإن عينها دون شك على النفط العربي مقابل شربة
الماء المحلاة، كما أن كل مصنع تنتجه إسرائيل تشترط أن يظل تشغيله بيد الخبراء
الإسرائيليين الذين ترسلهم معه، والذين يتولون مهام تركيبه وتشغيله حتى يبقى سرًا
إسرائيليًا بكل ما فيه.
وإذا كان الإسرائيليون قد سمموا التربة
والبذور الزراعية التي يصدرونها إلى مصر -حسب تقارير خبراء الزراعة المصريين- فلا
ندري ما الذي سوف يضعونه في الماء المحلى على أيديهم، والذي يسعون لتوفيره للمنطقة.
إنه حلم «إسرائيل الكبير»، حلم التحكم في شربة الماء المحلاة التي ربما تكون في يديك تهم بشربها وأنت تقرأ هذا المقال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل