العنوان حلقة 15 دراسات في السّيرَةُ أسلوب المستغربين في كتابة الـسيرة
الكاتب محمد النايف
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أبريل-1975
مشاهدات 81
نشر في العدد 243
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 01-أبريل-1975
جُورجي زيدَان وخطته في الدس والتشويه
لا أعرف أحدًا من الصليبيين في دنيا العرب عمل على تلويث التاريخ الإسلامي والحط من شأنه كما فعل جورجي زيدان.
لقد عاش لهذا الغرض، وكتب الكثير فيه.. وكان صاحب هوى في كل ما كتب وألف وكأن مهمته تلخيص أقوال الفرق الباطنية الموتورة، وتجميع دسائسها، وإخراجها تارة باسم تاريخ التمدن الإسلامي، وأخرى باسم روایات تاريخ الإسلام.
وفي نفسي شك من نسبة هذه المؤلفات إليه، ومبعث الشك ذلك التباين الشاسع ما بين مذكراته- التي نشرها الدكتور صلاح الدين المنجد-، ومؤلفاته المتداولة بين الناس.
ففي مذكراته يبدو عاميًا، ركيك الإسلوب، لحانًا، في حين يطل علينا في كتبه المشهورة بأسلوب آخر ليس فيه ضعف ولا ركة.
وما كنا لنهتم بكتبه، ونقدم شيئًا من الدراسة لها، لولا أنا وجدنا أنها تلقى رواجًا من عامة المسلمين ممن يأخذونها على أنها حقائق، فتترك في نفوسهم غبشًا في الرؤية وتصورًا عن الإسلام غير سليم.
وقبل أن نختار ألوانًا من أباطيله وتضليله لا بد أن نقدم فكرة موجزة عن حياته.. وحياته نفسها تجلو لنا كثيرًا من غوامض الأمور.
حياته:
ولد في بيروت عام ١٨٦١م، من عائلة أرثوذكسية، ولا يعرف أصل عائلته، وليس لها خبر مدون. (۱) وفي عام ۱۸۸۳م, هاجر من لبنان إلى مصر على باخرة إنجليزية.
وهجرته عام ۱۸۸۳م, لها معنى عميق: ففي عام ۱۸۸۲م, قضى الإنجليز على ثورة عرابي، وصار لهم الأمر في وادي النيل، واعتمد الإنجليز النصارى على إخوانهم نصارى بلاد الشام الذين فروا من بلادهم التي كانت ما تزال تعيش تحت ظل الخلافة الإسلامية، واستوطنوا مصر، فعاشوا شركاء للحكام الجدد- الإنجليز- الذين أولوهم شؤون الصحافة والأدب والثقافة والترجمة، وكانوا عونًا للإنجليز في تأمرهم على بلاد الشام والسودان.
وفي عام ۱٨٨٤م, رافق جورجي زيدان الحملة الإنجليزية للسودان کمترجم..
وفي عام ۱۸۹۱م, أنشأ مجلة الهلال وكان ملمًا بالإنجليزية والفرنسية وعنده اطلاع على لغات أخرى كالألمانية واللاتينية. وكان عضوًا في الجمعية الآسيوية ببريطانيا، ثم انتدبه المجمع الآسيوي الفرنسي عضوًا فيه. وتوفي عام ١٩١٤.
وكان له مع المستشرقين صلات قوية، فتحدث عنهم في «تاريخ آداب اللغة العربية» حديثًا طويلًا وأفاض في مدحهم والإشادة بما سماه فضلهم على الإنسانية.
وذكر في «تاريخ التمدن الإسلامي» اعتماده على المصادر الأجنبية ومنها: تمدن العرب: جستاف لوبون تاريخ الدولة الرومانية البيزنطية: ليبو.
تاريخ تمدن المشرق: فون كريمر وعاصر كرومر في مصر وعمل معه، وعن صلاته مع المستشرقين قال حسين مؤنس:
«كان أشبه بهمزة وصل بين الحركة العلمية العربية الناهضة، وحركة الاستشراق المتدفقة النشاط في أوربا وأمريكا، واتصلت العلاقات بينه وبين أعلام مثل تيودور نولدکه ويوليوس فلها وزن ومارجوليوث وأجناتس جولد تسيهر وأمدروز وإدوارد شخاو ووليام رايت ودنكان بلاك ماكدونالد» (٢).
وكان المستشرقون يترجمون مؤلفاته فور صورها إلى اللغات الفرنجية والفارسية والهندية والتركية، هذه هي المواطن التي كان الاستشراق ينشط فيها، ولهذا نعلم لماذا تترجم مؤلفاته إلى هذه اللغات».
وكان كارل بروكلمان معجبًا به، وقد أفرد له فصلًا مطولًا في تاريخ الآداب العربية.
ومن مؤلفاته:
١- تاريخ التمدن الإسلامي: ٥ أجزاء.
٢- العرب قبل الإسلام: جزء واحد.
٣- تاریخ آداب اللغة العربية: ٤ أجزاء.
ومن سلسلة رواياته التاريخية الإسلامية:
١- عذراء قريش.
۲- ۱۷ رمضان.
٣ - غارة كربلاء.
4 - الحجاج بن يوسف.
5 - صلاح الدين الأيوبي.
6 - الانقلاب العثماني.
7 - العباسة أخت الرشيد.
8 - الأمين والمأمون.
9 - فتاة القيروان.
۱۰ - استبداد المماليك.
وجورجي صاحب هذه الحياة الكالحة هو الذي يكتب تأريخ الدعوة الإسلامية، وحياة أعلام المسلمين، وأمانته في هذا كأمانة الذئب الجائع المفترس عندما ينفرد بشاه تاهت عن القطيع.
• التقليل من شأن النبوة:
المحققون العلماء من المؤرخين القدامى والمحدثين مجمعون في أن معجزة الإسلام كامنة بأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لبث في قومه أربعين عامًا لا يقول شيئًا، ثم فاجأ الناس بدعوة لم يكونوا مهيئين لها.. فأعلنوا عليها حربًا لا هوادة فيها لأنها كانت تصطدم مع واقعهم وتصوراتهم.
يأتي جورجي زيدان على هذه الحقيقه فيتجاهلها ليزعم بأن الدعوة التي جاء بها الرسول- صلى الله عليه وسلم- كانت لبنة في بناء بدأ منذ عام الفيل، ودرجة في سلم حضاري يعود أوله إلى عصر حمورابي.
«إن عرب الجاهلية حفظوا أخبار عاد وثمود وصالح وهود قبل ذلك بقرون متطاولة. فتكاثر الشعراء والخطباء والحكماء في القرن الأول قبل الإسلام دفعة واحدة هو ما عبرنا عنه بالنهضة العربية أو الأدبية. على أنها لم تكن تقتصر على الأدب والشعر ولكنها شملت الدين أيضًا. فقد كان هناك نهضة دينية اضطربت فيها الأفكار واختلطت الاعتقادات وأصبح أهل الجاهلية لا يعرفون لمن يصلون ولا إلى من يتوسلون. يذبح أحدهم للصنم ويدعو إلى الله... وأصبح الناس يتوقعون الفرج من باب النبوة. وكان ذلك حديث الناس في مجالسهم. فادعى النبوة غير واحد من قبائل مختلفة، وهم بعضهم بادعائها. مما يدل على تنبه الأذهان إلى أمر الدين والتفكير في عواقب الأعمال».
1/40 تاريخ التمدن الإسلامي وعما يسميه دينية سبقت دعوة الرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول أيضًا:
«ومهما يكن من السبب فإن بلاد العرب كانت قبل الإسلام في نهضة أدبية تمهيدًا لقبول الدعوة الإسلامية والقيام بنصرتها. ومثل هذه النهضة تتقدم الدعوات الدينية في الغالب استعدادًا لقبولها».
1/٤١-٤٢ تاريخ التمدن الإسلامي ويرى أن العرب كانت لهم حكومات قبل الإسلام، وأن المناصب تجتمع في شخص شيخ القبيلة.
فالشيخ هو الملك، والقاضي، وصاحب بيت المال، وقائد الجند وكل شيء.
1/36 تاريخ التمدن.
وهذا القول مخرفة بينة، إذ إن شيخ القبيلة له سلطان محدود بقبيلته، وفي قرية واحدة نجد عددًا من القبائل، بل القبيلة الواحدة لها فروع، وشيخ الفرع ليس لـه سلطان على الفرع الآخر... فكيف سوغ لنفسه أن يجعل من شيخ القبيلة ملكًا، وقاضيًا، وصاحب بيت المال، وقائد الجند وكل شيء؟!.
ويعتقد أن غزو الأحباش لمكة- أي عام الفيل- أنتج رجالًا نبغوا في السياسة والقيادة والإدارة وكانوا من أهم العوامل تأثيرًا في سرعة انتشار الإسلام، كما أنتجت الثورة الفرنسية بونابرت ورجاله.
ويؤكد هذا الكلام مرة أخرى فيقول:
«إن واقعة الفيل التي سطا بها الأحباش على الكعبة كانت وراء بروز قادة من العرب كخالد وأبي عبيدة وأبي بكر وعمر...»
1/75 تاريخ التمدن الإسلامي كبرت كلمة تخرج من فيه!!
عام الفيل كالثورة الفرنسية، وبونابرت كأبي بكر وعمر وخـــــــــالد وأبي عبيدة.. أما دعوة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبدر وأحد والأحزاب والقادسية واليرموك، كل هذا لا شيء أمام عام الفيل!!.
ألم أقل لكم مرارًا: إن الصليبية والأمانة التاريخية قطبان متنافران لا ينجذب أحدهما إلى الآخر.
ويسهب في حديثه عن العصر الجاهلي، لأنه جزء من واقع الجاهلية التي تناوئ الإسلام.. ويحاول أن يجعل من العصر الجاهلي قمة في التدين والحكم والحضارة، وما الإسلام إلا خطوة بسيطة من إفراز الحضارتين الرومانية والفارسية وفي هذا يقول:
«على أننا لا ننكر أن التمـــــــدن الإسلامي قام على أنقاض التمدن اليوناني والفارسي، لكن شأن العرب في ذلك مثل شأن اليونان والرومان والفرس وسائر الدول العظمى... لأن اليونان اقتبسوا أكثر عوامل تمدنهم من المصريين وزادوا فيها ووسعوا على مقتضى مؤثرات الطبيعة حتى صار تمدنًا معروفًا بهم. فأخذ عنهم الرومان وعدلوا فيه تعديلًا طفيفًا جدًا. وكذلك الفرس فإن تمدنهم قام على أنقاض تمدن الآشوريين والبابليين والكلدانيين قبلهم وأخذوا أيضًا عن اليونان».
1/29 تاريخ التمدن الإسلامي ويؤمن بأن دولة حمورابي عربية..
وفي اليمن كان لعدد من الدول العربية حضارات عريقة كالمعنية والسبأية والحميرية، ويختم كلامه هذا بقوله: فالتمدن الإسلامي «أي نبوة محمد- صلى الله عليه وسلم-» ليس هو أول عهد العرب بالحضارة..
1/23 التمدن الإسلامي
فكيف اعترف- الجورجي- بجهله لحقيقة أصله وفصله، ثم عرف أصل حمورابي بأنه عربي وأن دولته كانت عربية؟!
• التقليل من أهمية الفتوحات الاسلامية:
يتمحل– المؤلف– في تفسير الفتوحات الإسلامية، الى أي شيء يردها؟!
هل يردها إلى طبيعة الدين الجديد وهو الموتور منه المنكر له؟! أم إلى أمانة البشير النذير- صلى الله عليه وسلم- وهو الذي لا يؤمن به؟!.
إذن لا بد من أسباب مادية أخرى تجعل الفتوحات الإسلامية عاديــة جدًا، كفتوحات أية أمة منيت بقائد جديد بينما كانت جاراتها من الدول الأخرى في حالة احتضار!!.
ولم يتعب- الجورجى- نفسه في اختلاق الأسباب وبين يديه ترهات لا حصر لها من أكاذيب أبناء عقيدته من المستشرقين، وليس عليه إلا الاختيار، وبئس الاختيار وصاحبه:
يرجع الفتوحات الإسلامية لأسباب مادية، فالبلاد المفتوحة خصبة وكثيرة الخيرات، والجزيرة العربية قاحلة ولا تفي بمطالب سكانها. 1/73 تاريخ التمدن الإسلامي
ثم يزعم أن اليهود وقفوا إلى جانب المسلمين الفاتحين لما كان بينهم وبين الرومان من عداوة وبغضاء.
1/56 تاريخ التمدن الإسلامي ويقول أيضًا:
«إن الغساسنة والمناذرة ساعدا المسلمين على الفرس والرومان».
1/76 تاريخ التمدن الإسلامي ويرى من جملة الأسباب:
«نقمة الرعايا على حكامهم، وانحطاط الحالة الاجتماعية في بلادهم فضًلا عما كان من الشحناء بين الرعية أهل البلاد الأصليين وحكامهم وخصوصًا في مصر والشام، وزد على ذلك- وطالما أن الأسباب من خيال مفتری فزد یا جورجي على ذلك أن المرء من طبعه يرجو النفع من البعيد أكثر من القريب».
1/79 تاريخ التمدن الإسلامي, وإذا ما اضطر إلى الاعتراف بشجاعة الفاتحين وبلائهم أعاد هذا النبوغ إلى عام الفيل لا إلى الدعوة الإسلامية. 1/75.
وعن حالة الفرس والرومان يقول:
حالة الفرس الاجتماعية كانت في غاية الانحطاط قبل الإسلام بسبب تشعب المذاهب عن ماني ومزدك.. وجاء قباذ فتبع مزدك... وفيما كان الفرس والروم على ما ذكرناه من الانحلال كان العرب في إبان نهضتهم. 1/56 التمدن الإسلامي.
ويقول أيضا:
«وأشهر أقوال أهل النقد في هذا الشأن أن العرب لم يستطيعوا فتح تينك المملكتين إلا لما كان فيه الروم والفرس من التضعضع والضعف، على أثر ما كان من الحروب بينهما قبيل الإسلام».
1/75 تاريخ التمدن الإسلامي والقول بأن الفتوحات الإسلامية تمت لأن الضعف قد دب إلى دولتي الفرس والرومان، كلام لأعداء الإسلام قديم، هم أنفسهم صاروا يتناقضون في ذكره:
فمن المؤكد أنه استشهد من المسلمين في حروبهم مع الرومان خمسة وعشرون ألفًا، وفي حروب المسلمين مع الفرس أكثر من ذلك، ودامت الحرب أكثر من عشر سنوات.
والدولة الفارسية كانت قد تجددت فتوتها بعد ضعف على يد «يزدجرد»، الذي أعاد عهد القوة والشباب. (۳)
وأصعب الحروب التي خاضها المسلمون كانت مع الفرس، استشهد فيها أكثر من قائد وشملت عهدي أبي بكر وعمر، وفتح المسلمون جزءًا من المنطقة ثم أخرجهم الفرس، ثم عادوا مرة أخرى وقد حملوا أرواحهم على أكفهم ينشدون إحدى الحسنيين، الشهادة أو النصر.
وانتصار المسلمين على الفرس والرومان كان بعد اليرموك والقادسية والمدائن.. وهذه المعارك خاضها المسلمون وحدهم يقاتلون الروم والغساسنة الذين جمع بينهما الدين الواحد وعدد الغساسنة وحدهم كان يقارب عدد المسلمين، والمناذرة وقفوا كذلـــك مع الفرس، والحوادث الفردية لم يكن لها أي دور في انتصار المسلمين، وما عرف تاريخ اليهود عداوة وكيدًا وغدرًا كما كان في سلوكهم مع المسلمين ولهذا طهر- صلى الله عليه وسلم- الجزيرة من رجسهم وكفرهم فبأي عقول يستخف- جورجي زيدان- عندما يقول: إن اليهود وقفوا إلى جانب المسلمين ضد الروم؟!!.
إنه انتصار فريد في التاريخ لا يشبهه انتصار بونابرت ولا التوسع الاستعماري البريطاني، وربط هذا بذاك خبث لا ينطلي إلا على الذين طمس الله على قلوبهم وأعمى أبصارهم.
انتصار وقدوة 50.000 من الشهداء الأبرار، وزمنه عشر سنوات وغايته الله- سبحانه وتعالى-، ومبعثه أن يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وجنــــــوده: المسلمون الذين رفضوا أن يستعينوا بالمشركين على المشركين.
١- مذكرات جرجي زيدان.
٢- تاريخ التمدن الإسلامي.
۳- «حركة الفتح الإسلامي في القرن الأول»: للدكتور شكري فيصل ص: ٧٠
١- تاریخ آداب اللغة العربية: جورجي زيدان.
٧- العواصم من القواصم: القاضي بن العربي ص/ ٦٩
٨- المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي.
٩/١٠- انظر العواصم من القواصم ص/ ۱۷۸
٦ـ غادة كربلاء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل