العنوان حلقة من حلقات مسلسل «الاستسلام»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1994
مشاهدات 181
نشر في العدد 1110
نشر في الصفحة 5
الثلاثاء 02-أغسطس-1994
عندما صافح حسين– ملك الأردن– رئيس الوزراء
«الإسرائيلي» في حديقة البيت الأبيض في الأسبوع الماضي، إنما كان ينقل علاقات
قديمة ومتطورة من حالة السر إلى حالة العلن، وقال إسحاق رابين في كلمته التي
ألقاها بعد ذلك إنها أول مصافحة «علنية» بينه وبين الملك، وإنه يأمل في مصافحات
لاحقة لا تصورها كاميرات الصحافة؛ لأنها «ستصبح جزءًا من روتين حياتنا».
وحسين نفسه قال في كلمته إن ما أقدم عليه في
حديقة البيت الأبيض «حلم راود من كانوا قبلي.. جدي الراحل والآن أنا»، وهو
بالتأكيد امتداد لتراث عائلي يجري في دم عائلة الملك منذ خروجها مع الإنجليز ضد
المسلمين الأتراك عام 1916.
ماذا تغيّر في أوضاع المنطقة بعد سقوط الحبة
الثالثة من حبات العنقود العربي في حمأة التسوية الذليلة مع اليهود؟ بالتأكيد كان
للاتفاق الأردني الإسرائيلي تأثير أقل أهمية من الاتفاقين المصري والفلسطيني على
صعيد المنطقة، لكن تأثير ما بعد هذا الاتفاق على الأردن نفسه وعلى أوضاع الشعب
الفلسطيني سيكون كبيرًا.
إن «إنهاء حالة الحرب بين الأردن وإسرائيل»
كما هو مسمى الاتفاق الذي وقع بين حسين ورابين يعني أن اختلافًا قد طرأ على موقع
ووزن الدور الأردني في المنطقة، بل وظيفة الأردن كدولة بشكل عام.
وبالرغم من أن استقرار الأردن وبقاءه على
الخريطة لأكثر من خمسة عقود كان ينسب إلى ذكاء ومهارة الملك حسين كديبلوماسي ماكر،
فإن الحقيقة وراء ذلك تكمن في موقع الأردن في نظرية الأمن الإسرائيلي، سواء من
الناحية الجغرافية والعسكرية، أو من الناحية الأمنية؛ لكون الأردن حاضنة ديمغرافية
لمليوني فلسطيني نازح.
هذا الموقع وهذه الوظيفة للدولة الأردنية
ستتعرض لتغيير واضح مع تصاعد خطوات التسوية بين العرب وإسرائيل، خصوصًا في الناحية
الفلسطينية، وخطت إسرائيل الخطوة الأولى لإحداث حالة من المواجهة بين الفلسطينيين
والملك حسين بإعطائها الأردن الدور المفضل كراعٍ للأماكن الإسلامية في القدس،
وفيما علا صراخ ياسر عرفات- محتجًّا على انتزاع صلاحيات فلسطينية- ضاع هذا الصراخ
في هدير التصفيق في البيت الأبيض لحظة التوقيع بين رابين وحسين، وقال الأمريكان:
إن الفقرة التي تعطي الأردن حق رعاية الأماكن المقدسة لا تشكل مسألة هامة.
هذه المداخلة الخبيثة من جانب اليهود لصالح
الملك المحبوب لديهم، تكاد تحقق منذ البداية نجاحًا في احتمال مواجهة صامتة بين
حسين والفلسطينيين، وبالرغم من أن القضية مثار النزاع لا تشكل سوى جزئية شكلية
وتافهة أمام حجم القرار التاريخي بالصلح مع اليهود، سواء من جانب حسين أو عرفات، فإن
الزعيمين المتنافسين على استعداد لخوض عراك غير محدود لكي ينتزع أحدهما من الآخر
ما لم يقدر على انتزاعه من اليهود.
في هذا العراك سيستخدم كل طرف كل الأدوات
المتاحة ضد الآخر، وسيتدخل اليهود في كل مناسبة لجعل الأمور تسير في الصالح
الإسرائيلي، وربما كانت الجالية الفلسطينية الكبيرة في الأردن من أخطر أدوات هذا
الصراع.
إن السلام الإسرائيلي في المنطقة ليس إلا
سلامًا للشعب اليهودي وسط دويلات من العرب المتقاتلين، وإن النزاع الأردني
الفلسطيني المتصاعد والصامت هو أبرز دليل على الثمار التي سيجنيها العرب من
اتفاقات التسوية مع إسرائيل.
وإن ملك الأردن الذي فسر اتفاقه مع اليهود-
على لسان ديبلوماسيين أردنيين- بظروف العزلة السياسية والعسر الاقتصادي التي تمر
بها بلاده، يكاد ينسى أو يتناسى أن هذه الظروف السيئة كانت من ثمار ما زرعته يداه
من حقد أسود وكراهية مقيتة تجاه عرب الخليج من خلال تأييده للعدوان العراقي على
الكويت.
وتبدو الآن عبارات قالها الملك حسين عن وجود
القوات الأجنبية في الخليج- إبان أزمة الغزو العراقي- أمرًا مثيرًا للسخرية
والاستهجان، فالملك يرى في تحرير الجنود الأجانب لأرض الكويت في معركة عادلة
ومفهومة الأسباب والدوافع خيانة للعروبة، فيما يرى مصافحته لليهود «تنشيطًا
للعلاقات الإنسانية، وسعيًا إلى مستقبل أفضل، وغد أفضل»، كما قال في حديقة البيت
الأبيض الأمريكي.