العنوان أحلام الزمن الضائع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1998
مشاهدات 19
نشر في العدد 1286
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 27-يناير-1998
الأرض لأهلها.. ونهاية الطاغية
بقلم: محمد جميل أحمد سعد
لم تكن سنوات عمره الستون قد نالت من شدة اللمعان الذي كان يومض في
عينيه كبروق أمطار الشتاء، وبالرغم من انتشار بياض الشيب في رأسه فقد كانت روحه
المتطلعة لا تكف عن تلك الاحتفالية التي يعيش بها لحظات حياته الهاربة، إنه الآن
وقد بلغ حافة العمر في موكب الحياة القاسي، لا يلتفت إلى الأقدار المتجددة من حوله
وما يطرأ على نفسه من تغيير بعد ما أنجز الكثير من مقتنيات العمر وزينة الحياة
الدنيا؛ المال، البنين، الضياع، العقار، وأطيان الأرض الزراعية، كان يشعر بأنه
يجري في درب لاحب حلقات امتداده ككر الجديدين، كلما قطع شوطاً بدا له شوط آخر
وكلما خاض بحراً وافاه بحر جديد، فكأن تجاربه مغارة، وفي الحياة دوامة من
الاستكشاف في مجهولها مثل كهوف العصر الحجري، رجلاً ناجحاً بكل ما تواضع عليه
الناس في قريتنا من معنى لهذه الكلمة، يدب فجر كل يوم جديد مكباً على وجهه في دروب
الحياة، لا يلوي على شيء سوى العمل والإنتاج، هذه الأرض الزراعية على امتداد
المساحات الخضراء المترامية هي له، وله وحده، الأرض هذه بالنسبة إليه أمل آفاقه لا
تحد، فهو منذ بداية شقشقة العصافير على أغصان الزيتون وأشجار البرتقال يكون
موجوداً فيها، وعندما تسقط أشعة الشمس الذهبية على أرضه الخضراء تبعث في نفسه
خواطر عشق أَبدي يتيم يملأ قلبه المصفح بظلال الأماني النرجسية كواحة يتفيأ فيها
أشواق العمر الآفل، يتخفف من وجع الذكريات القديمة، فهذه الأرض هي عزاؤه الوحيد من
حصاد الحياة، أمله الذي لا ينافسه في قلبه شيء سوى حبه لنفسه التي بين جنبيه.
هكذا كان يسترسل في الخواطر وهو يبدأ يومه بمراقبة هياكل الفلاحين
المعروفة الذين يحرثون له الأرض منذ طلوع الكوكب حتى مغيب الشمس من طرف النهار،
لقاء أجر حقير لا يسد الرمق ولا يطفئ نار الجوع، بل ينبش في أعماقهم سرّاً حال دون
وصوله لأبنائهم حب البقاء في حياة أمست أسبابها كخيوط العنكبوت في شتاء عاصف،
الأمر الذي يبعث في نفسه لذة يرتاح لها فؤادُه وتنفرج لها أساريرُه الصارمة عن
ابتسامة صفراء كمرضى السل الرئوي، فيردد فيما يشبه اللازمة الغنائية: الأرض أرضي
أنا والكل يعمل عندي الفجر.
وحين ينتهي نهاره الكئيب، وتجنح شمس الغروب تسري في أعصابه نشوة
معهودة يحس بها عند حلول الظلام، الآن عندما يهدأ الليل وتنطمس الدروب تخفق في
جوفه لسعات الشوق الحارق فيقيم الليل على سمر صاخب وسهر مترهل تحت أضواء الحديقة
المخملية، وينغمس في ماء النعيم الذي يفيض بين يديه، تندلق لذات الحياة في جوفه
الظامئ كرمال الصحراء الغربية حتى الفجر فيدب فيه النشاط ليبدأ يومه الكالح كأمسه
الدابر.
هكذا عاش شطراً من عمره في هذا التسلسل الرهيب منذ أن جاء إلى قريتنا
قبل ثلاثين سنة، خاض فيها الكثير من العقبات وجازف في مغامرات خطرة، بعضها مؤلم
والآخر منها محزن، في سبيل الاستحواذ على أرضنا الخضراء المترامية بين يديه، الحلم
الذي تحقق له بعد عراك مع الزمن في سنوات عجاف كمخازين النخل القديم أهلت على أهل
القرية بكل ما منّ في الحياة من مآسٍ وآلام ودموع. إنه الآن يتذكر بالرغم منه يوم
أن لفظه زحام المدن البعيدة إلى قريتنا، ذكريات اندلعت في نفسه كوخز أشواك السيال
في ليلة مظلمة.
يتذكر تماماً كيف مارس خداعاً على أهل الأرض عندما زور صكوك الأرض في
سنواته الأولى، وكيف أسكت كل من وقف في وجهه من أهل القرية عبر فتوات البلد ورشوة
مسؤولي الحكومة بالمركز، كان يملك ذلك الذهن الحاد الذي يستطيع عبر النفس الطويل
الحصول على ما يريد بأي ثمن، ورغبة متوحشة كجوعة الذئب السجين للاستيلاء على ما
عند الناس بالجملة، كان شريط الأحداث يتداعى في ذكرياته المريرة كسلسلة مليئة
بالأحقاد والضغائن غذتها مؤامرات تمت في الظلام.
استيقظ عندها من وخز الذكريات حين ارتسمت على وجهه ابتسامته الصفراء
معبرة عن نشوة الانتصار. هكذا تفرق شملنا نحن أهل القرية في دروب الأحزان، فمنا من
مات كَمداً، ومنا من هاجر، ومنا من عمل عنده كالأقنان في حياة بائسة مثل شحاذ في
ليل مقرور، قاسية كصخور بلاد الأحقاف، تبدأ منذ الفجر وتموت عندما يأتي فلان إلى
أكواخنا التعيسة نجتر في دواخلنا ذكريات ربيع العمر، قبل قدوم الشيطان إلى قريتنا.
أما أماسيه فكانت من ذلك اللون الذي يدفن فيه ذكرى الأحزان بما يعاقر
من النعيم الذي يرف عليه، كانت لياليه الحمراء مغارات يلجأ إليها حين يجتاح القلق
بقية حياته الآفلة، كسيل العرم فتتفرق نفسه في أودية الهموم، تفرقنا في بحر الخوف
الطامي الذي يردنا إلى ما اقترفت يداه في تفاصيل حياته الماضية، حين أغرق أحلامنا
في الدماء والدموع، كان لا ينام إلا قيلولة، يعد خيوط الفجر خيطاً بخيط حتى تسطع
عليه أضواء الشمس فيغفو، الأمر الذي غير نمط حياته المعهود، أن تلك الليلة التي
رأيناه فيها من وراء سياج الحديقة لم تكن كالليالي السابقة، كانت أضواء الحديقة
المخملية الساطعة تعلن أنه لم يكن قد نام حتى تلك الساعة المتأخرة من الليل، ونحن
أيضاً لم تنم أعيننا في تلك الليلة المشهودة.
كنا نحس في دواخلنا أن أمراً ما سيحدث، شيء كالإلهام خامر أحاسيسنا
المنهكة بفعل السهر والبرد، فجأة أُطفئت الأنوار في الحديقة، تسللنا في خفية إلى
وراء السياج ورأيناه في ساعات الفجر الأولى كان قد أغفى إغفاءة طويلة بعد ليل من
الهواجس، فوقفنا وراء السياج حتى سطعت علينا الشمس، كانت التشنجات التي بدت على
وجهه تنبئ بأنه ظل يعاني من أحلام مزعجة ارتسم أثرها على الخوف الذي رأيناه في
وجهه ذلك الصباح، كان يردد وهو يتلوى على فراشه الوثير بصوت لاهث استطعنا أن نسمعه
بمشقة: إلهي الرحمة.. سأعيد الأرض لأهل الأرض.. سأتوب.. أتصدق.. أعمل أعمال
الخيرات..
هَبّ من نومه مذعوراً في اللحظة التي اختفينا فيها وراء أشجار الموز
الكثيفة ونحن نراقبه، فتح عينيه، أحس بدبيب الحياة يسري في أوصاله، تلمس أعضاء
جسده المترهل في سعادة بالغة، سرعان ما أدرك أنه كان في حلم، عادت إلى شفتيه
الابتسامة الصفراء فردد: الأرض أرضي أنا والكل يعمل عندي.. فجأة تقلصت الابتسامة
من على وجهه، أحس بلسعة عند أسفل قدمه بين الحشائش، هبا إلى الأرض في اللحظة التي
تجمد الدم في عروقه، خدر لف منافذ حسه، صرخ صرخة مدوية أوقفت شعر رؤوسنا، اللدغات
كانت للحية الرقطاء ترعى جسمه الناعم في متوالية انسحبت إثرها في هدوء وتركته جثة
هامدة في الحديقة المخملية تحت أضواء الشمس الساطعة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل