العنوان حكيم الدعوة وفارسها .. وداعا
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 21-مايو-2011
مشاهدات 67
نشر في العدد 1953
نشر في الصفحة 40
السبت 21-مايو-2011
ودعت الأمة الإسلامية داعيتها الفذ وعالمها الهمام وإمامها الحكيم وفارسها المعلم ومفكرها العظيم.. الشيخ فيصل مولوي يرحمه الله، وهي في أشد الحاجة إلى علمه الغزير وفطنته القوية وبصيرته النيرة وعقله النابه، وحنكته الباهرة. نعم، لقد فقدت الأمة الإسلامية علماً من أعلام الهدى والرشاد، ونجما من نجوم العلم والتقى والريادة، وشمسا من شموس الدعوة والبيان والحكمة، وبدرا منيرا وضياء هاديا، ونورا مبهرا في سماء الدعوة الإسلامية المباركة، يذكرنا بنفحات السلف الصالح وعبق الجيل الطيب الرائد والمعلم القدوة الفاقه.
نعم، لقد كان الشيخ عالما ربانيا وفقيها مثالياً، وحبراً من أحبار الأمة الأعلام في الفتوى وتقرير الأحكام، وكان - يرحمه الله حصيفا فاقها، عالما بزمانه وأوانه مدركا الأسراره وأحواله، ورغم أنه فقيه في الدين فهو مع ذلك خبير في قضايا الحياة وأحوال الناس ومشكلات المجتمع، فإذا قضى في أمر كان قضاؤه فصلا، وحكمه عدلا، ونظره حلا كان - يرحمه الله - متعدد المواهب واسع الاطلاع عميق الفهم في القضايا المتنوعة ولهذا كان نشاطه متسعا لجوانب الحياة التي تعود على دينه ومجتمعه وأمته بالخير والتوفيق، وننظر مثلا إلى نشاطه الثقافي والدعوي:
1- أسس في فرنسا الاتحاد الإسلامي والكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية، وأصبح مرشدا دينيا لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا ثم في أوروبا منذ سنة ١٩٨٦م وحتى وفاته، وبقي على تواصل مع أكثر المراكز الإسلامية في أوروبا حتى وفاته.
٢- ساهم في تأسيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في المملكة المتحدة في مارس ۱۹۹۷م تحت رئاسة الشيخ يوسف القرضاوي وهو نائب الرئيس.
٣- اختارته الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض أثناء إقامته في فرنسا كأحسن داعية إسلامي في أوروبا، ومنحته جائزة تقديرية.
٤- أصبح العميد المؤسس للكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية في شاتو شينون في فرنسا منذ تأسيسها عام ۱۹۹۰م، وهي كلية للدراسات الشرعية بالمستوى الجامعي ومخصصة للمسلمين الأوروبيين أو المقيمين بصفة دائمة في أوروبا وسائر بلاد الغرب واستمر في هذا المنصب حتى سنة ١٩٩٤م. وهو الآن نائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.
٥- نشاطه في المجال الدعوي والحركي بدأ العمل في الحقل الإسلامي في عام ١٩٥٥م وهو : الأمين العام في جماعة عباد الرحمن في لبنان سابقا، الأمين العام ل الجماعة الإسلامية بلبنان خلفا للدكتور فتحي يكن منذ ۱۹۹۲م، رئيس بيت الدعوة والدعاة منذ تأسيسه سنة ۱۹۹۰م، عضو اللجنة الإدارية للمؤتمر القومي الإسلامي. ويتبين عمق فهم الرجل في إجاباته عن بعض المعضلات في فهم طبيعة الاحتلال الصهيوني.. فيقول:
1- طبيعة الاستعمار الصهيوني أنه استعمار استيطاني بخلاف كل أنواع الاستعمار الأخرى، ولا يعتبر الاحتلال الصهيوني لفلسطين نفسه «استعمارا»، وإنما صاحب الأرض، ويعتبر الشعب الفلسطيني في أحسن الحالات مجرد ضيف عنده، يستقبله في حدود أنه ضيف، وعندما يريد إخراجه يخرجه، هذه الطبيعة هي العنصر الأول في دعم الوجود الاستيطاني الصهيوني.
٢- يتمثل في مصلحة القوى الكبرى كلها في بقاء هذا الأمر، بينما لم يكن هناك أي إجماع في استعمار أي بلد من البلدان. مثلا: إذا استعمرت فرنسا بلدا في السابق لم يكن ذلك من مصلحة بريطانيا، وإذا احتلت بريطانيا بلدا لم يكن ذلك مثلا من مصلحة أمريكا وهكذا .. أما الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، فكل العالم متفق على بقائه لأن له فيه مصلحة لسبب أساسي، وهو مساهمته في تكريس تمزيق الأمة الإسلامية والأمة العربية بالذات وتمزيق هذه الأمة فيه مصلحة لجميع أعدائها ؛ لأنها إذا توحدت يمكن أن تشكل خطرا على مجموع القوى العالمية.
هذا الوضع داخل فلسطين يقابله الشعب الفلسطيني بثورة تعتبر إلى حد ما ثورة عزلاء أمام السلاح الموجود عند الحكومة الصهيونية، وهذا لم يقع في أي استعمار ؛ لأن الاستعمار يأتيك بعشرة آلاف أو مائة ألف جندي ليتحكموا فيك، أما في فلسطين فهناك شعب يسكن في فلسطين، 5 ملايين يهودي ينبثق منهم جيش، وليسوا كم استعمار يأتي من بعيد فإن نجح استفاد وإلا عاد إلى بلده هذا الأمر مختلف، لذلك وجود الجيش الصهيوني المدرب والمسلح بأحدث الأسلحة أمام شعب أعزل، هذا طبعا لم يكن له مثيل في أي حركة تحرر من الاستعمار. إن حركات التحرر في العالم العربي والإسلامي كانت تجد دعما لها من كل المحيطين بها، لكن الحقيقة هي أن حركة التحرر الفلسطيني لم تجد دعما كافيا من كل المحيطين؛ لأن كل المحيط كانت جميع الدول فيه منساقة مع الخطة الأمريكية ومجبرة على الاعتراف بـ«إسرائيل»، وعلى التعاون مع «إسرائيل» وبالتالي مجبرة على منع شعوبها بقدر ما تستطيع من أن تعين هذه الحركة التحررية.
وأصبحت المساعدة التي يمكن أن تأتي من الشعوب أو الحكومات المجاورة لدعم حركات التحرر، هذه أيضا حوصرت وأضعفت، والدليل ما يجري حاليا في الأراضي الفلسطينية، من فوز «حماس» والحصار المباشر، وحتى العرب الذين كان لهم دور في الصلح وفي تشكيل حكومة الوحدة الوطنية لم يفكوا الحصار مما جعل الشعب الفلسطيني يعود للتنازع الداخلي والخلافات الداخلية التي أدمت قلوبنا جميعا، وما حدث في غزة والضفة الغربية يعلمه الجميع، ونتمنى أن تنتهي في أسرع وقت إن شاء الله.
هذا فهم رجل دين، ولكنه قائد موفق وعالم فاقه ومواكب لأحداث أمته، وناشط في حقل دعوته بإخلاص وتفان وجد مع بصيرة وحذق وفهم، هذه رؤوس أقلام عن شخصية الرجل الذي يستحق أن يفرد له مجلدات عن رجولته وعقله ونشاطه ليعرف القاصي والداني حجم هذه الشخصية العظيمة التي فقدناها ، ومقدار الفراغ الذي خلفه هذا الحبر العملاق الذي احتسبناه عند الله.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.