العنوان فتاوى
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1989
مشاهدات 59
نشر في العدد 944
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 05-ديسمبر-1989
حكم تعاطي التدخين
يجيب على أسئلة العدد الدكتور خالد
المذكور حفظه الله
- الفقهاء يختلفون في حكم تعاطي التدخين، فمنهم من رأى إباحته،
ومنهم من رأى حرمته، وكل ساق لفتواه دليلًا.
- إن في التدخين ضررًا على الأخلاق، فالمدخن يكون عصبيًا يثور لأبسط
الأسباب، فلا يكون فيه سمة المؤمن بضبط الأعصاب.
- إن في التدخين أضرارًا اقتصادية، فكم أحرقت أموال كثيرة بسبب
سيجارة مشتعلة ألقاها مدخن.
- مجموعة من القراء يسألون
عن حكم التدخين خاصة وأن مضاره الطبية معروفة فهل هو حرام أم مكروه أم حلال؟
الإجابة:
لم يرد نص في القرآن الكريم أو السنة
بخصوص التدخين بأسمائه المختلفة وطريقة تناوله، ومنذ ظهور الدخان -وهو تعاطي نبات
«التبغ» وقد يسمى بعض البلدان «التُتن» و«التنباك»- والفقهاء يختلفون في حكم
تعاطيه سواء عن طريق السعوط أو المضغ أو النارجيلة أو اللفائف «السجائر». فمنهم من
رأى إباحته، ومنهم من رأى كراهته، ومنهم من رأى حرمته، وكل ساق لفتواه دليلًا.
فمن قال بإباحته بنى ذلك على عدم
ثبوت ضرره أو إسکاره أو تفتيره، ورأى أن الحرمة والكراهة حكمان شرعيان لابد لهما
من دليل، وليس هناك دليل لا من الكتاب ولا من السنة على تحريم أو كراهة التدخين.
واستدل القائلون بإباحة التدخين بما
يلي:
1- قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ
جَمِيعًا﴾ (البقرة: 29) وهذه الآية تفيد الانتفاع بجميع الأشياء التي لم يقم دليل
على منعها بخصوصها، ومنها التدخين.
2- قوله سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي
أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (الأعراف: 32) وهذه الآية
تفيد إباحة الانتفاع بكل المستطابات، والدخان مستطاب عند بعض الناس.
3-
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «إِنَّ اللهَ فَرَضَ
فَرَائِضَ، فلا تُضَيِّعُوها، وحَّدَ حُدُودًا فلا تَعْتَدُوها، وحَرَّمَ أَشْياءَ
فلا تَنْتَهِكُوها، وسَكَتَ عن أَشْياءَ رَحْمَةً لَكُمْ غيرَ نِسْيانٍ، فلا
تَبْحَثُوا عَنْها» (ابن رجب:150/2) وهذا الحديث يفيد أن ما سكت الله سبحانه عن
بيان حكمه فهو مما عفا الله عنه، والدخان مما سكت الله عنه، فهو مما عفا عنه وهو
حلال.
4-
القاعدة الفقهية «الأصل في الأشياء الإباحة» وهذه القاعدة
يندرج تحتها الدخان حيث كان حادثًا غير موجود زمن التشريع.
وبناء على أدلتهم ينبغي للمرء إذا
سئل عن التدخين أن يقول هو مباح، لكن رائحته تستكرهها الطباع فهو مكروه طبعًا لا
شرعًا.
واستدل القائلون بكراهته بما يلي:
1-
القياس على البصل والثوم من حيث الرائحة وذلك بطريق
الأولى.
2-
التشبه بأهل النار الذين يظهر الدخان من أفواههم وأنوفهم.
واستدل القائلون بتحريمه بما يلي:
1-
إنه مضر بالصحة بأخبار الثقات من الأطباء والمجربين، وما
كان ضارًا حرم تعاطيه لعموم قوله تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى
التَّهْلُكَة﴾ (البقرة: 195) والمدخن يتعاطى أسباب الهلاك ويعرض نفسه للإصابة
بكثير من الأمراض ولعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء: 29) والمدخن يتناول ما كان سببًا في
القتل سواء كان بطريق مباشر أو غير مباشر، وسواء كان ذلك بشكل سريع أو بطيء لأن
النتيجة واحدة، إذ إن في الدخان سموم كثيرة أشهرها القطران والنيكوتين والمدخن
يدخلها في جوفه، وكون أضرار الدخان تدريجية هو الذي جعل بعض الناس يغفلون عن
أخطاره ويشككون فيها.
يقول الشيخ عليش من شيوخ المالكية
المتأخرين: «أخبر بعض مخالطي الإنجليز أنهم ما جلبوا الدخان لبلاد الإسلام إلا بعد
إجماع أطبائهم على منعهم من ملازمته، وأمرهم بالاقتصار على اليسير الذي لا يضر
لتشريحهم رجلًا مات باحتراق كبده وهو ملازمه، فوجدوه ساريًا في عروقه وعصبه
ومسوّدًا مخ عظامه، وقلبه مثل أسفنجة يابسة، فمنعوهم من مداومته وأمروهم ببيعه
للمسلمين لإضرارهم» ثم يقول الشيخ عليش: «فلو لم يكن فيه إلا هذا لكان باعثًا
للعقل على اجتنابه».
وقد نص الفقهاء على تحريم أكل السموم
وكل ما فيه ضرر حفظًا للصحة.
2-
إن في تعاطي التدخين إسرافًا وتبذيرًا وضياعًا للمال،
والله سبحانه وتعالى نهانا عن إضاعة المال وإعطائها للسفهاء في قوله
تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ
لَكُمْ قِيَامًا﴾ (النساء:5) والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف في المال كمن يبذله
في حرام أو في غير فائدة فيحجر عليه، وفي تعاطي التدخين إضاعة للمال من غير فائدة،
فالمدخن إنما يشتري سمًا ليدخنه ويبذل ماله بلا فائدة دنيوية أو أخروية تعود عليه.
3-
إن التدخين خبيث عند ذوي الطباع السليمة، فالدخان طعمه
رديء مستكره ورائحته منتنة منفرة مؤذية، وكل رائحة مؤذية فهي ممنوعة، والدخان أشد
رائحة من البصل والثوم ولو أدخلت عليه المحسنات، وقد ورد منع من تناول البصل
والثوم من دخول المسجد، وفرق بين الرائحة المنتنة والرائحة الكريهة، والبصل والثوم
ريحهما مكروه وليس منتنًا، والدخان ريحه منتن، ولذلك لا يجوز شرب الدخان في
المساجد باتفاق الفقهاء قياسًا على منع أكل الثوم والبصل في المساجد حتى تزول
رائحة فمه؛ لأن المساجد إنما بنيت لعبادة الله فيجب تجنيبها المستقذرات والروائح الكريهة.
4-
إن في التدخين صدًا عن ذكر الله وعبادته، فالمدخن يجد
الصيام في رمضان ثقيلًا على نفسه، وكم يحمل المدخن في نفسه هم شهر رمضان ويتثاقل
منه لأنه سيمتنع فيه عن التدخين مدة الإمساك وهو غير قادر على ذلك، أما صيام النفل
فلا تسل عنه.
والمدخن ثقيل عليه الاعتكاف في
المسجد والتبكير إلى الصلاة، وأكثر المدخنين يلقي السيجارة على باب المسجد، ويدخل
بعد أن يسحب منها سحبات.
5-
إن في التدخين ضررًا على الأخلاق، فالمدخن يكون غضبًا
يثور لأبسط الأسباب، فلا يكون فيه سمة المؤمن بضبط الأعصاب والتصرف بحكمة وروية.
6-
إن في التدخين أضرارًا اقتصادية، فكم أحرقت أموال كثيرة
بسبب سيجارة مشتعلة ألقاها مدخن أو نسيها بين أصابعه ونام عنها، فوقعت على ثيابه
واحترق بها..
7-
إن في التدخين تفتيرًا وخدرًا لشاربه، فيشارك شارب الخمر
في نشوته وقد قالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها: « نَهَى رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن كلِّ مُسْكِر، ومُفَتِّرٍ» (السيوطي:9479) وقال العلماء: المفتر: ما
يحدث الفتور والخدر في الأطراف وصيرورتها إلى وهن وانكسار.
ولا شك أن أدلة القائلين بالتحريم
أقوى من أدلة القائلين بالإباحة، وبناء على ذلك فقد ورد في الموسوعة الفقهية التي
تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت في الجزء العاشر ما يلي: «ترى
لجنة الموسوعة أن الدخان يحرم إذا ثبت ضرره لبعض الناس ضررًا صرفًا خاليًا من
المنافع، سواء أكان الضرر في العقل أو البدن أو كان شاربه مضطرًا إلى صرف ثمنه في
حاجاته وحاجات عياله الأساسية، فإن لم يكن كذلك فهو مکروه لأن رائحته كريهة منتنة،
ولأنه لا يخلو من نوع ضرر ولاسيما الإكثار منه. فإن ضرره الصحي والمالي حينئذ
محقق، والقليل منه يجر إلى الكثير، وخبث رائحته التي لا يشبهها سواها هو أهون
مضاره الصحية والنفسية والمالية التي لا تحصى، مبتدئة من دخانه الذي يزعج من حول
الشخص المدخن ويفسد هواء البيوت والأمكنة المغلقة، إلى التهابات قصبات الرئة
والسعال الشديد بفعل التسمم البطيء الذي يحدثه في الجسم بفعل ما فيه من القطران
وبالمادة السمية التي كشفها التحليل الكيماوي فيه المسماة «بالنيكوتين» إلى سرطان
الرئة هذا المرض الشنيع المميت الذي يقف الطب حتى اليوم تجاهه عاجزًا حيران، هذا
بالإضافة إلى غلاء أثمانه بسبب تركيز الحكومات عليه بالضرائب الباهظة التي قد تبلغ
أضعاف قيمته الأصلية، وكانت قد وضعتها أصلًا بغية صرف الناس عنه، لكن الحكومات
استمرأت جباية المال عن طريق انتشاره، فنشرت بذلك آفة التدخين بين الناس وما فيها
من ضراوة لا يتمكن معها المعتاد من ترك التدخين إلا نادرًا، حتى لقد يبلغ الأمر
ببعض المدخنين أن ينفق أحدهم على التدخين ما يكفي إعاشة أسرة متوسطة[1]» انتهى.
هذا وقد نص بعض العلماء على منع
التدخين في الأماكن العامة غير المساجد نظرًا لتأذي الناس برائحته ولإصابتهم
بأمراض مثل مدخنه.
ولذا أقترح الآتي للإقلال منه
تمهيدًا لمنعه:
1-
تكثيف التوعية بمضار التدخين والإرشاد إلى طرق التخلص منه
خاصة فيما يتعلق بالجانب الشرعي والصحي.
2-
منعه منعًا باتًا في المواصلات وخاصة الطائرات.
3-
منعه في الأماكن العامة والمحافل ومجامع العلم والذكر
ومجالس قراءة القرآن ومجالس القضاء.
4-
منع الإعلان عنه في الصحافة فلا يفيد خط هزيل نحيل لا يرى
وسط صفحة كاملة أو نصف صفحة ملونة مغرية بالتدخين.
5-
ليضع كل منا في منزله أو مكتبه أو سيارته عبارة «شكرًا
لعدم التدخين» مع بعض الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية.
6-
مراقبة ما يصل من بضائع على شكل سيجارة كأنواع الحلويات
والميداليات.
7-
بيان أن التدخين ليس دليلًا على إثبات الشخصية أو
استقلالها بل هو دليل قوي على ضعف النفس البشرية واستغلالها. والله الموفق.
__________
(1) الموسوعة الفقهية ج 10
ص 107 – ص 108.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل