العنوان حكم تاريخي للقضاء المصري: إلغاء قرار وزير التعليم بمنع الحجاب لمخالفته للشريعة والدستور
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1994
مشاهدات 77
نشر في العدد 1115
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 06-سبتمبر-1994
وزير التعليم: أحترم حكم القضاء ولكني أفكر في
الطعن فيه
في حكم تاريخي أثلج صدور الملايين من أبناء شعب مصر، وأثار ارتياحًا
عامًا بين المسلمين أصدرت محكمة القضاء الإداري برئاسة المستشار عبد العزيز حمادة
وعضوية المستشارين محمود إبراهيم ومجدي العجاني حكمها بوقف تنفيذ قرار وزير
التعليم رقم 113 الصادر في 17/5/1994م بشأن الزي المدرسي، مع ما يترتب على ذلك من
آثار، وهو القرار الذي أثار ضجة واسعة لوضعه العراقيل أمام ارتداء طالبات المدارس
للحجاب الشرعي واشتراط تقديم ولي الأمر لطلب مكتوب للإدارة التعليمية للموافقة على
ارتداء ابنته غطاء رأس!! مما دفع الأزهر للتصدي للقرار بفتوى قوية نشرتها
"المجتمع" في عدد (1111).
أكدت المحكمة في حكمها التاريخي أنه يمتنع على السلطة التنفيذية أن
تتدخل في مجال الحريات العامة بهدف تنظيم أي منها؛ لأن هذا المجال محجوز للمشرع
وحده، كما لا تستطيع أن تتخذ أي إجراء في هذا الشأن قبل أن تصدر السلطة التشريعية
القانون الذي يضع الضوابط والشروط التي تحدد دور السلطة التنفيذية في هذا الخصوص،
فإن كل حرية يجوز تنظيمها، ولم يصدر قانون بهذا التنظيم، تصبح ممارستها مطلقة إلى
أن يصدر القانون المنظم لها، ذلك أن تنظيم الحريات العامة يقتصر على السلطة
التشريعية وحدها.
وقالت المحكمة في حيثيات حكمها إن القوانين التي استند إليها قرار
وزير التعليم تخلو من أي نص يتعلق بتحديد الزي المدرسي للتلاميذ، كما أنها لم
تتضمن أي نص يخول وزير التعليم أي اختصاص في هذا الشأن، ومن ثم يكون وزير التعليم
قد قام بتنظيم إحدى الحريات الشخصية لفئة من المواطنين هم تلاميذ المدارس دون سند
من القانون متعديًا على اختصاص محجوز للسلطة التشريعية، بل إن القرار المطعون فيه،
قد جاوزت أحكامه ما تملكه السلطة التشريعية ذاتها عندما استن قاعدة ملزمة تفرض على
هؤلاء التلاميذ زيًا معينًا، إن خالفوه حرموا من حقهم في التعليم وهذا الجزاء الذي
تضمنته المادة الثالثة من القرار 113 لسنة 1994م شاذ وغريب عن قانون التعليم رقم
139 لسنة 1981، لأن الحرمان من الحق في التعليم لعدم ارتداء ذلك الزي المفروض
جبرًا عنهم يتعارض مع ما تنص عليه المادة 18 من الدستور المصري من أن (التعليم حق
تكفله الدولة......)
عيب جسيم
وقالت المحكمة إن صدور القرار الإداري من جهة غير منوط بها إصداره
قانونًا، يعيبه بعيب جسيم، ينحدر به إلى درجة الانعدام طالما كان ذلك منطويًا على
افتئات على سلطة أخرى هي السلطة التشريعية –في الحالة المعروضة- ومن ثم فإن العيب
الذي شاب القرار المطعون فيه يصل إلى حد غصب السلطة، ويجعله معدوم الأثر قانونًا،
ولا يعدو أن يكون عقبة مادية لا تحول دون حق هؤلاء التلاميذ وأولياء أمورهم في
مباشرة حقوقهم وحرياتهم الشخصية على النحو السالف بيانه، وحيث إنه لا يشفع للقرار
المطعون فيه الأهداف النبيلة التي تبغيها، وهي إزالة فوارق الطبقات بين تلاميذ
المدارس، ووضع حد لفوضى الأزياء في المدارس لخروجها على الاحتشام والوقار، إذ إن
هذه الغايات تصلح سندًا لإهدار الحريات العامة في ظل الدساتير التي تفتئت على هذه
الحريات لتحقيق غايات تدعيها لتحقيق مصلحة الجماعة، وقد نأى الدستور المصري عن هذه
الدساتير، التي اصطلح على وصفها بالدساتير الشمولية ومنها الدساتير الشيوعية.
وقالت المحكمة في حيثيات الحكم التاريخي إنها: "لا ترى مبررًا
يقتضي بحث ما إذا كان القرار المطعون فيه وما لحقه من تعديل -قد صدر متفقًا مع
أحكام الشريعة الإسلامية– حسبما تدعي الجهة الإدارية التي أصدرته– أو عدم اتفاقه
مع هذه الأحكام- حسبما يذهب إلى ذلك المدعون، مؤيدًا بما انتهت إليه لجنة الفتوى
بالجامع الأزهر الشريف، والتي انتهت إلى عدم اتفاق هذا القرار مع أحكام الشريعة
الإسلامية، وحسب المحكمة أن تضع هذه الأسانيد تحت بصر السلطة التشريعية، إن رأت
ملاءمة وضرورة إصدار تشريع بتجديد وتوحيد زي تلاميذ المدارس رجعت إليها حتى يكون
التشريع متفقًا مع أحكام الشريعة الإسلامية باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع،
وفقًا لنص المادة 2 من الدستور ومراعيًا للعرف والتقاليد المصرية وما تنص عليه
المادة 46 من الدستور من أن تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر
الدينية، ولذلك حكمت المحكمة بوقف تنفيذ قرار وزير التعليم مع ما يترتب عليه من
آثار وأمرت بإحالة الدعوى إلى هيئة مفوضي الدولة لإعداد تقرير بالرأي القانوني في
طلب الإلغاء".
وقد أصيب وزير التعليم -حسب وصف بعض المقربين له– بحالة من خيبة الأمل
والإحباط، لكنه أعلن أنه سيلتزم بحكم المحكمة وأن ذلك لن يمنعه من دراسة إمكانية
تقديم استئناف أمام المحكمة الإدارية العليا لإلغاء هذا الحكم.. وقد أكد مصدر
قضائي أن حكم المحكمة هو حكم عام ملزم لجميع الإدارات التعليمية، وليس حكمًا خاصًا
بحالة معينة، في حين ذكر بعض المراقبين أن تطبيق الحكم من عدمه، سوف يتضح خلال
الأيام القادمة حيث يبدأ العام الدراسي في السابع عشر من سبتمبر الحالي..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل