العنوان حكمة تحريم الربا للإمام حسن البنا
الكاتب حجازي إبراهيم
تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2001
مشاهدات 89
نشر في العدد 1458
نشر في الصفحة 54
السبت 07-يوليو-2001
أصول الربا في الإسلام خمسة هي: أنظرني أزدك.. ضع وتعجل.. التفاضل.. النسيئة.. وبيع الطعام قبل قبضه
الذين يعيبون الأديان على تحريم الربا غافلون عن مهمتها في إصلاح البشرية ويريدون منها النزول على حكم الجشع المادي في نفوس الذين لم يتهذبوا بعد
الربا يشجع على التواكل والكسل ويعطل النقد عن التداول ويشيع العداوة والبغضاء
النظام العام في الاقتصاد يمكن أن يقوم بدون الربا إذا صدق العزم واقتنع الاقتصاديون بشناعة هذه الجريمة
هذا البحث القيم للإمام حسن البنا - رحمه الله - عن الربا وأحكامه وحكمة تحريمه وكيفية معالجته مع عدم الاختلال الاقتصادي، وقد قدمه الإمام لقراء مجلة «النذير» في إيجاز في عام 1938م، أي منذ أكثر من ستين عامًا في وقت لم يكن أحد يتحدث فيه عن الاقتصاد الإسلامي، ولا عن الربا، وقد اعتمد فيه على تقديم النصوص والأحكام دون خوض في التفاصيل؛ لأن ذلك لم يكن هدفًا له، وإنما كان يعمد إلى أن يلفت الأنظار إلى شمولية الإسلام، وأنه يتناول الاقتصاد وينظمه على أسس ومبادئ تخالف أسس الاقتصاد الوضعي، ولا أدل على ذلك من هدمه لنظرية الفائدة (الربا) التي لا يخرج الاقتصاد الوضعي عن الدوران في فلكها.
ثم إن الإمام يهيب بالأمة الإسلامية أن تشكل اللجان من علماء الشرع والاقتصاد حتى تنظر في النظم الاقتصادية القائمة، وتعرضها على النصوص الشرعية، وما لا يتفق منها مع أحكام الشريعة تقدم لنا بدائله الشرعية، حتى يكون المسلم على بصيرة من أمر دينه، وهذا ما تحقق بعد عشرات السنين من صيحة الإمام هذه، فقد اجتمع مجمع البحوث الإسلامية في المحرم من عام 1385هـ الموافق مايو من عام 1965م بالقاهرة، وقد ضم علماء من الدول الإسلامية كافة، وأصدر قرارات عدة تتعلق بالتأمين والمعاملات المصرفية وغيرها، كما توالت بعد ذلك المؤتمرات الشرعية والاقتصادية في أماكن شتى، ولا سيما بعد نشأة البنوك الإسلامية، وقد صدرت فتاوى هذه المؤتمرات في مطبوعة لبنك دبي الإسلامي بعنوان «فتاوى شرعية في الأعمال المصرفية».
وأترك للقارئ الكريم أن يطالع روعة هذا الإمام وهو يتحدث عن الحكمة من تحريم الربا في أسلوب رائع، وبيان يسبر أعماق النفس البشرية ليجلي لها حكمة الأديان في حياة الإنسان…
أولًا: النصوص في تحريم الربا
جاء القرآن الكريم بتحريم الربا، ونهى الناس عن التعامل به، وبيان أنه ضار بهم، غير مفيد في التعامل، بل وأنه يجلب عليهم وعلى أموالهم النقص والبوار، وأنهم سيحاسبون على هذه المعاملة في الآخرة كذلك، وينعى على الأمم التي تعاملت به من قبل:
1- فالآية الكريمة في سورة ال عمران تقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (آل عمران: 130-131-132).
2- والآية الكريمة في سورة النساء تبين أن اليهود نهوا عن الربا، ولكن أكلوه وتعاملوا به، فعاقبهم الله عليه، فذلك قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: 160-161).
3- وفي سورة الروم يقول القرآن: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (الروم: 21).
4- ولا خلاف بين العلماء في أن من آخر آيات القرآن نزولًا آيـات الـربـا في سورة البقرة، وقد عرضت له بشيء كثير من التفاصيل والتحديد، وتلك هي قول القرآن الكريم:
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة:275-281).
وأخرج البخاري عن ابن عباس أن آخر آية نزلت آية الربا (1).
وأخرج البيهقي عن عمر مثله (2)، قال في الإتقان والمراد بها «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا».
وعند أحمد وابن ماجة عن عمر - من آخر ما نزل آية الربا (3).
وعن ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا عمر فقال: إن من آخر القرآن نزولًا آية الربا (4).
وقد ورد من طرق كثيرة أن بين نزول هذه الآيات وبين وفاة النبي ﷺ واحدًا وثمانين يومًا، وفي بعضها تسع ليال (5).
وإنما أوردنا هذه الروايات ليعلم أن هذه الآية هي التي تقيد ما سبقها من الآيات التي لا تحديد فيها، وقد وردت الأحاديث الكثيرة بالنهي عن الربا، والتنفير منه، وبيان أضراره، ونهي المسلمين عن التعامل به، فعن جابر -رضي الله عنه- «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء» من حديث البخاري ومسلم (6).
وهو من السبع الموبقات، ومن كبائر المعاصي في حديث آخر وهكذا (7).
ثانيًا: تحديد معنى الربا الشرعي
من النصوص السابقة - لفظًا وروحًا - نعلم أن تعريف الربا في الإسلام هين واضح لا جدال فيه وهو «ما زاد على رأس المال» وسمه بعد ذلك ما شئت: سعر الفائدة، أو الربا أو ثمن الأجل، فتلك أسماء لا تغير حقيقة المسمى وذلك مأخوذ من قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 279).
وأكد هذا المعنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع وهي من آخر خطبه وبياناته: «ألا وإن كل ربا موضوع، وأول ربا أبدأ به ربا العباس بن عبد المطلب» (9).
وروى ابن جرير عن السدي أن الآيتين نزلتا في العباس بن عبد المطلب، عم النبي ورجل في بني المغيرة سلفا في الربا إلى أناس من ثقيف من بني عمرو وهم بنو عمرو بن عمير فجاء الإسلام ولهم أموال عظيمة في الربا فأنزل الله «ذروا ما بقي من فضل كان في الجاهلية من الربا» (9).
وأخرج عن ابن جريج قال: كانت ثقيف قد صالحت النبي ﷺ على أن ما لهم من ربا على الناس، وما كان للناس عليهم من ربا فهو موضوع، فلما كان فتح مكة استعمل عتاب بن أسيد على مكة وكان بنو عمرو بن عمير بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة وكان بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية، فجاء الإسلام ولهم عليهم مال كبير، فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم، فأبى بنو المغيرة أن يعطوهم في الإسلام، ورفعوا ذلك إلى عتاب بن أسيد فكتب عتاب إلى رسول الله ﷺ فنزلت الآية فكتب بها رسول الله ﷺ وقال: «إن رضوا وإلا فآذنهم بحرب» (10).
فها نحن أولاء نرى أن كل ما زاد على رأس المال قد وُضع ولم يجز للمقرض أن يأخذ إلا رأس ماله فقط وأما الاحتجاج بقيد الأضعاف المضاعفة في آية آل عمران فهو احتجاج في غير موضعه، فإن ذلك تصوير للظلم الفاحش في الربا، ولم يرد به تحديد معناه، على أن آية البقرة آخر الآيات نزولاً، فالتحديد لها، وقد جرى عليها عمل الرسول ﷺ وأصحابه من بعده، وهم أعرف الناس بمدلولات القرآن فلا محل بعد ذلك للجدل والخلاف.
ثالثًا: الصور التطبيقية المنصوص على أنها ربا
وردت النصوص في صور عدة بأنها ربا محرم شرعًا فمن هذه الصور:
1- القرض بالزيادة على رأس المال، وهو ربا الجاهلية المنصوص عليه في الآيات الكريمة، والمعبر عنه في كتب الفقه الإسلامي «أنظرني أزدك» فهذا ربا محرم بالإجماع، وقد سبق دليله، ولعل هذا هو الربا الشائع الآن في المعاملات الاقتصادية العصرية.
2 - النقص من المال في نظير تقريب الأجل، وهو المعبر عنه في عرف الفقهاء «ضع وتعجل»، وهو محرم كذلك، وقد ورد الخلاف فيه عن بعض الفقهاء.
3 - الربا في البيع وفيه تفصيل:
أ- الأصناف التي نص على أنها ربوية ستة جمعها حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه- قال: «سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء عينًا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى» (11).
ويشير إليها كذلك حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ: «الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء» (12)، أي إلا يدًا بيد.
ب- هل لا يكون الربا في البيع إلا في هذه الأصناف على اعتبار أنها منصوص عليها، أم يكون في غيرها قياسًا عليها، وهل علة القياس والتحريم الكيل والوزن والجنس، أم بعض هذا، أم يعتبر معها الطعم والادخار، أم لا يعتبر ذلك؟ كل هذا موضع خلاف مفصل في كتب الفقه الإسلامي.
ج- يحرم في الأصناف الستة وكل ما يلحق بها عند من ألحق بها غيرها النسيئة، وهو التأخير في التقايض بالإجماع، والدليل على ذلك حديث عمر - رضي الله عنه- وقوله ﷺ: «إنما الربا في النسيئة» (13).
د- ويحرم في هذه الأصناف الستة وما يلحق بها عند من ألحق بها غيرها، التفاضل وهو الزيادة في المقدار من غير تأخير عند الجمهور من الفقهاء، ودليلهم في ذلك حديث عبادة وأحاديث أخرى كثيرة، وخالف في ذلك ابن عباس وبعض أهل الفقه مستدلين بقوله ﷺ: «لا ربا إلا في النسيئة» (14).
ثم صح عنه أنه رجع عن رأيه هذا وتبع رأي الجمهور في القول بتحريم التفاضل (15).
هـ - للفقهاء المسلمين في بيان الأصناف والعلل والملحقات وما إلى ذلك تفصيل واسع وأظن أن هذا النوع من التعامل ليس كثير التداول الآن في صور المعاملات العصرية.
4- بيوع الآجال ومنها أن يبيع الرجل نقدًا بثمن، وإلى أجل بثمن أكثر منه، أو أن يبيع السلعة بثمن إلى أجل، ثم يشتريها نقدًا بثمن أقل منه في صور كثيرة مفصلة في كتب الفقه.
وهذه البيوع محل خلاف في الحكم بين فقهاء المسلمين، فمنهم من اعتبرها ربا، واستدل بحديث عائشة -رضي الله عنها - أن امرأة قالت لها: إني بعت «أي اشتريت» من زيد بن أرقم عبدًا إلى العطاء بثمانمائة درهم فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته منه قبل محل الأجل بستمائة، فقالت: بئسما شريت وبئسما اشتريت أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب، قلت: أفرأيت إن تركت المائتين وأخذت الستمائة؟ فقالت: نعم ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (البقرة:275) (16).
ومنهم من اعتبرها بيعًا لا ربا فيه، ولا حيلة وأخذ بالقياس، ولم يثبت عنده حديث عائشة.
ملاحظة: ولعل مما يجمع كثيرًا من الصور التطبيقية المنصوص عليها ما ذكره بعض الفقهاء من أن أصول الربا في الإسلام خمسة:
أنظرني أزدك، وضع وتعجل، والتفاضل والنسيئة، وبيع الطعام قبل قبضه.
رابعًا: صور تطبيقية لم ينص عليها
وهناك صور أخرى للتعامل لم ينص عليها، أوجدها اتساع العمران، وتشابك المصالح واستبحار الاقتصاد عند الأفراد والأمم مثال ذلك صناديق التوفير، وما يؤخذ من الفائدة عن الأموال المودعة فيها، وشركات التأمين وسلفيات الصناعة والتجارة والزراعة وقطع السندات والكمبيالات، وهكذا، ومن هذه الصور مثل هذه الطرائق التي أوجدتها الحضارة الحديثة: منها ما هو ربا لا شك فيه، فهذا يحرم قطعًا، ويبحث عن وسائل أخرى تؤدي فوائده، وتخرج عن نطاق التحريم، ومنها ما هو موضع شبهة قد يكون بيعًا، وقد يكون شركة وقد يكون إجارة، وقد يكون ربا، وباب التطبيق والاجتهاد واسع كل السعة في الإسلام وهناك أصل جليل ينتظم كثيرًا من فروع الحياة وشؤونها في كل نواحيها، هو إباحة النظر في المصالح المرسلة للإمام، وتقرير ما يناسب حال الناس منها، ويحظر ما يتعارض مع هذه المصالح في حدود القواعد الشرعية العامة.
مثال هذه المحدثات وأنواع التعامل الجديدة؛ إذ تختلف فيها أحكام الأفراد قطعًا بحسب ما عندهم من سعة العلم، ولأجل أن ترتكز على أساس من المصلحة العامة لا بد من تأليف لجنة فنية من علماء الشريعة والاقتصاد تقلب وجوه الرأي، وتطبق هذه الطرائق على ما عندها من العلم، ثم تصدر للناس حكمًا يكون هو المعول عليه والمأخوذ به.
خامسًا: تبرير نظرة الإسلام للربا وبيان حكمة التحريم
ليس الإسلام الدين الوحيد الذي انفرد بتحريم الرباء بل سبقته في ذلك الشرائع القديمة وقد جاء القرآن مشيرًا إلى هذا بالنسبة للـيـهـود فـقـال: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (النساء: 161)، وأن كل القوانين الحديثة التي أباحته قد اشترطت فيه الفحش والزيادة مما يدل على شعور المقنن بما في الربا من حيف وإرهاق.
وإذا عرفنا أن المهمة الأولى للأديان هي تزكية النفوس، وتطهير الأرواح، والبعد بها عن حدة الانغماس في المادة وعن الأخذ بمقاييس المادة وحدها، فليس يعيش الإسلام آلة مادية لا عاطفة لها ولا روح بها، بل هو روح وإنسانية قبل أن يكون جسمًا ولحمًا ودمًا، ولهذا عنيت الشرائع بالنفس البشرية كل العناية ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس:7-10)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ ﴾ (الرعد:11).
ومن العبث أن نفرض الحياة البشرية مادة لا تسمو إلا بالأرقام وقواعد الميكانيكا.
إذا عرفنا هذا عرفنا أن الإسلام لا يقيس الأمور في تشريعه بالمقياس المادي فقط بل يضع في حسابه كذلك المعنى الروحي الإنساني الذي تهذب به النفوس وتسمو به الأرواح، وما من شك في أن النزول عن فائدة رأس المال للمحتاج إليه مقاومة للنفس وتهذيب لها وإيثار للمعنى الإنساني العام عن المعنى الفردي الخاص، ويقابله كذلك النزول عن شيء من المال الخاص للفقير المحتاج دون مقابل مادي تطهيرًا وتزكية، كذلك ففرض الزكاة، وتحريم الربا، مقاومة للمعنى المادي في النفس البشرية، وإيثار للإنسانية العامة على الفردية الخاصة.
قد يكون في ذلك شيء من الغرم المادي - وإن كان في هذا نفسه نظر، ولكن ليكن هذا، فإن ما يربحه الإنسان من تزكية نفسه، وكسب قلب أخيه أفضل عند الشريعة من هذه الدريهمات التي يبيع بها أسمى العواطف بين بني البشرية الرحمة والحب، ولهذا لم يقف الإسلام -كما قدمت- عند حد تحريم الربا، بل أوصى بالانتظار حتى يجد المدين السعة، فيسدد ما عليه، بل أوصى بما هو أكثر من ذلك أن يتصدق الدائن برأس المال على المدين الذي لا يجد سبيلًا إلى السداد، فذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 279).
فالذين يعيبون الأديان في تحريم الربا، غافلون عن مهمة الأديان في إصلاح البشرية والسمو ببني الإنسان والذين يريدون منها أن تنزل على حكم الجشع المادي في نفوس الذين لم يتهذبوا بعد، يریدون منها أن تنزل لهم عن أهم أعمالها في الحياة، وأن تعارض الحكمة في وجودها، ومثلهم في ذلك كمثل الذي يريد من الطبيب أن يدع المريض بل أن يمرض مثله، لأن الدواء قد أخذ من جسمه ما أخذه هذا من الوجهة الروحية البحتة.
ثم نعود فنلقي بعض النظرات على حكمة تحريم الربا من الوجهة المادية فماذا نجد؟
1- إنه يحمل على التواكل والكسل، فإن من الناس من يجعل كل عمله في الحياة الإقراض بالربا.
2- أنه يعطل النقد عن التداول وكثرة تداول النقد في السوق هي روح النشاط الاقتصادي.
3- أنه غير عادل، فإننا نفرض المدين رابحًا دائمًا، وبذلك نبرر ما نأخذ من زيادة على رأس المال ونقول: إنها بعض الربح الذي جاء عن هذا المال. فليس في ذلك ظلم مع أن هذا المدين قد يخسر بسبب العمل في هذا المال.
فكيف يكون الموقف إذن؟
وهل من العدل أن نأخذ منه الفائدة في الوقت الذي سيدفع هو الخسارة الكاملة؟
4- أنه يلقي العداوة والبغضاء في النفوس فيساعد على الجريمة والثورة.
هذه بعض الأضرار المادية الملموسة فضلاً عن انحطاطه بالمعنى الإنساني إلى هذا الدرك الواطئ من شركات المادة البحتة، فهل يعيب إنسان بعد هذا على الشرائع السماوية أنها حرمت الربا أم من العدالة أن نعيب على البشرية المقيدة بالشهوات والأطماع أنها عاجزة عن السمو إلى هذه النظرة الكريمة؟
سادسًا: كيف نعالج داء الربا مع عدم الاختلال الاقتصادي؟
يتصور كثير من الاقتصاديين، ولهم بعض العذر أن من المستحيل أن يسير النظام الاقتصادي على غير أساس الفائدة، وحجتهم في ذلك تركز كل الأعمال الاقتصادية الحالية على هذا النظام وارتباط بعضها ببعض مما يجعل من المستحيل على دولة من الدول أن تخرج على هذا النظام.
هذا كلام له دليله العملي القائم ولقائليه بعض العذر لأنهم ألفوا هذا النظام، ولكن هل من الصواب أن يعتقد الناس أن أي نظام من الأنظمة لا يمكن تغييره مهما ترسخت أصوله، وثبتت قوائمه، فكم من النظم خرجت عليها الإنسانية واستبدلت بها غيرها، وظروف الحياة قلب وليس هذا في النظام الاقتصادي وحده، بل في كل شؤون الدنيا من سياسية واجتماعية واقتصادية، بل وفي النظريات العلمية الكونية التي تعتمد على الأرقام والتجارب المحسوسة.
فهل يقال بعد هذا إن نظام الـفـائـدة فـي الاقتصاد لا يمكن العدول عنه، ومتى رضي العقل البشري بهذا العجز واستكان إلى هذا الخمول، وما خلق إلا ليجاهد ويكافح في سبيل الحق والخير، وتلك مهمته وخاصته؟
أعتقد أنه من الممكن والميسر أن يعالج النظام الاقتصادي العام علاجًا يشفيه من داء الربا، لا أقول إن جريمة الربا ستمحى من نفوس البشر، فإنه متى كانت البشرية فهناك جرائم، ولا بد حتى يتطهر الناس بالروحانية الكاملة، فسيظل -مهما كان من علاج- أفراد يرابون، ولكني أقول إن النظام العام في الاقتصاد يمكن أن يقوم على غير أساس الربا الفائدة إذا صدق العزم واقتنع الاقتصاديون بشناعة هذه الجريمة.
لقد كان نظام الاسترقاق ضرورة بشرية في عرف الناس، وما كان يشعر أحد بانحطاطه بالإنسانية، وبخسة قيمتها، وما كان يجرؤ مشرع على أن يمسه أو ينال منه حتى هذه الأدمغة الكبيرة من الفلاسفة لم تستطع إلا الاعتراف به وبضرورته حتى جاء الإسلام فجاربه، وسد منافذه، ووقف في طريقه، وقامت الدول الحديثة تحاربه كذلك، فنجحت وتحررت نفوس وأرواح، وتطهرت الإنسانية من عار لصق بها منذ القدم.
ولكن الإنسانية التي تحررت من قيود الاسترقاق الأدبي، وقفت أمام عبودية المال وشهوة المال، ورضيت بهذه القيود الربوية الثقيلة ولم تتحرر منها بعد، فلو هيا الله للإنسانية أمة فاضلة توقظ ضميرها، وتفتح عينها على فظاعة هذا الجرم الشنيع، وتأخذ في محاربته بالحزم لتعدل النظام الاقتصادي العالمي، ولم يختل التوازن.
ولا نذهب بعيدًا فقد وضع الإسلام علاج ذلك بالزكاة، ولأمر ما اقترن الربا بالزكاة في كثير من الآيات القرآنية، فليؤخذ من مال الزكاة وصندوقها ما يغني المقرضين عن الربا.
وعلاج فني آخر يراه بعض الاقتصاديين: ذلك أن المهيمن على السوق الاقتصادية في نظامنا الحديث هو المصارف المالية وهي التي تعتمد أكثر ما تعتمد على الفوائد إيداعًا وإقراضًا، وفي وسع هذه المصارف أن توظف معظم ودائع العملاء في الأسهم فتستفيد وتفيد تريح لنفسها وعملائها، وتقاسمهم هذا الريح وتفيد السوق الاقتصادية فائدة جمة، كما تستطيع المصارف أن تجد من أبواب الإيراد وخدمة الاقتصاد ما لا يقع تحت حصر لتوظيف الأموال في التجارة والصناعة والعمولة
والوساطة في بيع المحاصيل وبيع العملة الأجنبية وصرف الشيكات وتأجير الخزن وحفظ الودائع وغيرها وهذا من حيث إفادة نفسها وعملائها.
ومن حيث الإقراض للمحتاجين للمال؛ ففي وسعها أن تتخذ لهذا الإقراض بصورة تجعله من صلب الشركة، أو من باب العوض، أو نحو ذلك. وبهذا تستغني تمام الاستغناء عن نظام الفائدة.
وبعد: فحسبنا دليلًا على فساد التعامل بالفائدة هبوط سعرها وبخاصة في أيام الكساد النسبي حتى صارت اليوم في بنك إنجلترا 2%، وذلك مما يخفف بعض أضرار الربا، ويجعل الناس لا يشعرون بها شعورًا قويًّا، ولكن الإسلام لا يعرف أنصاف الحلول، بل هو حازم فيما يريد، عملي يواجه الأحكام في صراحة ووضوح، فهو يحرم الربا من أساسه وإن كان ذرة على حمل.
ولا شك أن تعامل المصريين بالربا وبخاصة مع الأجانب منهم قد أضر بالدولة والأفراد ضررًا نشكو منه مر الشكوى.
وإنا لنأمل أن يثابر أساتذة الاقتصاد على درس هذه الموضوعات دراسة وافية شافية حتى يرفعوا عنا هذا الكابوس الربوي ويقدموا بذلك لأمتهم وللعالم كله أجل الخدمات.
(*) من علماء الأزهر.
الهوامش:
(١) فتح الباري 4/314.
(۲) البيهقي 5/275 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(۳) أحمد 1/50-36 وابن ماجة 2/764 /1276.
(1) لم أعثر عليه.
(٥) الإتقان في علوم القرآن ۱/26، ۲۷.
(6) النووي على مسلم 11/26 (106- 1598) فتح الباري 4/٢١٤/2086 بلفظ آخر.
(۷) الحديث الذي يشير إليه الإمام عن أبي هريرة -رضي الله عنه - عن النبي قال ﷺ: اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات (فتح الباري 5/٣٩٣/3766. النووي على مسلم 2/82، 145/ 89).
(۸) النووي على مسلم بلفظ «وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوعه کله» (8/182/1218).
(9) الدر المنثور 1/646.
(۱۰) مرجع سابق.
(۱۱) النووي على مسلم 11/12/1587.
(۱۲) فتح الباري 4/277/2174.
(۱۳) النووي على مسلم 11/25/596.
(١٤) فتح الباري 4/381/2178، 2179.
(۱٥) يقول الإمام النووي: إن ابن عمر وابن عباس كانا يعتقدان أنه لا ربا فيما كان يدا بيد، وأنه يجوز بيع الدرهم بدرهمين والدينار بدينارين، وصاع تمر بصاعين من التمر، وكذا الحنطة وسائر الربويات كانا يريان جواز بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلًا، وأن الربا لا يحرم في شيء من الأشياء إلا إذا كان نسية وهذا معنى قوله أنه سألهما عن الصرف فلم يريا به بأساً، يعني الصرف متفاضلا كدرهم بدرهمين، وكان معتمدهما حديث أسامة بن زيد: إنما الربا في النسيئة، ثم رجع ابن عمر وابن عباس عن ذلك، وقالا بتحريم بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلًا حين بلغهما حديث أبي سعيد كما ذكره مسلم من رجوعهما صريحًا.
وهذه الأحاديث التي ذكرها مسلم تدل على أن ابن عمر وابن عباس لم يكن بلغهما حديث النهي عن التفاضل في غير النسيئة فلما بلغهما رجعا.
وأما حديث أسامة: لا ربا إلا في النسيئة، فقد قال قائلون:
بأنه منسوخ بهذه الأحاديث وقد أجمع المسلمون على ترك العمل بظاهره، وهذا يدل على نسخه.
وتأوله آخرون تأويلات:
أحدها: أنه محمول على غير الربويات، وهو كبيع الدين بالدين مؤجلًا، بأن يكون له عنده ثوب موصوف، فيبيعه بعبد موصوف مؤجلًا، فإن باعه حالًا جاز.
الثاني: أنه محمول على الأجناس المختلفة، فإنه لا ربا فيها من حيث التفاضل، بل يجوز تفاضلها يدًا بيد...
روی ابن ماجة عن أبي الجوزاء قال: سمعته يأمر بالصرف «يعني ابن عباس» ويحدث ذلك عنه، ثم بلغني أنه رجع عن ذلك، فلقيه بمكة فقلت: إنه بلغني أنك رجعت، قال: نعم، إنما كان ذلك رأيًّا مني وهذا أبو سعيد يحدث عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن الصرف 2/759/2258.
الثالث: أنه مجمل وحديث عبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدري وغيرهما مبين، فوجب العمل بالمبين، وتنزيل المجمل عليه النووي على مسلم 11/22 - 25.
وقال آخر: لا ربا إلا في النسيئة، أي الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد. كما تقول العرب: لا عالم فيّ إلا زيد، مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل.
وأيضًا فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم فيقدم عليه حديث أبي سعيد؛ لأن دلالته بالمنطوق، فتح الباري 4/282.
(۱6) الدر المنثور 1/645- وعزاه إلى عبد الرزاق وابن أبي حاتم.
(۱۷) ومن الأحاديث التي تؤكد هذا المعنى: عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: سمع رسول الله ﷺ صوت خصمين بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضح الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج رسول الله ﷺ عليهما، فقال: أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ قال: أنا يا رسول الله، فله في ذلك أحب (النووي على مسلم 10/219 - 19/1557).
وفي رواية عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، أنه تقاضى من أبي حدرد دينا كان له عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته، ونادي كعب بن مالك، فقال: يا كعب، فقال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك. قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ: قم فاقضه (النووي على مسلم 10/220 -20/1558).