العنوان حكاية حماس في أمريكا الاتهام والحقيقة (1من 3)
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر السبت 06-ديسمبر-2003
مشاهدات 1
نشر في العدد 1579
نشر في الصفحة 20
السبت 06-ديسمبر-2003
حكاية
حماس في أمريكا الاتهام والحقيقة (1من 3)
د. أحمد يوسف
مدير المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث واشنطن
الدور
الحقيقي لحركة حماس في أمريكا يتمثل في تلك الديناميكية الرائعة التي خرجت في
أواخر الثمانينيات من القرن الماضي من رحم التفاعلات السياسية على أرض فلسطين.
دور
الرواد من جيل الطلاب يعد من المعالم البارزة التي لا يمكن تجاهلها ونحن نحاول
تسجيل هذه المسيرة على إمتداد عقدين من الزمان.
في
عام (1980) انطلق
الاتحاد الإسلامي لفلسطين للتعريف
بالقضية
الفلسطينية وحشد الدعم لها.. وقد نال ثقة معظم المؤسسات الإسلامية العاملة على
الساحة الأمريكية.
منذ
أوائل التسعينيات تكثف الأجهزة الأمنية الصهيونية جهودها لتشويه الإسلام والعمل
الإسلامي في أمريكا بزعم أنه يدعم حركات المقاومة الإسلامية داخل فلسطين.
الطبيعة
الحقيقية لتاريخ حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وعلاقاتها بالأشخاص والمؤسسات
الإسلامية الأمريكية في الولايات المتحدة نادرًا ما يتم النظر إليها بعيدًا عن
الأجواء الملبدة بغيوم العداء الجيوسياسي الممتد على مساحة زمنية تتجاوز
العشرسنوات، إضافة إلى التراكمات الهائلة التي كرستها تفجيرات الحادي عشر من
سبتمبر وتحميل التهمة فيها لجهات شرق أوسطية ذات خلفيات إسلامية. إن جماعات
أمريكية يمينية متطرفة لها ارتباطات سياسية ودينية بجهات يهودية ذات أجندة صهيونية
وجدت أن مصالحها المشتركة تقتضي توصيف حركة حماس وإرتباطاتها على الوجه غير
الحقيقي. وكان للإدعاءات والإتهامات الباطلة التي تم ترويجها عن الحركة وتاريخها
وإرتباطاتها المزعومة داخل الولايات المتحدة نتائج سلبية إنعكست ظلالها على الوضع
في الشرق الأوسط والعلاقة بين الإسلام والغرب، إضافة إلى التجاوزات التي لحقت بالحقوق
السياسية والمدنية للأمريكيين من أصول عربية وإسلامية.
إن
الدور الحقيقي لحركة حماس في أمريكا إذا كان لها هذا الدور. هو في تلك الديناميكية
الرائعة التي خرجت من رحم التفاعلات الأجتماعية والسياسية التي شهدتها الأراضي
الفلسطينية المحتلة في أواخر الثمانينيات، إنها قصة عودة الفلسطينيين الراشدة
للإسلام، ثم أنطلاق نخبة منهم إلى الولايات المتحدة لإستكمال تحصيلها العلمي،
ونجاح جهودها في تحريك وعي الجالية المسلمة بقضية فلسطين وقدسية العمل من أجلها
وهو الأمرالذي أربك القوى الصهيونية وأنصارها من صقور الإدارة الأمريكية وحركها
لسد الطريق أمام مظاهر التضامن العارمة مع الفلسطينيين والتي عبرت عن نفسها في
العديد من الأشكال ذات الطابع الإنساني كجهود الإغاثة وحملات المناصرة والتظاهرات
التي شهدتها معظم المدن الأمريكية وجامعاتها من بوسطن شرقا إلى بيركلي غربًا. لاشك
أن هناك محطات ومعالم بارزة لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها ونحن نحاول تسجيل
تاريخ هذه المسيرة الإسلامية على الساحة الأمريكية حيث كان لبعض الرواد من جيل
الطلاب بصمات شكلت عامل الربط بين ماضي هذا الجهد الفريد وما يجري اليوم من
محاولات صهيونية لإدانة كل ما هو فلسطيني وإسلامي ينتسب الى ذلك التاريخ الممتد
لعقدين من الزمان، متخذة من بعض رموز تلك المرحلة من أصحاب الهمم العالية والأهداف
النبيلة منطلقًا للإدانة والاتهام. ولعل من أكثر الأسماء التي تم الحديث عنها
وملاحقة الآخرين للعلاقة بها «هو الدكتور موسى ابو مرزوق» الذي أصبح بعد مغادرته لأمريكا رئيسا للمكتب السياسي لحماس.
من
هنا تبدأ خيوط الربط وتنتهي فقصة حماس في أمريكا . التي يتجدد الحديث عنها بين
الحين والآخر.هي قصة د. أبومرزوق التي من خلالها نستعرض جهده وبصماته في هذا
التناول التاريخي لما يسمى بـ «حدوتة» حماس في أمريكا، بإعتباره المركز الذي تدور
حوله سلسلة الإتهام وحلقات الإدانة التي أطلقها جهاز التحقيقات الفيدرالي إف بي أي
على المجموعات الفلسطينية والعناصرالإسلامية المتعاطفة معها بالولايات المتحدة.
ولعل هذا يفرض علينا أن نعود إلى نقطة البداية.
الحالة
الإسلامية في فلسطين قبل (1967)
كانت
الحالة الإسلامية في المناطق الفلسطينية بالضفة الغربية وقطاع غزة «قبل الاحتلال
الصهيوني عام ١٩٦٧» ضعيفة للغاية، فالخطاب الإسلامي لا مجال له خارج المسجد.
والمساجد كانت محدودة العدد متواضعة الإمكانيات وفاعليتها عدا تأدية الصلاة وتشييع
الجنائز. تكاد تكون شبه معدومة ولا يتردد
عليها في الغالب إلا كبار السن الذين يودعون الحياة.
لقد
كان هناك بعض الشخصيات التي تنتمي إلى حركة الإخوان المسلمين ولكنها كانت مقيدة في
حركتها وخطابها بسبب الحظروالرقابة المشددة التي فرضتها المخابرات المصرية
والأجهزة التابعة لها في قطاع غزة. أما بالنسبة للضفة الغربية فقد كان الوضع أفضل
بالنسبة لعناصر الحركة حيث كان الملك الأردني قد بنى نوعًا من العلاقة القائمة على
التفاهم والأحترام مع حركة الإخوان في الأردن، بإعتبار أن شرعيته السياسية هي
بالأساس مرتبطة بالمكانة الدينية للإسرة الهاشمية والتي ترى في الدين عنصرإستقرار
وتمكين لوجودها، وليس عنصر نفي وتناقض أيديولوجي تتصارع معه كما فعلت مصر.
الناصرية في الستينيات حيث دخل الرئيس
«جمال عبد الناصر» في مواجهات وصدامات مع حركة الإخوان تمخض عنها أعتقالات لعشرات
الآلاف والإعدام والقتل للمئات من أتباعها.
الصحوة
الإسلامية بعد الهزيمة
ومع هزيمة يونيو من عام (1967) سقط عبد الناصر وإنهارت
أطروحات القومية، ثم بدأ عهد جديد في مصر مع مجيء أنورالسادات الذي سمح ببعض أجواء
الحرية للحركة الإسلامية لأنه أيقن أنها الوحيدة القادرة على إزاحة
العناصراليسارية من الساحة فكريًا وجماهيريًا وهي العناصر التي كانت تشكل تهديدًا
لبقائه. كانت الحياة السياسية في مصر في بداية حكم السادات تشهد موجة من الانفتاح
الاقتصادي والحريات السياسية، وهو ما أتاح الفرصة لمعاودة حركة الإخوان المسلمين
التي خرجت كوادرها وقياداتها من السجون نشاطها . ولا
شك أن هذا النشاط الإسلامي داخل الشارع المصري وفي الجامعات كان له إنعكاسات واضحة
على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. فالشخصيات الإخوانية أخذت في
الظهوروالتحرك لدعوة الناس للعودة إلى الله ومطالبتهم بإعادة تنظيم أنفسهم وترتيب
صفوفهم، وتعزيزوحدتهم الوطنية لمواجهة الإحتلال والحفاظ على هويتهم الدينية. وقد
نجحت هذه الجهود الإخوانية في تنظيم مجموعة من الشباب كانت هي النواة الأولى التي
أعادت الروح لحركة الأخوان في قطاع غزة وخاصة بعد أن سافر الكثير منهم لإستكمال
تعليمهم بالجامعات المصرية والإحتكاك الميداني بقيادات الإخوان وكوادرها الطلابية
بالجامعات وكانت سنوات السبعينيات قد شهدت قفزة واسعة من النشاط الإسلامي داخل
الجامعات المصرية تركت بصماتها على حركة الوعي الإسلامي بين هؤلاء الطلاب
الفلسطينيين. وكان لعودة هؤلاء الطلاب للقطاع بعد تخرجهم
وحصولهم على الشهادات العليا في مختلف التخصصات العلمية والأدبية، إضافة للخبرات
الدعوية، إسهام في دخول القطاع مرحلة جديدة من النشاط الإسلامي لم يسبق لها مثيل.
وقد نجح هذا الكادر الإخواني الشاب في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلين في تحقيق
صحوة إسلامية في كافة مرافق الحياة الاجتماعية والتعليمية والمهنية. ونشطت حركة
بناء المساجد وإعمارها وتحول المسجد من مكان مقصور على الصلاة إلى مركز للنشاط
الإسلامي، حيث كانت دار فيه حلقات الدروس والمحاضرات ويتم تلقف الكفاءات القادرة
على العطاء والتميز ودفع العمل الإسلامي للأمام.
أبو
مرزوق.. السيرة الذاتية
نشأ الدكتور موسى أبو مرزوق في إحدى مخيمات
اللاجئين بمدينة رفح الواقعة على الحدود الجنوبية لقطاع غزة مع جمهورية مصر
العربية وقد أنهى مراحل دراسته الإبتدائية والإعدادية في المدارس التابعة لوكالة «غوث»
وتشغيل اللاجئين «الأونروا» ثم اضطر للسفر بعد نكسة عام (1967) إلى الأردن ولم
يتمكن من العودة بسبب ظروف الإحتلال وبعدها سافر إلى القاهرة وحصل من هناك على
شهادة الثانوية العامة حيث ألتحق بعدها بجامعة حلوان وتخرج بشهادة بكالوريوس في
الهندسة الميكانيكية سنة( ١٩٧٦) سافر بعدها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة حيث
عمل هناك في وزارة الكهرباء ثم في شركة للزجاج والألمنيوم وكذلك في شركة نفط
الإمارات «أدنوك» وفي عام (1978)
سمحت السلطات الإسرائيلية له بالدخول إلى قطاع غزة بتصريح زيارة، وقد إتاحت له هذه
الزيارة الخاطفة الإلتقاء مرة ثانية بالشيخ أحمد ياسين والتعرف منه على أحوال
العمل الإسلامي بالقطاع والإحتياجات التي يتطلبها للمراحل القادمة. وقد ساهم د.
أبو مرزوق بعد ذلك في الجهود التي أفضت إلى تأسيس جامعة غزة الإسلامية، كما استثمر
فترة وجوده كذلك بعقد قرانه على السيدة نادية العشي «وهي من إحدى العائلات
المعروفة في غزة» وكانت تربط د. أبو مرزوق صداقة إسلامية بشقيقها الدكتور منير
خلال سنوات الدراسة بمصر. وجاءت السيدة نادية مع زوجها بعد ذلك إلى أمريكا، وحصلت
على البطاقة الخضراء الإقامة الدائمة، عن طريق اللوتري، وعن طريقها تمكن د. أبو
مرزوق هو الآخر من الحصول على تلك البطاقة. وكان لها فضل في تسهيل الكثير من
أعماله التجارية بالولايات المتحدة.
«فلسطنة»
الضمير الإسلامي بأمريكا
خلال
فترة الخمسينيات والستينيات كانت الغالبية العظمى من المسلمين بالولايات المتحدة
هي من الطبقة العمالية الكادحة التي لاتنصرف إهتمامات أفرادها بشكل عام خارج
شؤونهم العائلية، وربما تقتصر أمورها الدينية على صلاة الجمعة بالمسجد. ثم
شهدت سنوات السبعينيات بعض الأنشطة الإسلامية الطلابية، ولكنها ظلت قاصرة في
أهدافها على التعارف وجلسات السمو الروحي لتجاوز هموم الغربة والحفاظ على
الطهروالإيمان أمام الإغراءات والمفاتن. في أوائل الثمانينيات أستطاع بعض الشباب
الفلسطيني من ذوي الأنتماءات الإسلامية الحصول على منح دراسية من بعض دول الخليج
لإستكمال تحصيلهم العلمي في الدول الغربية وخاصة بالولايات المتحدة الأمريكية،
وكان من بين هؤلاء الشباب د. موسى أبو مرزوق والمهندس الشهيد إسماعيل أبو شنب
وأخرون كان لهم الفضل في تحريك وعي الجالية المسلمة بأهمية ومركزية قضية فلسطين،
وبضرورة دعم نضالات الشعب الفلسطيني للتخلص من الاحتلال. وعندما أندلعت الأنتفاضة
الفلسطينية الأولى في الثمانينيات كان هناك على الساحة الأمريكية جيل من
الفلسطينيين والمسلمين الأمريكيين مسكون بالهم الفلسطيني يعيش المعاناة الفلسطينية
يومًا بيوم، ويتحرق من أجل العمل لفلسطين والمسجد الأقصى الأسير. ومن هنا فليس
بمقدور أحد نكران حقيقة أن هناك الكثير من الجهد قامت به العناصر الإسلامية
الفلسطينية لتفعيل إهتمامات الجالية ومؤسساتها بضرورة تقديم الدعم للإنتفاضة لهذه
العناصر. ولاكثر من عقد من الزمان تحركت.
ونجحت في عملية «فلسطنة ضمير العرب والمسلمين» بالولايات المتحدة، بحيث أصبح من
الصعب على أي مؤسسة إسلامية أن يكتب لمشروعها النجاح دون أن تكون قضية فلسطين
حاضرة في نشاطها وإهتمامات القائمين عليها.
وفي
أوائل التسعينيات كان أنتماء بعض الكوادر الفلسطينية الإسلامية «مثل د. أبو مرزوق
والمهندس إسماعيل أبو شنب » لحركة حماس بعد أن أنهت سنوات الدراسة بالجامعات
الأمريكية سبباً للأتهامات الصهيونية بوجود تنظيم إرهابي لحماس في أمريكا لقد كانت
هذه الأدعاءات والأتهامات الصهيونية سببًا في قيام جهاز التحقيقات الفيدرالي «إف
بي أي» بمداهمة وإغلاق العديد من المؤسسات الإسلامية الخيرية وكذلك إعتقال وترحيل
العديد من الشخصيات الفلسطينية الإسلامية، وممارسة الضغوط على البعض الآخر.
استهداف
العمل الإسلامي في أمريكا
منذ
أوائل التسعينيات والأجهزة الأمنية الإسرائيلية تحاول تشويه صورة الإسلام والعمل
الإسلامي في أمريكا، وذلك بدعوى أن المسلمين في أمريكا يدعمون حركات المقاومة
الإسلامية في فلسطين وخاصة حركتي حماس والجهاد الإسلامي كما زعمت نفس الجهات أن
بعض المؤسسات الأمريكية - الإسلامية التي يشرف عليها فلسطينيون ترعى «الإرهاب»
وتساهم في جهود الإغاثة الإنسانية بتقديم المساعدات المالية والدعم المعنوي للإنتفاضة
الفلسطينية. وظلت هذه الاتهامات تشتد وتتوسع وتم على أثرها قيام الـ «إف بي أي» بالتحقيق مع العديد من النشطاء
الفلسطينيين على الساحة الأمريكية، إضافة إلى إعتقال البعض ثم الإفراج عنهم أمثال
الدكتور «عبد الحليم الأشقر وإسماعيل البرعصي» بعد أن فشل الكيان الصهيوني في
إثبات التهم الموجهة ضدهم، وبعد أن استطاع هؤلاء تأکید براءتهم في المحاكم
الأمريكية.
ويمكن
القول بأن هذه الحملة الصهيونية التي استهدفت العناصر الفلسطينية، وحاولت ربطها
بحركات المقاومة الإسلامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو الإيحاء بوجود تنظيم
لها داخل أمريكا، إنما جاءت على خلفية وجود صداقة أو تعاملات مالية للدكتور أبو
مرزوق علاقة معها في مراحل سبقت إرتباطه الرسمي بحركة حماس. لقد ذهبت كل تلك
المحاولات من الأدعاءات والتحريض أدراج الرياح، وكان القضاء الأمريكي - انذاك -
عادلًا نسبيًا ونزيهًا إلى حد ما، ولم تنجح الضغوط الإسرائيلية في التأثير على سير
العدالة. وبقيت الثقة لدى الجاليتين العربية والإسلامية في القضاء الأمريكي كبيرة
بالرغم من الظلم الذي وقع على بعض الفلسطينيين جراء تصديق الإدعاءات الصهيونية،
ولكن تبقى الحقيقة أن إدارة الرئيس بيل كلينتون تعاملت مع هذا الملف بكامل الذكاء
والحكمة، ولم تأخذ بكل التهم والتحريض الصهيوني، وتركت للقضاء الحرية المطلقة
للتعامل مع ملفات المتهمين، والتي أنتهت بالإفراج عنهم أو ترحيل بعضهم إلى البلاد
التي جاءوا منها. وقد صاحب
هذه الإجراءات بعض الإحتجاجات والشكاوي التي إنعكست على مواقف الجالية خلال
انتخابات الرئاسة الأمريكية عام (2000). ولعل السبب في توجه معظم الناخبين
المسلمين إلى إعطاء أصواتهم المرشح الرئاسة عن الحزب الجمهودي جورج بوش الابن هو
ذلك الوعد الذي قطعه على نفسه عندما ألتقى عددًا من قيادات الجالية الإسلامية بأنه
في حال نجاحه، فإن إدارته ستعيد النظر في قانون «الأدلة السرية» الذي تكاثرت شكوى
الجالية العربية والإسلامية منه، إضافة إلى الحالات المتكررة من المضايقات التي
كانت تتم في المطارات للأشخاص من ذوي أصول الشرق الأوسطية تحت ما تم التعارف عليه
بمصطلح «التصنيف على الشبهة» والحقيقة أن الجالية العربية الإسلامية قد ساهمت بشكل
كبير في النجاح الذي حققه بوش بفوزه بالرئاسة. ولا يخفى على أحد الفرحة التي عمت
أوساط الجالية بعد هذا النجاح. إلا أن مظاهر التفاؤل والفرح لم تدم طويلًا، ولعله
من العجائب أن تقع أحداث الحادي عشر من سبتمبر المأساوية في نفس اليوم الذي كانت
فيه قيادات الجالية العربية والإسلامية على موعد للإلتقاء بالرئيس بوش في البيت
الأبيض لتتلقى منه الشكرعلى دعمها له في حملته الانتخابية، وإعادة التأكيد من طرفه
على وعوده التي قطعها على نفسه إبان الحملة الإنتخابية بتخفيف المضايقات عنهم،
والتي تجسدت - أنذاك - بقانون «الأدلة السرية» ولكن بعد الحادي عشر من سبتمبر واتهام
مسلمين بأنهم خلف هذا العمل تغير كل شيء وأنقلبت الموازين وأنطلقت أيدي الأجهزة
الأمنية لملاحقة الناشطين المسلمين ومداهمة وإغلاق المؤسسات الخيرية. وعاشت
الجالية منذ ذلك الحدث المأساوي أسوأ أيامها كلحًة وسوادًا، وساد الأعتقاد بأن
الرئيس بوش قد تخلى عن وعوده وقلب للمسلمين ظهر المجن، وأن العناصر الصهيونية قد
وجدت فرصتها لتصفية النشاط الإسلامي المعادي للكيان الصهيوني المتعاطف مع الإنتفاضة
الفلسطينية. وأخذ الناس يدركون أن الأجندة الصهيونية لتجريم وإدانة عناصر ومؤسسات
إسلامية قد وجدت لها أخيرًا. أذانًا صاغية لدى أجهزة الـ «إف بي أي» وأن هذه
الأجهزة تتعاطى بالقبول مع كل المعلومات التي تزودها بها أجهزة الموساد.
خلال
هذا السرد التاريخي سنحاول الإجابة عن الكثير من الأسئلة المتعلقة بكيفية إرتباط
النشاط الإسلامي في أمريكا بقضية فلسطين، وتبيان خلفية بعض المظاهر والعناوين التي
أفتعل من ورائها الكيان الصهيوني ضجة ضخمة حول وجود علاقات لمؤسسات إسلامية
أمريكية مع تنظيمات وخلايا مرتبطة بحركتي حماس والجهاد الإسلامي وأن هذه المؤسسات
تعمل كبنية تحتية لدعم الحركات الإرهابية متخذة من العمل الإغاثي غطاء
لتبريرعمليات جمع التبرعات، وتقديمها – بعد ذلك - كمساعدات لتلك الحركات عبرمؤسسات
وجمعيات معروفة بالمناطق الفلسطينية المحتلة!
تزايد
الاهتمام الإسلامي بفلسطين في أمريكا خلال السبعينيات بدأت تظهر مؤسسات إسلامية
على الساحة الأمريكية وشرعت هذه المؤسسات بعقد مؤتمرات سنوية لجمع شتات المسلمين
الموزعين في العديد من الولايات على شكل أفراد أو تجمعات طلابية صغيرة. وكان يحضر
للمشاركة في هذه المؤتمرات قيادات إسلامية حركية وعلماء مسلمون من شتى بقاع
العالمين العربي والإسلامي، وكانت تثار في هذه المؤتمرات قضايا الاضطهاد والمظالم
التي يتعرض لها المسلمون في شتى بقاع العالم، وخاصة في كل من« فلسطين وكشمير»
إضافة للمحن والقهر وإنتهاكات الحقوق المدنية والسياسية التي تمارسها بعض الأنظمة
الدكتاتورية ضد الجماعات والحركات الإسلامية التي تنادي بالإصلاح في العديد من
الدول العربية.
وحيث
إن قضية فلسطين لخصوصيتها الدينية المستمدة من مكانة المسجد الأقصى أولى القبلتين
«كانت الأهم على أجندة هذه المؤتمرات فقد فكرت بعض القيادات الإسلامية» الأمريكية
بالعمل على إنشاء مؤسسة إسلامية تختص بالتعريف بالقضية الفلسطينية وحشد الدعم
والتأييد لها، وكان من بين هؤلاء البروفيسورإسماعيل الفاروقي والدكتور علي مشعل
والشيخ محمد الحانوتي والدكتور سامي العريان. وقد لاقت هذه الفكرة استحسانًا لدى
العديد من الناشطين الفلسطينيين إضافة إلى مباركة الجالية الفلسطينية لها. وانطلق
الاتحاد الإسلامي لفلسطين، في بداية العام (1980)
ونال ثقة معظم المؤسسات الإسلامية العاملة على الساحة الأمريكية أنذاك.
في
تلك الفترة التي شهدت نشأة الأتحاد في تلك الفترة التي شهدت نشأة الأتحاد الإسلامي
لفلسطين، جاء المهندس موسى أبو مرزوق مع عدد من الشباب الفلسطيني من ذوي الاتجاه
الإسلامي إلى أمريكا، بعد حصولهم على منح دراسية قدمت لهم من بعض الدول الخليجية،
بهدف استكمال دراساتهم العليا الماجستير والدكتوراه في إطار مشاريع توفير الدعم للفلسطينيين
الذين يعيشون في الغربة والشتات وكفلسطيني عاش سنوات الحرمان والتشرد في المخيم ظل
د. أبو مرزوق يتذكر المأساة الفلسطينية ويعيش بكل وجدانه المعاناة اليومية
للفلسطينيين تحت الإحتلال الصهيوني. وقد ساهمت هذه المشاهد والمآسي الدرامية بشكل
كبير في تشكيل شخصيته الوطنية ورسخت شعوره بالانتماء لشعبه وقد أضافت إليها نشأته
الدينية وتعلقه بمجتمع المسجد «مسجد الهدى»
الذي كان لا يبعد كثيرا عن بيته وكان يتردد عليه يوميًا في مدينة رفح خلال فترة
شبابه إحساساً إضافيًا بحجم الأعباء والإلتزامات الملقاة على عاتقه كفلسطيني صاحب
قضية تحتاج منه عمل الليل والنهار لتحريرأهله وشعبه من نيرالغحتلال الصهيوني، وقد
كان د. أبو مرزوق في شبابه شخصًا واسع الاطلاع ومشهودًا له بالذكاء بين أقرانه،
ولذلك كان دائمًا من السهل عليه أن يتميز بينهم، ويحظى بمكانة قيادية متقدمة وخاصة
في الأوساط الفلسطنيية والإسلامية، وكان خلال سنوات الدراسة بأمريكا كثير الحركة
والنشاط يتنقل من مدينة إلى أخرى لإلقاء الدروس والمحاضرات والمشاركة في المؤتمرات
الإسلامية والأنشطة الطلابية عن فلسطين. وقد منحه هذا التحرك والنشاط مجالًا
واسعًا لإكتشاف الكثير من الطلاب الفلسطينيين من ذوي الكفاءات والطاقات وكذلك
التعرف إلى أهل الخير من أصحاب المكانة والإمكانيات. لم يكن صعبًا على شخص مثل د.
أبو مرزوق أن يكتشف طريقه للأتحاد الإسلامي لفلسطين، إذ سرعان ما أصبح جزءا أساسيا
من أليات الحراك والتطوير لهذه المؤسسة الوليدة. لقد أقتصر نشاط الاتحاد الإسلامي
لفلسطين في بداية أنطلاقته على المحاضرات داخل المساجد والمراكز الإسلامية، وكذلك
على المشاركة بالأنشطة الطلابية في الجامعات مع إصداره المجلة شبه فصلية باسم
«طريق فلسطين» سرعان ما تحولت إلى مجلة شهرية باسم «فلسطين الغد» ثم تغير اسمها
بعد ذلك ليصبح مجلة «إلى فلسطين» والتي أستمرت في الصدور قرابة عقد من الزمان قبل
أن يتم إستبدالها بصحيفة تصدر نصف شهريًا باسم « الزيتونة » مع ملحق خاص باللغة
الإنجليزية. كانت كل تلك المطبوعات تتناول الأخبار والتحليلات التي تتعلق
بالفلسطينيين وبمعاناتهم في الأراضي المحتلة ومخيمات الشتات، وقد نجح الأتحاد بجعل
القضية الفلسطينية حاضرة في معظم المؤتمرات الإسلامية على الساحة الأمريكية وقد
شاركت شخصيات إسلامية مرموقة مثل الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ عمر الأشقر والشيخ
راشد الغنوشي والشيخ عبد الله عزام والشيخ رائد صلاح والشيخ أحمد القطان في ربط
شعورالمسلمين في أمريكا بالهم الفلسطيني. وضرورة الإلتزام بتقديم الدعم المستمر
للاجئين الفلسطينيين، وخاصة في الأراضي المحتلة بالضفة الغربية وقطاع غزة، ولعل
جهود العلماء ساهمت في تكريس القناعة بمركزية القضية إستراتيجيات النشاط الإسلامي
الحركي.
ومع
اندلاع الإنتفاضة الفلسطينية في الثامن من ديسمبر (۱۹۸۷) تزايدت الاهتمامات والنداءات لدعم الشعب
الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبدأ الناشطون الإسلاميون «وخاصة من ذوي
الجنسية الفلسطينية » القيام بحملات لجمع التبرعات بهدف المساهمة في إغاثة جرحى الانتفاضة
وإعالة أسر الشهداء التي تجاوزت الآلاف في أقل من عامين.
كانت
المساجد والمراكز الإسلامية إضافة للمهرجانات والمؤتمرات هي الفرصة المناسبة لحث
الناس على التبرع لدعم انتفاضة الشعب الفلسطيني. وقد ساهمت التغطيات المتلفزة
لوسائل الإعلام الأمريكية في نقل مشاهد التخريب والدمار وحجم الخسائرالتي لحقت
بالشعب الفلسطيني، الأمر الذي دفع بالمزيد من تعاطف العرب والمسلمين في الولايات
المتحدة مع المحنة التي يعيشها الشعب الفلسطيني.
السلطة
تستخدم الألعاب المحرمة ومدني يتقدم إلى المجهول
المشهد
الجزائري قبل الانتخابات الرئاسية في ظل صراع الأجنحة وتصريحات عباسي مدني
الجزائر: فاروق أبو سراج الذهب
السلطة
تعيش أزمة شرعية تتوارى خلف بالونات أختبار تلقيها في الهواء لخلط الأوراق وربح
الوقت الساحة.
أحزاب
وشخصيات تنكأ الجرح الجزائري النازف وكأنها تعيش لحظات اللاوعي التاريخي.
مر
ما يزيد على عقد منذ بدأت الأزمة الفتنة في الجزائر التي راح ضحيتها أكثر من مئة
ألف جزائري وخلفت ملفات خطيرة على المجتمع أخطرها ملفات المفقودين والأرامل
واليتامى والعائلات التي أبيدت عن آخرها وكذا النساء المغتصبات والنازحين عن
أراضيهم ومساكنهم والكادر الجزائري الذي فر إلى الخارج خشية الإرهاب المزدوج.
ومع
كل ذلك فإن الجرح الجزائري ما يزال ينزف وبالرغم من أن الجميع أخذ الدرس وأعتبر
بالنتائج والمخلفات لكن البعض الآخر ما يزال يقتات من الأزمة ويبرر القتل والذبح
بمبررات سياسية وأخرى دينية استنفدت أغراضها مع الزمن بدخول الجزائر مرحلة جديدة
هي مرحلة ما بعد الإرهاب. لقد ظننا أن النزف في الجرح الجزائري ضمد
بإطلاق سراح قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ ممثلة في الشيخين عباسي مدني وعلي
بلحاج بعد مطالبة الطبقة السياسية الوطنية منها والإسلامية بضرورة الإفراج عنهما. مساهمة في إيقاف النزيف الدموي وتحقيق مشروع
المصالحة الوطنية، وبموافقة الشيخ عباسي مدني رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ على
الشروط العشرة التي وقع عليها، ثم تسليمه جواز السفر للتطبيب في ماليزيا، كان فأل
خير على الجزائريين لاسيما أن مسلسل الإرهاب يعيش أيامه الأخيرة في بعض المناطق
وأفعاله صارت معزولة جدًا. ونفس التفاؤل ساد في المجتمع الجزائري عندما سمع أن
الشيخ عباسي مدني سيقترح مبادرة للسلم والمصالحة تدعو من بقي من جماعات مسلحة إلى
الوئام والسلم، ولكن تصريحاته الإعلامية ذهبت بهذا التفاؤل حيث ظهر واضحًا أن
الشيخ عباسي مدني لا يزال متوقفاً عند لحظة توقيف المسار الانتخابي والإنقلاب على
إرادة الشعب عام (۱۹۹۱م)، حيث فازت
الجبهة بـ (183) مقعدا في البرلمان في الدور الأول وما يزال يعاني من جراح الماضي
وعذابات السجن.
السلطة
الجزائرية ولعبة الأحتفاظ بالزعيم
المراقب
للساحة السياسية الجزائرية وتاريخ تجربة الإستقلال الجزائري يلحظ أن النظام
الجزائري يتقن فن ولعبة الإحتفاظ بالزعيم ويوظفه كيف يشاء في الوقت الذي يريد.
فإستراتيجية التوظيف لدى النظام الجزائري للشخصيات المؤثرة باتت سياسة مفضلة لديه،
ففي عام(١٩٦٣م )عرفت الجزائر أزمة خانقة أستقال على إثرها الزعيم القبائلي أيت
أحمد من مجلس الثورة وقام بأعمال عنف في العاصمة وجبال منطقة القبائل «ولاية تيزي
وزو تحديدًا» وسجن على إثر ذلك ولكن السلطة الجزائرية لم تعاقبه بالقتل لأنه ما
يزال يلعب دورًا في المنطقة وسمحت له بالخروج أنذاك إلى أوروبا وبدأ يمارس العمل
السياسي وأصبحت منطقة القبائل الجزائرية رهينة تعليمات هذا الزعيم خصوصًا بعد
إنخراط حزبه «جبهة القوى الاشتراكية» في منظمة الأممية الإشتراكية وكانت أجنحة
النظام السياسي كلما أرادت أن تحسم أمرًا ويحدث الاختلاف يتم تحريك هذه الشخصية
للعب أدوار مجهولة وغامضة سرعان ما تنتهي وهكذا دواليك وهو نفس الدور الذي تم لعبه
مع الرئيسين أحمد بن بلة ومحمد بوضياف رحمه الله وصار هؤلاء فاعليات فردية يوظفها
النظام الجزائري بشعور منها أو بإلحاق لها في كل مرحلة وتتواصل الظاهرة السياسية
الجزائرية حتى تصل الي أزمة.
وفي
سنة (١٩٩٤) عين اليمين زروال رئيساً للدولة بعد إنتهاء عهدة المجلس الأعلى للدولة
هذا المجلس الذي عين بعد إغتيال الرئيس «محمد بوضياف رحمه الله» ولكن لما أراد
النظام الجزائري تنظيم انتخابات رئاسية أعلن عن انطلاق حوار«ظل» مع الشيخين عباسي
مدني وعلي بلحاج وحدث لغط كبير في الساحة الجزائرية بين أجنحة السلطة ولم يكن لهم
خيارات كثيرة حسب تصريحات اللواء خالد نزار في كتابه الأخيرحصيلة بوتفليقة «BOUTEFLIKA et son bilan»
وكان
الإعلان عن حوار«الظل» كان لعبة للضغط على الخصوم وبعد أشواط من الحواروكانت
الساحة الجزائرية أنذاك واقعة تحت
ضغط ضربات الجماعات المسلحة، وبعد حسم الأمر تقرر أن يكون اليمين زروال رئيسًا
للجمهورية بعد أن رفض عبد العزيز بوتفليقة. ثم أعلن عن فشل حوار «الظل» وأجريت
الانتخابات، وطوي ملف الجبهة الإسلامية للإنقاذ في خطاب للرئيس الجديد للجزائر
أنذاك اليمين زروال. وما تزال إلى اليوم لعبة الإحتفاظ بالزعيم
قائمة توظفها السلطة كلما دفعت الضرورة إليها فالفاعل السياسي في الجزائر أصبح
يمارس ذكاء سياسيًا خارقًا بحيث أستطاع أن يستخدم الجميع من أجل تحقيق نصاب البقاء
في السلطة.
تدافع
رئاسي في سفر عباسي
إن
تسليم جواز السفر للشيخ عباسي مدني بالرغم من أنه وقع الشروط العشرة التي من ضمنها
الامتناع عن التصريح السياسي وشروط أخرى يدخل في سياق الصراع المحتدم اليوم بين
رئاسة الجمهورية وقيادة أركان الجيش الوطني الشعبي أو بعض قياداته، وهذا الصراع
الذي أكده اللواء خالد نزار في كتابه الأخير لم تنفه قيادة الجيش الوطني الشعبي.
ذلك أنه عندما سافر عباسي مدني إلى ماليزيا بمبرر التطبيب صرح الجريدة السفير بأن
الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة هو الذي سلمه جواز السفر وتحدث عنه بخير
فأسماه «بالأخ».
الجدير
بالتحليل هنا هو المبادرة التي تحدث عنها الشيخ عباسي مدني وقال بأنها مبادرة تعني
الشعب الجزائري وقد سلمت القيادة الجيش الوطني الشعبي وكان موقفه إيجابيًا. ومن
جهة أخرى كذبت مصادرنا أن تكون قيادات في المؤسسة العسكرية الجزائرية قد تلقت
مراسلات ولو مسودة من الشيخ عباسي مدني تخص ما أسماه المبادرة، لإنهاء العنف
وإخراج البلاد من الأزمة السياسية التي تعيشها. وإن كان مدني الرجل الأول في جبهة
الإنقاذ قد أبدى رضاه عن تجاوب شخصيات في الحكومة الجيش وأطراف أخرى دون ذكرها
بالاسم أو الإشارة إلى مناصبها الاسمية، رغم تلقيه كما قال لمجرد إجابات شفوية شبه
إيجابية فإن المصادر ذاتها تذكر الشيخ عباسي، الذي حاول من خلال حديثه إيهام الرأي
العام بتمزق صفوف الجيش مثلما كان يفعل في بداية التسعينيات. ويرى المتتبعون
السياسيون أن السماح للشيخ عباسي مدني بالتصريحات الإعلامية والسفررغم أنه يقع تحت
طائلة القانون الذي يحظر ممارسة السياسة والإدلاء بالتصريحات وفق ما يتضمنه
محضرشروط النيابة العامة للمحكمة العسكرية الذي وقع عليه الشيخ عباسي مدني في
محافظة الشرطة بمحافظة الجزائر، بعد إنتهاء فترة العقوبة (١٢ سنة). يرى المتتبعون
أن الشيخ بدأ يرافع في إطار حملة انتخابية مسبقة لصالح سياسة الرئيس الحالي عبد
العزيزبوتفليقة الداعي إلى إقرارالمصالحة الوطنية كحل الأزمة الجزائر، والذي يريد
الحصول على فترة رئاسية ثانية رغم رفض فريق واسع من الفاعلين في السياسة الجزائرية
ذلك، وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الجزائر تعيش هذه الأيام على وقع صراع
مرير بين أجنحة النظام السياسي حول انتخابات الرئاسة القادمة (٢٠٠٤ سنة) وقد انقسم
الحزب الحاكم إلى فريقين، فريق يناصر فكرة الفترة الثانية للسيد عبد العزيز
بوتفليقة وهو الآن يسخر كل مؤسسات الدولة لتحقيق هذا الهدف ويعتبر السياسيون أن
تصريحات الشيخ عباسي مدني تدخل في سياق تحالف مع الرئيس بوتفليقة أو صفقة سياسية،
وهي الورقة المهمة التي ما يزال النظام السياسي يشهرها في وجه خصومه كلما احتاج
إليها. ولكن السؤال: هل يحقق عباسي ما يريد إذا كان يريد فعلًا؟ بالرغم من أن
الجبهة الإسلامية لدغت من الجحر عدة مرات، فمرة عندما أعطيت الاعتماد بغرض إحداث
الأنقسام داخل رابطة الدعوة الإسلامية التي كانت تجمع كل الإسلاميين تحت إشراف
الشيخ أحمد سحنون حفظه الله وشفاه ومرة أخرى عندما سربت إلى قيادته معلومات حول أن
قيادات الجيش معها أيام الإضراب السياسي «العصيان المدني» يونيو (1991م)
والذي أدى بعد ذلك إلى سجن قيادة الجبهة وبداية أعمال العنف والإرهاب، ومرة أخرى
عندما تفاوض الجيش الوطني مع الجيش الإسلامي للإنقاذ الجناح العسكري للجبهة
الإسلامية للإنقاذ(AIS)
الجناح العسكري للجبهة الإسلامية للإنقاذ «كما هم في مراسلاتهم
الداخلية » وتوصل الطرفان إلى الهدنة في أكتوبر (۱۹۹۷) والتي قالت عنها قيادة جيش الإنقاذ بأن فيها
شروطًا أبرزها إطلاق سراح قيادة الجبهة والسماح لها بالعمل السياسي.
ولكن بعد خمس سنوات صرحت قيادة الجيش الوطني الشعبي بأنه لم تكن هنالك شروط للهدنة
ووصفت قيادة الجبهة في الخارج «المؤتمر» بأن الهدنة لعبة مخابراتية وهي المنهج
الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وإنطلقاً من هذه الأمثلة فإن قيادات الجبهة الإسلامية
لم تأخذ الدروس بعد، فهي ما تزال منحبسة في خيانة سنة (١٩٩١م). كيف لا وقد دفعت
بعض قيادات الجبهة الإسلامية وعلى رأسهم علي جدي وبوخمخم وكمال قمازي إلى كتابة
بيان يطلبون فيه من علي بلحاج وعباسي مدنى الإلتزام بشروط المحكمة العسكرية
والمساهمة في الاستقرار. مبادرة فارغة وأحداث متسارعة والعبرة مؤجلة: ختامًا لحديث
لم يكتمل وعلى اعتبار أن المشهد السياسي الجزائري متقلب ومتسارع فإن المطلوب في
الحقيقة في هذا الظرف وحتى لا تتكرر الأخطاء ويستنسخ الفشل ونعود إلى النقاش
الصفري بعد أن تحقق قدر من الأنفراج للأزمة الأمنية فإنه إذا كانت هنالك ضرورة
للمبادرة فإن أهم ما فيها هو المساهمة في الأستقرار وطي صفحات الماضي وعدم
المزايدة بدماء الجزائريين، وإذا كان ذلك مسموحًا به في بداية التسعينيات فإن
الجرح الجزائري اليوم صارت تمیزه عائلات أبناؤها مفقودون ونساء مغتصبات بفعل
الأزمة وضحايا إرهاب من الأطفال والنساء والشيوخ. وأن يعتبر الجميع من كل ذلك
ويعملوا على رأب الصدع بالرغم من أن اليأس من المستقبل أصبح هو الصفة التي تلازم
الجزائريين لاسيما تصبح السلطة الجزائرية تعيش في أزمة شرعية وهي لا تقوى اليوم
حتى على أختيار مرشح عنها لرئاسة الجمهورية وتتوارى وراء بالونات أختبار تلقيها في
الهواء كل مرة من أجل خلط الأوراق وربح الوقت أكثر، وفي المقابل أحزاب وشخصيات
تنكا الجرح الجزائري النازف وتزايد وتبرر وكأنها تعيش لحظات اللاوعي التاريخي. إن
الرغبة في البقاء غريزة كونية فطرية ولكن ليس على حساب النوع البشري، كما أن أخذ
الحقوق يقتضي عملًا سياسيًا سلميًا نحو تغيير الواقع بعيدًا عن لغة الاستنزاف
للآخر في سياق أحداث تاريخية أقل ما يقال عنها أنها حرجة وخطيرة.
الفاعل السياسي الجزائري
إن معظم النار من مستصغرالشرر، ولعبة الإحتفاظ
بالزعيم تم توظيفها وقد تنجح مع البعض ولكن قد تكون بالنسبة للآخرين فرصة للعودة
إلى الصفر، وعند خوض صراع طويل فإن المواجهة تفقد حدتها ويفقد الإصرار نبضه، ولخوض
حرب رابحة لابد من معرفة مساوئ الحرب جيدًا، والمنتصرون يدرسون في مركز قيادتهم عددًا
كبيرًا من العوامل قبل الدخول في الصراع والمنهزمون يدرسون في مركز قيادتهم عددًا
قليلًا من العوامل قبل الدخول في الصراع. وتبقى دائمًا الحسابات الكثيرة تجلب
النصر والحسابات القليلة تجلب الهزيمة، فكيف إذن بمن لا يحسب أبدًا ، ذلك أن الظرف
ينتج عنه القياس، والقياس ينتج عنه تقدير التكاليف، والتقدير ينتج عنه تحليل القوى
والتحليل ينتج عنه حساب الاحتمالات والحسابات ينتج عنها خطة النصر، وعمومًا فإن
المباشرة تؤدي إلى الإشتباك، والمفاجأة تؤدي للإنتصار. ولا يغيب الفهم عن ذوي
البصائر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل