; حكايات رمضانية | مجلة المجتمع

العنوان حكايات رمضانية

الكاتب تيسير أحمد الزايد

تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2007

مشاهدات 98

نشر في العدد 1772

نشر في الصفحة 54

السبت 06-أكتوبر-2007

(*) كاتبة كويتية

وراء كل باب قصة أبطالها أنتم ونحن.

الحكاية الأولى

بيت العم

«كل يوم تريد أن تذهب إلى بيت عمك لتناول الإفطار! أنا أخجل أن أتصل بهم يوميًّا لأقول لهم: إن يوسف يريد أن يفطر عندكم».

وأمام إصرار يوسف انهزمت الأم، وقامت إلى هاتف المنزل لتتصل لخامس مرة على التوالي ببيت العم من أجل يوسف. 

مرت أيام على هذا الحال، ما بين إصرار يوسف وثورة الأم التي غالبًا ما تتنازل في النهاية، ولكن دائمًا كان لديها فضول لمعرفة سبب حب يوسف للذهاب لمنزل العم الذي لم يكن بأفضل حال من منزلهم، وفي الحال قادها تفكيرها إلى السر أكيد طعام زوجة العم أفضل من طعامي، دبت الغيرة في قلب الأم، وقررت أن تعيد ابنها إلى مائدة طعامها الرمضانية، والتي كانت الفرصة الوحيدة التي تجتمع فيها الأسرة، ففي غير رمضان يعود كل فرد في وقت مختلف عن الآخر ويتناول طعامه بمفرده. 

ثلاثة كتب، ووصفات عدة أخذتها من جاراتها وصديقاتها: كانت أسلحة أم يوسف في حربها لإعادة ابنها، اختارت ما يحب يوسف وأعدت طاولة متنوعة، ودون أي نقاش أخبرت ولدها أنها تعد له مفاجأة على الإفطار.

وبعد أذان المغرب، جلس الجميع على المائدة يأكلون بهدوء، وكان هناك شخصان يرقب كل منهما الآخر.

بدأ يوسف بتناول الطعام، وعلى طرف المائدة الآخر كانت أعين أم متعبة تنتظر نتيجة عملها، وكلما مر الوقت ازدادت العينان توترًا حتى بدأ اليأس يدب في قلب الأم، لماذا لا تبدو السعادة على وجه ولدها؟! وفي لحظة انهيار صرخت الأم:

كيف أرضيك؟! قل لي ماذا تريد، وسوف أقوم بإعداده، تحولت أعين الجميع إلى الأم التي كانت في أضعف حالاتها، وليس إلى يوسف الغاضب، وتدخل الأب ليعرف ما القصة، والتي قصتها الأم بكل عصبية، فالتفت بهدوء ليسأل يوسف عن سر هذا الحب، فرد الابن قائلًا: «إنهم يتكلمون».

سكت الجميع، فلقد كانت الإجابة مفاجأة لهم، «نعم إنهم يتكلمون، ويضحكون وهم يأكلون، أما أنتم ففيلم صامت». 

وفي وسط سكون الجميع تعالت ضحكات الأم، وتغيرت تعبيرات وجوه جميع أفراد الأسرة التي أيقظها يوسف من سكونها!

الحكاية الثانية

أول مرة!

حائرة تقف أمام هذا المجهول الذي عليها أن تتعرف عليه لأول مرة، أكياس صغيرة وكبيرة وضعها زوجها على الطاولة مطالبًا إياها بما لم تعتده من قبل «وجبة إفطار للأصدقاء هذا المساء».

بدأت الدموع تنهمر من عينيها كلما مر الوقت، ليس من تقطيع البصل بل من شعور الضياع الذي بدأت تشعر به وهي بعيدة عن أمها وأسرتها، فلم يكن قد مر على زواجها سوى بضعة أشهر قضت معظمها في بيت أهلها وبيت أهل الزوج ومتنقلة بين بعض المدن لقضاء إجازة زوجها، ثم استقرا بالخارج ليكمل الزوج دراسته.

كل ما أمامها غريب بل مخيف فكيف ستمسك بقطع اللحم هذه لتغسلها؟ وكيف تقطع بالسكين؟ بل ماذا ستعد من طعام؟ أسئلة كثيرة حملتها وأسرعت بها لأمها توقظها باتصال دولي في وقت متأخر من الليل.

مرت فترة حتى استوعبت الأم «الفزعة» ما بابنتها التي كان بكاؤها يسبق كلامها، أغلقت كل منهما الهاتف دون التوصل إلى شيء، فلم تكن الابنة بحاجة إلى وصفة طعام، بل كانت بحاجة إلى دورة كاملة في الطهي.

لم يكن الاتصال مجرد مكالمة بالنسبة للأم، فلم يكد يأتي ظهر اليوم التالي حتى كانت الأم بانتظار بناتها العائدات من الجامعة والمدرسة لتصطحبهن في رحلة إلى عالم المطبخ، ورغم صيحات الرفض إلا أن الأم كانت مصممة على تدريبهن على أعمال المنزل، تنحت الخادمة جانبًا، وبدأت كل بنت تأخذ دورها في المطبخ وإن كان صغيرًا.

أما الابنة الكبرى، فقد عاد الزوج ليجد نهرًا من الدموع ينتظره، وعليه أن يتعامل معه، وبكل حنان شمر ساعديه، ووقف في المطبخ يعيد ذكريات ما قبل الزواج، ولكن هذه المرة كانت بجانبه تلميذته الصغيرة التي تساعده في إعداد وجبة الإفطار!

الحكاية الثالثة

حاجة ورغبة!

أيام رمضان كغيرها بالنسبة له، لا يطرأ عليه سوى بعض الجوع الذي ينتابه أحيانًا، أو بعض الصداع الذي يتغلب عليه ببعض الأقراص المسكنة التي يتناولها عند وجبة «السحور»، وهو ليس مضطرًا لأن يغير أي شيء في حياته من أجل أحد، فكل فرد من أفراد أسرته كيان قائم بذاته، فالزوجة لها حياتها المرتبة المنظمة، وجداولها مسبقة الإعداد والتي لم يكن هو أحد أعمدتها، وأبناؤه، وإن كانوا صغارًا، فهم قادرون على القيام بمتطلباتهم، فالسوق ممتد عبر شارع طويل أسفل المبنى السكني الذي يقطنونه ومليء بكل ما يحتاجونه. 

كانت الأيام تمضي به دون أن يشعر بأن هناك من يحتاج إليه، أو ينتظر عودته بالتحديد من يشعره بالرغبة فيه، حتى جاء اليوم الذي توفى فيه والده قبل رمضان بعدة أيام، مما دفعه ليأخذ والدته للعيش في منزله.

رحب الجميع بالجدة، التي مع وجودها تغير جو المنزل، فالجميع يجتمع على الإفطار من أجل الجدة، والكل يساعدها في حركتها، أما الصلاة بجانبها فكان إغراء كبيرًا للصغار، أما هو فكان عليه أن يعود مبكرًا ليجلس بجانبها، ويضبط لها برامج التلفاز التي تحبها، ويستمع لها ويتحدث معها.

ومع مرور أيام رمضان، كانت الجدة بمثابة النواة التي جذبت الجميع حولها، فحكاياتها عن أيام زمان كانت مصدر سعادة للصغار، ودعواتها لأحفادها في المساء كانت دائمًا مطلبًا للأبناء الكبار، والزوجة أحست بالمنافسة فبدأت بالعودة إلى مملكتها، أما هو فقد كان له النصيب الأكبر من كل هذا إذ شعر أخيرًا بأن هناك من هو في حاجة له، ويرغب في وجوده!

الحكاية الرابعة

أحمد ومحمد

اختلفا منذ سن الشباب على أمور كثيرة، وتبنى كل منهما فكرًا مختلفًا عن الآخر رغم نشأتهما في بيت واحد، وتربيتهما بيد نفس الأم والأب.

كانت علاقتهما ضعيفة، حتى بعد أن أسس كل منهما عائلته الصغيرة، ولهذا كان من الصعب أن يلتقي أبناء العمومة، بل كان أي اجتماع في بيت الجدة يشوبه الكثير من التوتر، إلى أن أصبح لكل عائلة يوم خاص للزيارة.

أحيانًا تحدث أمور صغيرة تجعلنا نعيد حساباتنا الماضية، وتدفعنا للتفكير في أسباب ما اعتدنا القيام به، بسبب عدم الرغبة في التنازل.

«أتعرف يا أبي من رأيت اليوم في صلاة التراويح؟» قالها الابن الأكبر وهو يتناول طعام «السحور» مع والده.

«لقد رأيت عمي في الصف الذي ورائي، وألقيت عليه التحية، ولكنه كان في عجلة من أمره فلم أتحدث معه شيء؛ غريب، أليس كذلك؟!»

صمت الأب ولم يبد أي تعليق، ذهب إلى سريره وكان القلق صاحبه في هذه الليلة، «أخي يصلي؟ منذ متى؟ لم يخبرني»، وشعر برغبة عارمة في أن يتصل به بل أن يحتضنه، وهم بأن يقوم إلى هاتفه ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، وأجل الموضوع للصباح.

أحمد، كيف حالك؟ لقد أخبرني ابني أنه رآك أمس بالمسجد.

نعم لقد سلمت عليه. 

أنت، أنت، تصلي؟

ماذا؟

أقصد، لم أكن أعرف أنك تصلي.

أعتقد أنه شأن خاص بي وحدي.

لكن أفكارك التي طالما أبعدتنا!

قلت «أفكار» وليست عقيدة، وقد آثرت دائمًا أن تبتعد ولا تناقشني أو تفهمني!

متى أراك؟

عندما أشعر أني قادر على نسيان ما قلته عني في الماضي.

آسف.

أغلق محمد الهاتف، وأخذ يفكر كيف يرأب الصدع الذي بينه وبين أخيه، وهل سيكون في العمر متسع لأن تولد الإخوة في قلبيهما من جديد، أمنية عاش يحلم بها ويتوق إليها!

وإن كان لديكم حكايات رمضانية خاصة، فيسعدنا أن تشاركونا بها على البريد الإلكتروني التالي:

myusrah@yahoo.com

الرابط المختصر :