; حقيقة قضية المهدي | مجلة المجتمع

العنوان حقيقة قضية المهدي

الكاتب د. إسماعيل الشطي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-ديسمبر-1979

مشاهدات 98

نشر في العدد 462

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 11-ديسمبر-1979

•المهدي لا يفتعل أدواره بل يظهر بصورة طبيعية

•المهدي قضية غيبية ليست من مواطن الاجتهاد

•أهم شرط لمعرفة المهدي هو وفاته بعد حكم يدوم سبع سنوات على الأرجح

•المهدي ليس من علامات الساعة الكبرى

أحداث مكة الأخيرة طرحت قضايا كثيرة من قضايا الفكر الإسلامي.. وأبرز هذه القضايا التي طرحت قضية المهدي.. ذلك أن أبرز ما في هذه الحادثة بعد انتهاك الحرم، زعم أحد الناس بالمهدوية.. تساءل الناس عن هذه القضية.. ما هي قضية المهدي؟ وما هي حقيقتها في المصادر الإسلامية؟؟ وإن كان لها حقيقة في المصادر الإسلامية فكيف يمكن صياغتها بطابع فكري نستطيع أن نخاطب به هذا العصر الملتوي؟ 
هذه أسئلة من الجميل جدًا الإجابة عليها.. فقضية المهدي لا تزال بين جاهل بها أو منكر لها أو غير مطمئن منها أو فعال بها. فأين تكمن الحقيقة؟

•حقيقة قضية المهدي في المصادر الإسلامية:

1-    المهدي هو أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين.. وهو محمد أو أحمد بن عبد الله وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن سعود:

«لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلًا من أهل بيتي.. يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي.. يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا» «۱». 

2-    وهو من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.. أي أن نسبه يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم.. والمصادر الإسلامية الصحيحة تحدد بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذرية عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. بل أنها تحصرها في أربعة بيوتات من بيوتات عبد المطلب.. تحصرها بآل علي بن أبي طالب وآل عقيل بن أبي طالب وآل جعفر ابن أبي طالب وآل عباس بن عبد المطلب.. وذلك من حديث زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين.. أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به.. فحث على كتاب الله ورغب فيه.. ثم قال: وأهل بيتي.. أذكركم الله في أهل بيتي..

فقال حصين للصحابي الذي يروي الحديث وهو زيد: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته..؟

قال: نساؤه من أهل بيته.. ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده.

قال حصين: ومن هم؟

قال: آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس؟

قال حصين: كل هؤلاء حرم الصدقة؟

قال: نعم» «2».

نستأنس بالرأي القائل

إنه من آل علي بن أبي طالب من زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لحديث أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«المهدي من عترتي من ولد فاطمة» (إسناده جيد).

وأولاد فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم هم الحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين.. وجاءت روايات غير موثقة تقول إن ولد فاطمة المقصود بالحديث هو الحسن.. وذلك لقول علي رضي الله عنه:

«ونظر إلى ابنه الحسن فقال: إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم صلى الله عليه وسلم.. يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق» (ضعيف). 

حددت المصادر الإسلامية بعض أوصافه الجسمية.. وأوثق ما ورد فيها أنه أصلع مقدمة الرأس.. أي نصف أصلع، أو منحصر الشعر إلى منتصف الرأس.. واسع الجبهة.. أنفه محدد.. وسطه مرتفع.. طرفه سابغ.. هذا ما ورد في حديث أبي سعيد الخدري من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«المهدي مني.. أجلى الجبهة.. أقنى الأنف.. يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا ويملك سبع سنين» (إسناده جيد) كما قال الألباني:

5- وردت روايات كثيرة حول خروج المهدي وكيفية بروزه.. ولكن معظمها غير موثق.. أي بلغة أهل الحديث غير صحيح.. فمثلًا ورد أن أناسًا من المشرق يكونون سببًا يوطئ لانتصار المهدي وذلك من حديث عبد الله بن الحرث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: 

«يخرج ناس من المشرق يوطئون للمهدي» (إسناده حسن). 

فالبعض قال إن صورة التوطئة تكون بكثرة شرور ومفاسد أهل المشرق التي تستفز المهدي وتستثير حميته الإسلامية.. خاصة وأن المشرق عرف بالمصادر الإسلامية أنه منطلق الاضطرابات والفتن والقلاقل وذلك من حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ألا إن الفتنة ها هنا.. يشير إلى المشرق.. من حيث يطلع قرن الشيطان» (متفق عليه). والمشرق بالنسبة للمدينة المنورة -المكان الذي قيل فيه هذا الحديث- هو نجد والعراق وإيران ومن الممكن أن تكون معهم الكويت.. ولكن هناك حديثًا حدد المشرق المعني وهو نجد وذلك من حديث ابن عمر كذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان يدعو للشام واليمن: 

«قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: هنالك الزلازل والفتن.. ومنها يطلع قرن - الشيطان» (مسلم).

ويستدل القائلون بهذا الرأي بالحديث بأن جيش عسكري يأتي من المشرق يتقاتل مع المسلمين فيقتلهم قتلًا شديدًا، وهذا من حديث ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: 

«يقتتل عند كنزكم، ثلاثة كلهم ابن خليفة.. ثم يصير إلى واحد منهم.. ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلًا لم يقتله قوم -ثم ذكر شيئًا لا أحفظه- فقال.. فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج فإنه خليفة الله المهدي. 

أما الرأي الآخر فقال: إن صورة توطئة المهدي هي مناصرة المهدي من المشرق ويستدلون بالحديث الضعيف غير الموثق: «إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان فأتوها فإن فيها خليفة الله المهدي».
وعلى العموم.. نحن نرى أن خروج المهدي وبروزه لم يرد فيه خبر صحيح موثق.. بل كل ما ورد في هذا الشأن هو حصيلة الصراعات، الصراعات السياسية التاريخية التي كانت تكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وسنتحدث عن هذا بالتفصيل في موضع آخر. 

6- أما عن سيرته.. فالمصادر الصحيحة تخبرنا أن ماضيه قد لا يكون محمودًا وذلك من حديث على كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 

«المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة»

أما كيف يصلحه الله تعالى.. فهناك احتمالان.. الأول إما يكون غير محمود السيرة فيصلح الله حاله وينضوي في الحركة الإسلامية ويقودها إلى النصر.. والثاني.. أن يكون مستقيمًا بنفسه ولكنه غير مجاهد مع جنود الحركة الإسلامية وعند انتصار الحركة تبدأ باختيار خليفة للأمة فتختار أصلح القرشيين لتحقيق شرط الخلافة فيكون هو، وحينها يتبدل طبعه حتى يصبح قدوة الجميع.. ومثال عمر بن عبد العزيز موضح لهذا الاحتمال الذي كان مستقيمًا بنفسه ولكنه غير أهل للخلافة الراشدة.. فلما تولى الخلافة بدل الله حاله حتى أصبح قدوة.. 

7- أعماله.. أبرز أعمال المهدي هو تولي الحكم.. وقيادة الأمة العربية لإنقاذ الأمة الإسلامية وسيادة النفوذ على العالم.. ويكون حكمه بتطبيق الإسلام كما أمر الله تعالى وكما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما فعل خلفاؤه الراشدون المهديون.. ومن نتائج حكمه انتشار الحرية والعدالة الاجتماعية والرفاهية والخير والبركة في الرزق والحياة.. وأنه يحل المشاكل الاقتصادية التي تخنق العالم اليوم.. كما أنه سيخلق مناخًا سياسيًا نظيفًا يعتمد على شرف الكلمة والمروءة الشهامة.. ويعطي الناس منحًا أكثر مما يعطيهم ديونًا وسلفات.. وذلك من حديث أبي سعيد الخدري قال: 

«خشينا أن يكون بعد نبينا حدث فسألنا نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن في أمتي المهدي.. يخرج.. يعيش خمسًا أو سبعًا أو تسعًا -هذا الشك من أجل رواة الحديث وهو زيد- قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: سنين.. فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي اعطني، اعطني.. قال: فيحثى له في ثوبه ما استطاع أن يحمله» ومن حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 

«يكون في أمتي المهدي.. إن قصر فسبع وإلا فثمان وإلا فتسع.. يملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت جورًا وظلمًا».

ومن حديث علي كرم الله وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلًا من أهل بيتي يملأها عدلًا كما ملئت جورًا».

ضوابط وملاحظات: 

لنحدد قضية المهدي في إطار صحيح لا بد لنا من أن نضع ضوابط فكرية تحدد لنا مسار التفكير وتبلور لنا الإطار المطلوب.. كما أن هناك ملاحظات مهمة لا بد من التنويه عليها خلال عرض القضية في إطارنا هذا.

والضوابط:

1-    الغيب في الإسلام هو عالم موجود غير مرئي لنا نحن البشر كعالم الغيب.. أو مستقبل محجوب معلوم عند الله تعالى محجوب عنا نحن البشر.. فلا ندري عند قذف الدفقة المنوية في رحم المرأة ستنتج ذكرًا أم أنثى.. كما لا نعلم متى نهاية حياة الفرد.. ولا ندري ماذا سيكون في الغد.. بل الدقيقة التالية.. هذا كله من الغيب.. من المستقبل الغيبي.. ومن زعم أنه سيكون شيئًا ما في الغد وقطع بذلك فلا بد من دليل من عند الله.. لأنه لا يعلم الغيب إلا الله.. وقضية المهدي هي قضية غيبية لا يحق لنا أن ننسجها إلا بقول من الله تعالى. 

2-    والغيب من قضايا الإيمان والعقيدة.. أو بالكلمة الأصولية من قضايا العلم.. لذلك قال كثير من الأصوليين إن العلم لا يؤخذ إلا من قطعي الثبوت.. أي من الطريق المتواتر.. ولكن هناك من المحدثين من قال إن الحديث إن صح فهو حجة في قضايا العلم.. ونحن سنساير أضعف الأقوال وهو إن صح الحديث فسنأخذ به في العلم.. ولكننا سنرفض أي حديث دون الصحيح.. فلم يقل أحد أن الحسن حجة في العقائد.. فما دون الصحيح مردود في هذه القضية.

3-    قضايا العلم والعقيدة غير قابلة للاجتهاد.. وليست هي موطن من مواطنه.. لذلك فنحن لن نقبل نصًا، لم يذكر فيه صراحة اسم المهدي أو ما يدل على ذلك.. نحن لن نقبل إلا ما كان صريحًا بالعبارة أو واضحًا بالإشارة.. أي أننا لن نقبل إلا النص القطعي الدلالة.. وهذا سيجعلنا نستبعد كثيرًا من الأحاديث التي تذكر أن خليفة سيخرج آخر الزمان ويفعل كذا وكذا.. فلا دليل على أن هذا الخليفة هو المهدي ما لم يشر ويصرح.. وهذا ما وقع فيه الكثيرون عندما أدخلوا كثيرًا من الأحاديث في هذه القضية وبنوا عليها نتائج كقضية الخسف التي لم يرد فيها حديث صحيح يوضح أن الخسف سيكون في الجيش المعادي للمهدي.

الملاحظات:

1-    يجب أن نلاحظ أن هذه القضية لم يرد ذكرها في أصح كتابين من كتب الحديث النبوي.. لم ترد في صحيح البخاري ولا في صحيح مسلم.. وما ورد في صحيح مسلم إلا حديث واحد ليس فيه أي دليل على أنه متعلق بقضية المهدي.. ومع ذلك فإن هذه القضية وردت من أطراف متعددة من الصحابة بصورة متواترة.. وإن كانت تفاصيلها جاءت بطريق الأحاد.. يقول الشوكاني: والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثًا فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر.. وهي متواترة بلا شك ولا شبهة.. بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول.. 

أما الآثار الواردة عن الصحابة والمصرحة بقضية المهدي فهي كثيرة أيضًا.. ولها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك. 

قال صديق حسن: وفيه ثمانية وعشرون أثرًا عن الصحابة الكبار عند أهل العلم بالحديث ومثله لا يقال بالرأي.

2-    استغلت قضية المهدي استغلالًا سياسيًا سيئًا أثناء الصراعات التاريخية في الدول الإسلامية.. وكانت كل طائفة تختلق الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبين أن حزبها هو حزب الحق وأن على الجميع الانضمام له.. فكان الفاطميون يستغلون هذه الحقيقة وينسجون عليها أحاديث شتى فقالوا بمهدية النفس الزكية أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب وذكر أن النفس الزكية كان يعتقد أنه هو المهدي حقًا لتوفر بعض الشروط فيه.. ولكن المنصور قتله بعد أن استغله سياسيًا ونادى بمهدوية ابنه الذي سماه المهدي.. وفوجئ أتباعه بمقتل النفس الذكية فنسجوا أحاديث شتی أبرزها ما أخرجه ابن شيبة في سنة منقطع أن رجلًا من الصحابة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن المهدي لا يخرج حتى تقتل النفس الزكية.. فإذا قتلت النفس الزكية غضب عليهم من في السماء ومن في الأرض فأتى الناس المهدي فزفوه كما تزف العروس إلى زوجها ليلة عرسها وهو يملأ الأرض قسطًا وعدلًا.. وتخرج الأرض نباتها وتمطر السماء مطرها وتنعم أمتي ولايته نعمة لم تنعمها قط.

كما استغل العباسيون مسألة المهدي استغلالًا سيئًا وبنفس الطريقة.. فجعلوا راياتهم وشعاراتهم ومنبع ثورتهم هي رايات المهدي وشعاراته.. فمثلًا نسجوا أحاديث على المنوال الذي أخرجه  إذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان فأتوها ولو حبوا على الثلج فإن فيها خليفة الله المهدي. 

ففي هذه الرواية ذكر الرايات السود من قبل خراسان التي تدل دلالة واضحة على أن العباسيين أدخلوا هذه الرواية من عند أنفسهم مما يوافق أهواءهم وسياستهم لأن اللون الأسود كان شعارًا للعباسيين وكان أبو مسلم الخراساني هو الذي مهد الأرض للدولة العباسية. 

كما أن الأمويين استغلوا هذه القضية فكان لهم مهدي ينادون به يسمونه السفياني يستندون فيه إلى روايات يقرر صاحب الأغاني أنها روايته عن غير واحد وتتابعت برواية الخاصة والعامة ويبدو أنها وضعت بفعل خالد بن يزيد بن معاوية ولكن الشيعة تولوا الرد على أحاديث السفياني بأحاديث أخرى مثل: 

يبعث السفياني جيشًا فيأمر بقتل كل من كان فيها من بني هاشم فيقتلون ويفترقون هاربين إلى البراري والجبال حتى يظهر أمر المهدي فإذا ظهر بمكة اجتمع كل من شذ منهم إليه بمكة، أبو نعيم..

ومثل: 

يخرج السفياني والمهدي كفرسي رهان فيغلب السفياني على ما يليه، والمهدي على ما يليه أبو نعيم.

واتخذ اليمنيون لهم مهديًا كذلك وأسموه القحطاني ونسجوا له أحاديث شتى مثل:
يتولى رجل من بني مخزوم ثم رجل من الموالي ثم يسير رجل من المغرب.. رجل جسيم طويل عريض ما بين المنكبين فيقتل من لقيه حتى يدخل البيت المقدس فيموت موتًا فتكون الدنيا شرًا، مما كانت ثم يلي بعده رجل من مضر يقتل أهل الصلاح ظلوم غشوم ثم يلي من بعد المضري العماني القحطاني يسير سيرة أخيه المهدي وعلى يديه تفتح روميه.

ومثل: 
بينما كان منافسوهم «ما القحطاني بدون المهدي» من المضربين ينسجون أحاديث أخرى عن مهديهم الذي أسموه بالتميمي مثل: تخرج راية من المشرق ويقودها رجل من تميم يقال له شعيب بن صالح، أبو نعيم. 

والخلاصة هو أن ما نود أن نقوله إن قضية المهدي كانت ألعوبة بأيدي الساسة استخدموها لأغراضهم السياسية وما يعنينا هنا أننا يجب أن نكون حذرين في تصحيح وتوثيق الحديث.. لا نصححه لمجرد صحة سنده فالقضية كانت موطنًا من مواطن الوضع والكذب.. وهذه نقطة مهمة وملاحظة ضرورية.

3-    وهناك ملاحظة مهمة.. وهي أن قضية المهدي لم تذكر إطلاقًا في كتب العقيدة المشهورة.. ولم تذكر على أنها جزء من عقائد المسلمين.. فمثلًا لم تذكرها العقيدة الطحاوية ولا العقيدة الواسطية ولا الأشاعرة.. ولكنها تصدقها.

4-    هذه الروايات لا تبين بكل صياغاتها وألفاظها على أن المهدوية منصب ديني كالنبوة أولها القدرة على الاتصال بالوحي أو التصرف بالشريعة.. كما لا تبين النصوص أن المهدوية منصب يجب الإيمان به شرعًا.. واستعمال النبي صلى الله عليه وسلم لكلمة المهدي على أساس وصف الرجل وليس تعينه.. ونرى أن كلمة المهدي استعملت كاسم صفة لرجل قادم.. وذلك معناه أنه سيكون -رجلًا تولى الله تعالى هدايته-.. وعلى العموم لا يمكن أن يستنبط من هذه الروايات -ولو بأي تأويل مستبعد- أن في الإسلام منصبًا دينيًا يعرف بالمهدوية يجب على كل مسلم أن يؤمن به ويترتب على عدم الإيمان به طائفة من النتائج الاعتقادية والاجتماعية في الدنيا والآخرة.

ويقول المودودي: ثم إن هذه الروايات لا أساس فيها البتة للشعوذة التي يقوم فيها رجل بين الناس ويدعي بكونه خادمًا للإسلام ويبدأ مهمته بالمناداة فيهم «أنا المهدي» ثم يصرف معظم جهوده في دعوة الناس إلى الإيمان بكونه المهدي.

•قضية المهدي في الإطار الصحيح:

1-    ما ثبت من الأحاديث يخبرنا أن المهدي رجل من رجالات الحركة الإسلامية.. يقودها إلى النصر.. ثم التمكين.. فيحكم البلاد العربية وتتم له البيعة.. ثم يقود الأمة العربية لاستنقاذ الأمة الإسلامية ويحكم بالقرآن والسنة ويحقق العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية وكل الشعارات المطروحة لإنقاذ الشعوب والتي لا تصطدم مع الإسلام.. وتكون مدة حكمه سبع سنوات.

اسمه أحمد أو محمد واسم أبيه عبد الله.

2-    ليس شرطًا أن يكون في آخر أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. بل ثبت أنه في أواسط أمة محمد.. فعن جعفر الصادق عن أبيه عن جده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«أبشروا.. أبشروا.. إنما مثل أمتي مثل الغيث لا يدري آخره خير أم أوله.. أو كحديقة أطعم فيها فوج عامًا.. لعل آخرها فوجًا أن يكون أعرضها وأعمقها عمقًا وأحسنها حسنًا.. كيف تهلك أمة أنا أولها والمهدي أوسطها وعيسى بن مريم آخرها.. ولكن بين ذلك فيج الموج ليسوا مني ولا أنا منهم» ۱۹.

3-    هناك سته خلفاء آخرون يأتون في المرحلة التي تسبق أو تلي المهدي.. فالحديث يقول: 

«لا يزال هذا الدين عزيزًا إلى اثنا عشر خليفة» ٢٠.

«لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة»٢١. 

وطالما أن الأربعة الخلفاء الراشدين المهديين قد ظهروا وأجمعت الأمة على أن الخليفة الخامس هو عمر بن عبد العزيز والمهدي سادسهم فلا بد أن هناك ستة آخرين وكلهم مهدي.. فالحديث يصف الخلفاء الراشدين بالمهديين.

4-    المهدي ليس من علامات الساعة الكبرى ذلك لأن في علامات الساعة الكبرى يزداد الفساد ويستشري في الأرض ويظهر الدجال ومن بعده عيسى.. بينما الخير يعم الأرض وتزداد الحياة رفاهية وبركة في ظهور المهدي..

5-    لا يمكن معرفة المهدي بمجرد دعواه أن اسمه محمد أو أحمد وأن اسم أبيه عبد الله وأنه من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.. بل لا بد أن يحكم العرب أولًا ويحكم القرآن والسنة.. ونرى الخير والبركة على يديه.. ثم يحكم سبع سنين فإذا مات بعد هذه السنوات السبع عرفنا أنه المهدي.. وإلا كيف نصدق أنه المهدي وهو يحكم عشرين سنة مثلًا.. فلا بد أن يستوفي الشروط كلها ليكون هو المهدي.

الهوامش

1-    رواه أبو داود والترمزي وأحمد وقال عنه شاكر صحيح.
2-    رواه مسلم.
3-    قال الألباني اسناده جيد ورواه أبو داود والترمزي. 
4-    رواه أبو داود وهو ضعيف.
5-    رواه أبو داود والترمزي وقال الألباني إسناده حسن. 
10- تفرد به ابن ماجة وقال ابن كثير إسناده قوي صالح.
۱۱- رواه أحمد وقال شاكر إسناده صحيح.
۱3- رواه الترمزي وقال ابن كثير حديث حسن. 
١٤- رواه البزار ورجاله ثقفات.
15- رواه أبو داود وقال الألباني إسناده حسن.
۲۰- رواه مسلم.
۲۱- رواه أبو داود والترمزي وقال حسن صحيح.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1785

69

السبت 19-يناير-2008

استراحة المجتمع (1785)