; حقيقة العمل التنصيري في العراق | مجلة المجتمع

العنوان حقيقة العمل التنصيري في العراق

الكاتب محمد صادق أمين

تاريخ النشر السبت 17-أبريل-2004

مشاهدات 85

نشر في العدد 1597

نشر في الصفحة 22

السبت 17-أبريل-2004

● أكثر من ۱۰۰ منظمة تنصيرية دخلت العراق تحت غطاء الإغاثة.

● هل يتحول العراق إلى أكبر قاعدة لانطلاق المنصرين نحو قلب العالم الإسلامي ؟

● جحافل المنصرين تقدم الخبز للجائعين باسم يسوع المخلص!

هل كانت فلتة لسان كلمة قالها الرئيس الأمريكي بوش واصفًا حربه الكونية أنها حرب صليبية!؟ هكذا في حينها زعموا وهكذا برروا لنا الأمر, مدعين أن الأمر لم يكن أكثر من فلتة لسان من رئيس أكبر دولة في العالم قد يصح على أساسها تسميته بـ «الرئيس المسحوب من لسانه», ولكن ما تضمره القلوب وتخفيه النوايا تفضحه فلتات اللسان. هكذا يقول علماء النفس وهو ما يؤكده المنطق والواقع, فبعد غزو أفغانستان بذريعة أحداث الحادي عشر من سبتمبر غزت جيوش المنصرين أفغانستان, ولا تزال تقدم الخبز للجائعين فيها باسم يسوع المخلص! وما إن بدأت الحرب على العراق حتى احتشدت جيوش المنصرين على بوابة العراق الغربية «الأردن» بانتظار دخول العراق مع طلائع الجيوش الأمريكية؛ لنشر رسالة الخلاص في مدنه التي أعياها الفقر، وأحيائه التي أنهكها المرض, وبين أطفاله الذين لم يعرفوا سوى الحرمان رفيقًا

● جذور الحرب الصليبية على العراق

لم يكن الغزو العسكري للعراق في أبريل ۲۰۰۳ هو انطلاقة الشرارة الأولى للتنصير في العراق، بل إن شرارة المعركة انطلقت بعد غزو الرئيس المخلوع صدام حسين للكويت وتقديمه المبرر للتدخل الأجنبي في بلاد العرب والمسلمين, حيث أعدت جيوش المنصرين العدة لدخول العراق والجزيرة العربية وإكمال دورة التاريخ المزعومة عندهم التي يبشرون بعدها بعودة المسيح, فدورة التاريخ بدأت باحتلال اليهود لفلسطين وتكتمل باحتلال العراق والجزيرة العربية، حيث يحتل العراق أهمية إنجيلية بالغة في الخطاب الصليبي، وهو ما أكد عليه «بيلي جراهام»، كبير مسؤولي التيار المسيحي الصهيوني في أمريكا والصديق الحميم للرئيس جورج بوش الابن في البيان الذي أصدره قبل أن تبدأ حرب تحرير الكويت جاء فيه:

«إذا كان هناك دولة يمكن أن نقول عنها إنها جزء من الأراضي المقدسة فهي العراق.. لذلك يجب أن نضاعف صلواتنا، فالتاريخ أكمل دورته ونحن نعود مرة أخرى إلى هذه الأرض», فالتحالف المسيحي الصهيوني الذي يمثله «جراهام»، يضم حوالي ٢٠ مليون أمريكي بمن فيهم الرئيس الحالي بوش الذي يؤمن بعودة المسيح وظهور ما يسمى «بالعصر الألفي السعيد» القائم على حتمية عودة المسيح والدورة الكاملة للتاريخ التي تبدأ بعودة اليهود إلى الأراضي المقدسة في القدس ثم العراق؛ لأن منفى اليهود الذي عادوا منه كان بابل, وعودة اليهود للقدس والسيطرة على بابل من علامات نهاية العالم.

● أهداف الحرب الصليبية

العراق بوابة الحملة الصليبية الشاملة إلى الجزيرة العربية والعالم الإسلامي، حيث قلب العالم الإسلامي النابض، والهدف تنصير المسلمين في كل أنحاء العالم، وهو ما نص عليه بيان بابا الفاتيكان في المجمع المسكوني حيث دعا لاستقبال الألفية الثالثة بلا إسلام، وقد استوحى نائب الرئيس الأمريكي من هذا النص عبارة قالها في حفل الأكاديمية البحرية الأمريكية بولاية «میرلاند» جاء فيها: «ثلاثة تيارات هي التي واجهتنا في هذا القرن: الشيوعية والنازية والأصولية الإسلامية، وقد سقطت الشيوعية والنازية ولم يتبق سوى الأصولية الإسلامية».

وعلى هذا الأساس يطمح المنصرون إلى الوصول إلى كل بقاع الأرض وخصوصًا تلك الأراضي التي تعتبر قلاعًا للإسلام بهدف السعي لإنشاء جماعات مسيحية في كل مكان, تكون بمثابة علامة الله في العالم، وتنمو حتى تصبح كنائس، حسب تعبير بابا الفاتيكان الذي احتج بشدة على منع المملكة العربية السعودية إقامة كنائس على أرضها في كتابه الموسوم «الجغرافيا السياسية للفاتيكان» الصادر عام ١٩٩٢, حيث قال:

«كيف يمكن قبول ادعاءات السلطة السعودية باعتبار أن مجمل هذه المملكة عبارة عن منطقة مقدسة وليس فقط الحجاز التي تضم مكة والمدينة فحسب»، لذلك تسعى المنظمات التبشيرية لإقامة قاعدة قوية ومركزية لعمليات التبشير التي ستنطلق باتجاه الجزيرة العربية وإيران، ولذلك تشجع المنظمات التبشيرية دعاة التنصير إلى أن كل ما يحتاجه أي منصر لدخول العراق هو جواز سفر أمريكي، وذلك إلى أن يتم نقل السلطة للعراقيين.

وقد بدأت المنظمات التنصيرية توجه أنظارها نحو العالم الإسلامي عندما نادي بذلك زعيم الاستراتيجية التبشيرية «روبرت ونتر» عام ١٩٧٤ قائلًا: «إن الواجب هو وعظ الشعوب التي لم يصل إليها نداء المسيح من قبل عوضًا عن المناطق التي وصل إليها المد المسيحي», تلك الاستراتيجية انتشرت في المنظمات التبشيرية وفي دعاة التنصير خصوصًا عندما رأوا النص في إنجيل متى حرفيًّا, فتصوروا أن بداية النهاية المنتظرة ستبدأ عندما تتحول كل الأمم إلى المسيحية, وقد أوضح هذا المعنى أكثر المبشر الأرجنتيني «لويس بوش»، عندما أشار إلى أن ٩٧% من سكان العالم الذين لم تصل إليهم الدعوة المسيحية يعيشون في المنطقة الواقعة بين خطي عرض ١٠ و ٤٠ وقال: «إن هذه الشريحة تعيش في فقر مدقع»، وناشد على أثر ذلك المسيحيين «أن يتسلحوا بإيمانهم بالرب ويحاربوا بأسلحتهم الإيمانية، لأن الإسلام ينتشر بقوة من منطقته الواقعة بين خطي عرض ١٠ و ٤٠ إلى كل بقاع الأرض»، لذلك يعتبر المبشرون ومنظماتهم أن الحرب على العراق فرصة لن تتكرر؛ لتحقيق نبوءات الإنجيل المزعومة باكتمال دورة التاريخ، وهو ما عبر عنه «ريتش هايني» من منظمة دون حين قال: «لم تحظ الحركة التبشيرية الإنجيلية بفرصة جيدة مثل العراق منذ أكثر من عقد من الزمان بسبب القصف المستمر من قوات التحالف فقد أصبح كثير من المسلمين في شك من ربهم حتى يمكن أن نقول إن هذه الحرب نعمة للمبشرين».

● أهم المنظمات التنصيرية ووسائلها

لعل الأمر المهم الذي لا يعرفه الكثير من الناس أن النظام السابق خلف وراءه شعبًا وبلدًا محطمين تمامًا، فالجوع والفقر والحرمان تنتشر بين العراقيين انتشارًا واسعًا بسبب حرب السنوات الثماني مع إيران, وما أعقبها من تحول مقدرات العراق إلى التسلح، ثم غزو الكويت وما أعقبه من رزوح الاقتصاد العراقي تحت طائلة الحصار، وأخيرًا أدرك صدام حسين أن الطريقة الوحيدة لإخضاع الشعب العراقي بعد انتفاضة ١٩٩١ هي نشر الفقر والعوز ثم إغداق المنح على طائفة من الشعب تقوم مقام الجلاد ينوب عنه في إخضاع السواد الأعظم لرجل واحد. وفي هذا الإطار جاء تحطيم البنى التحتية للعراق من ماء وكهرباء وصناعة وطرق وجسور ... إلخ بذريعة الحصار الاقتصادي، وفي نهاية المطاف حطم العراقيون أنفسهم ما تبقى من تلك البنى التحتية بعمليات السلب والنهب التي تركت العراق بلا مؤسسات ولا حكومة.

وكما أن الحرب على العراق لم تكن وليدة اللحظة والتو فإن الحرب الصليبية لم تكن كذلك, فالمنظمات التبشيرية وزعماء التنصير يدركون هذه الحقيقة، وتحت ستارها ومن خلالها دخلوا ويدخلون العراق لتقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية لتحقيق الأهداف الدينية، فالمنصرون يعلنون أنهم يريدون إنقاذ الأرواح، وفي هذا كتب «ديفيد ريني» من ولاية أوهايو: «إن الدعاة النصارى في الولايات المتحدة أعلنوا حربًا لتخليص الأرواح في العراق, وأن النهاية الرسمية للاحتلال في حزيران/ يونيو القادم ستفوت فرصة تاريخية، لذلك أفادت تقارير صحفية أن أكثر من مائة منظمة تبشيرية دخلت العراق وأكبر هذه المنظمات:

۱ - هيئة الإرساليات الدولية - الذراع التبشيرية للمعمدين الجنوبيين الذين يعدون أكبر طائفة بروتستانتية في أمريكا.

۲- مجلس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

٣- مجموعة من المعمدين الجنوبيين من ولاية نورث كارولينا .

٤- هيئة المعونة الأمريكية.

٥- منظمة كريستيان شاريتي ورلد نيشون - إنترناشونال.

٦- منظمة المجتمع الدولي للإنجيل.

٧- منظمة تعليم أمة كاملة تعرف اختصارًا «داون».

 ٨- القس البروتستانتي جون حنا من ولاية أوهايو.

٩- المبشرة جاكي كون.. التي زعمت أن بعض العراقيين اعتنقوا النصرانية على يدها.

١٠ - منظمة سامرتيان بيرس.

۱۱ - منظمة المنصرين البروتستانت

تدخل هذه المنظمات إلى العراق تحت اسم منظمات إغاثة إنسانية، فالمسؤولون الأمريكان يعترفون بوجود المبشرين، ويؤكدون أنهم يقدمون العون للناس لا لينصروهم, والعراقيون يفرحون بتلك المعونات، وقد ذكر مسؤول حكومي لمجلة «تايم» أنه بالنظر إلى العلاقات الودية بين الرئيس بوش واليمين المسيحي ومساندة المنظمات الخيرية الدينية، فإنه يكاد يكون من المستحيل أن يمنع البيت الأبيض منظمات الإغاثة الإنسانية من الذهاب إلى العراق.

● ومن أهم وسائل هذه المنظمات:

1 - المعونات الغذائية: وتعتبر من أهم الذرائع التي دخلت بها المنظمات التبشيرية إلى العراق، فيسبب الحرب عاني العراقيون من شح في الإمدادات الغذائية، وأدخلت المنظمات التنصيرية آلاف الأطنان من المواد الغذائية معها, ووزعت على الفقراء ومعها الأناجيل وكتب الدعوة إلى المسيحية، وبهذا الخصوص يقول المبشر «جيم ووكر» أحد كبار المنصرين العاملين في العراق الذي حمل معه معونات غذائية تم شحنها في 15 ألف صندوق: «لقد قابلت أطفالًا يموتون جوعًا، لكن احتياجهم الأول لم يكن للطعام، وإنما كان لمعرفة حب المسيح».

٢- العلاج والدواء: من أشد المصائب التي حلت بالشعب العراقي انتشار الأوبئة والأمراض الخبيثة والمستعصية بسبب استخدام الأسلحة المحرمة دوليًا في الحرب على العراق, واستخدام الأراضي العراقية كحقل للتجارب، ومع وجود شح في الدواء وهي الكفاءات الطبية بسبب الحصار, أصبح أهم حاجة ومطلب لعشرات آلاف العراقيين بعد الغذاء هو الدواء وخصوصًا للأمراض المستعصية مثل اللوكيميا والسرطان والتهاب الكبد الفيروسي.. وغيرها من الأمراض التي ترتفع أثمانها ويتعذر على السواد الأعظم من المصابين بها تغطية تكاليفها، وكذلك العمليات الجراحية المعقدة ومعظمها غير متيسر داخل العراق بسبب نقص المعدات وتخلف الكفاءات الطبية عن مواكبة التطور التكنولوجي، من هنا تعمد المنظمات التنصيرية إلى سد حاجة هؤلاء الفقراء من خلال توفير الدواء المجاني وتكفل العمليات الجراحية وتسفير المحتاجين إلى الخارج، وقد سمعت رواية لإحدى المنصرات في صحيفة أمريكية تفاخر أنها استطاعت أن تنصر امرأة كردية وطفلها، وحين تحريت عن القصة تبين لي أن المرأة تنصرت بدافع الحصول على المساعدة من هذه المنصرة؛ بسبب حاجة طفلها للسفر إلى الخارج لغرض العلاج وليس عن اقتناع.

3- الاتصال بالمثقفين والمؤسسات الثقافية: لم ينس المبشرون وهم يقدمون الغذاء والدواء للعامة أن يتواصلوا مع المثقفين ومؤسساتهم في العراق، بهدف إنشاء جيل من المثقفين متأثر بالثقافة والدعوة التبشيرية، فقد تم تقديم ملايين الدولارات؛ لبناء المدارس وتأسيس الجمعيات والمؤسسات الثقافية.

بهذه الوسائل وغيرها استطاع المبشرون خلال عام أن يوزعوا مليون نسخة من الإنجيل باللغة العربية، وشرائط فيديو تجسد ميلاد المسيح وحياته, وتعليقات تدعو المسلمين للانخراط في النصرانية, ومليون كراسة دعائية إنجيلية, وقالت نشرة لهيئة الإرساليات الدولية إن العراقيين فهموا أن الذي يمنحهم المواد الغذائية مسيحيون أمريكيون، وأن عمال الإغاثة يوزعون نسخًا من إنجيل العهد الجديد إلى جانب المواد الغذائية.

● الوعي العراقي بمسألة التنصير

على الرغم من انشغال العراقيين بمصابهم الجلل، وترميم بيتهم الداخلي وانقسامهم على أنفسهم في مواجهة الوضع الراهن المستحدث فكريًّا وحزبيًّا وسياسيًّا، ثم اختلافهم في كيفية مقاومة الاحتلال والتعامل معه، لم تغفل عيون طائفة منهم عن رصد تحركات المبشرين ومنظماتهم، حيث استهدفت المقاومة العديد منهم وقتلتهم، فقد أعلن الجيش الأمريكي عن مقتل أربعة منصرين يوم 2004/3/16 في مدينة الموصل شمال العراق، كما قتل ألمانيان آخران بالقرب من كربلاء، وفي2004/3/9قتل اثنان من المبشرين الأمريكان جنوب العاصمة بغداد, وفي2004/2/16 قتل منصر أمريكي وأصيب ثلاثة آخرون في هجوم استهدف سيارتهم على الطريق السريع بين بغداد وبابل، مجموع هذه الحوادث يشير إلى أن هناك نوعًا من الوعي من قبل العراقيين بما يراد بهم.

ويبقى التحدي والسؤال معه قائمين: هل سيتحول العراق إلى أكبر قاعدة لانطلاق المنصرين نحو قلب العالم الإسلامي؟ بلا أدنى شك فإن المسؤولية جماعية تقع على عاتق كل المسلمين والخيرين من أفراد وحكام وعلماء ومثقفين، وما قدمته المنظمات الإغاثية الإسلامية والعربية للعراق يقف متضائلًا أمام ما قدمته المنظمات التنصيرية, وأمام الواجب الذي تمليه على الجميع الأخوة في الدين والوطن، ولعل التذرع بالجانب الأمني لم يعد مسوغًا أمام حملات المنصرين والمبشرين التي لم يصدها القتل الذي وقع بين أفراد منها عن العمل في العراق وحمل رسالة «يسوع» المخلص؛ بهدف فتح هذه الأرض أمام المسيحية لتكون منطلقًا نحو ألفية ثالثة بلا إسلام, ولعل دعم حكومة الرئيس الأمريكي لجهود التبشير تسد ذريعة الخوف من الإرهاب أمام حكامنا فلا يمنعون الأمة من القيام بواجبها، ولعل الله يرحمنا ويخرجنا من هذه المحنة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 113

172

الثلاثاء 15-أغسطس-1972

حوار مع أسرة مسلمة

نشر في العدد 231

103

الثلاثاء 07-يناير-1975

مستعمرات تكره الحرية!