العنوان حقيقة التاريخ.. ماهيته وفوائده.. ومنهجية كتابته
الكاتب أ.د. السيد محمد نوح
تاريخ النشر السبت 09-يونيو-2007
مشاهدات 71
نشر في العدد 1755
نشر في الصفحة 46
السبت 09-يونيو-2007
من فقه التاريخ وأحداثه..
أستاذ الحديث وعلومه – جامعة الكويت
- ضرورة تدوين تاريخ الأمة بأنامل العلماء والباحثين الأمناء
إن التاريخ هو المرآة العاكسة لحياة الأمم والشعوب، ويتوقف شكل الصورة التي تعكسها هذه المرآة، وحقيقتها، على حال المرآة وحال الممسك بها، وحال الشيء المراد تصويره، فإن كانت المرآة من الزجاج الصافي الجيد، وكان الممسك بها أمينًا في وضعها وكان الشيء المراد تصويره أمام المرآة مكشوفًا لها من كل الجوانب جاءت الصورة بيضاء ناصعة البياض يدركها كل ناظر فيها دون أدنى عناء أو تعب، وإن كان هناك خلل يتصل بالمرآة أو بالممسك أو بالشيء المراد تصويره جاءت الصورة مجافية للحقيقة، لا يتبين الناظر فيها شيئًا من شكلها، وحقيقتها.
من هنا لزم لكل أمة أن تفتح صحائف تاريخها، وأن تقرأها القراءة الصحيحة، وأن تستخلص منها ما يضيء لها طريقها الآن ويبصرها بأبعاد معالم المستقبل.
وقد قص الله في كتابه طرفًا من أخبار الماضين صالحين وطالحين، متقين وفجارًا، لنزن أنفسنا بالميزان الصحيح، فنسير مع الصالحين المتقين ونقتفي آثارهم ونتجنب الطالحين الفجار، والاقتداء أو التأسي بهم إلى جانب فوائد وثمرات أخرى، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾(يوسف: 111)، وقال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾(هود: 120)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 176).
وتاريخنا نحن المسلمين أبيض مشرق، هذا في الجملة، وإن كان لا يمنع أن هناك فترات في هذا التاريخ خيم عليها الظلام، أو علاها دخان حجب الرؤية أمام الناظرين، لكنها فترات يسيرة، إذا قيست بفترات النور والإشراق، لا تساوي قطرة في محيط، وكما قيل: السعيد من عدت ميزاته: وإذا قيس إحسان امرئ بإساءة فأربى عليها فالإساءة تغفر
وقد كانت هذه الأمة حية، يقظة، حين سجلت تاريخها بخيره وشره، بضيائه، وسواده دون أن تدع منه شيئًا.
صحيح غلب عليها حين دونت تاريخها المنهج الوصفي الذي يحكي الواقع، كما هو، ولا يتدخل فيه بنقد سلبًا أو إيجابًا لكنه مسند، وكما قيل من أسند لك فقد حملك أو أحالك، وعذرهم أن العمر ينقضي بسرعة، وربما فجأة أو بغتة، فالأحسن تقييد كل شيء وعلى الأجيال اللاحقة النقد والتمحيص، وهذا العذر رغم قبوله لزم منه أن قراءة التاريخ قراءة العظة والعبرة لا يستطيعها إلا الباحث المتخصص، أما العامة وغير المتخصصين فيقفون في حيرة ماذا يصدقون، وماذا يكذبون، وما الذي يأخذون، وما الذي يدعون؟
وللإنصاف كان هناك من فتش ونقب في الروايات والأخبار، فقبل ما استوفي شروط القبول ورفض ما عداه كجماعة الحديث وعلى رأسهم الحافظ الذهبي «ت 748 هـ»، والحافظ ابن كثير «ت 774 هـ»، والحافظ ابن حجر العسقلاني «ت 852 هـ» وغيرهم، لكن الاستنباط أو استخلاص النتائج لم يأخذ حقه من جهد هؤلاء، وبقي الأمر هكذا حتى سبق القضاء الإلهي على هذه الأمة ونزل بها ما نزل من زحزحتها وإزاحتها من طريق قيادة البشرية وردتها إلى الوراء، وجعلها في ذيل القافلة، ومؤخرة الركب وحق عليها قول القائل:
كم صرفتنا يد كنا نصرفها وبات يملكنا شعب ملكناه
لما حدث هذا تولى كتابة تاريخ هذه الأمة أعداؤها الممثلون في المستشرقين وتلاميذهم الأوفياء لهم من أبناء المسلمين، وما ظنك بعدو يصدر حكمه عليك؟ أتراه يكون نزيهًا أو صادقًا وقد قال الله عنه:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 109).
إنهم عمدوا إلى إخفاء بعض الحقائق وترديدها وقلبها، فها هو «فلهاوزن» المستشرق المعروف يقول عن النبي ﷺ: «إنه حين كان ضعيفًا أول قدومه المدينة هادن اليهود وعاهدهم على ذلك، فلما قويت شوكته وصارت له أظافر نقض عهده، واستأصل شأفة من استأصل منهم، وأجلى الباقين، وطردهم من المدينة بعد أن استولى على أملاكهم، وصادر أموالهم».
ويقول: «إنه لما قدم المدينة استخدم هو ومن معه من أتباعه أسلوب القرصنة، وقطع الطريق على الناس، بدليل ما فعله بغزوة بدر من اعتراض تجارة قريش ومحاولة سلبها من قوم تجار عزل من السلاح لا صلة له بالحرب والقتال».
وهذا تزوير وقلب للحقائق، أما إخفاء الحقائق فيتمثل في قول «ول. ديورانت» عن الزبير بن العوام أحد العشرة المبشرين بالجنة: «كان يمتلك ألف جواد، وعشرة آلاف عبد»، فأظهره أمام القارئ في صورة المترف المسرف، بينما حقيقة الحال أنه كان أنموذجًا للمسلم الزاهد حقًا، وهو أن يملك من الدنيا ما يملك دون أن يكون لهذا الملك سلطان على قلبه، «فقد كان له ألف مملوك يؤدون إليه خراجهم كل يوم، فما يدخل في بيته منها درهمًا واحدًا، بل يتصدق به جميعه»، فأي تزوير وقلب للحقائق مثل هذا التزوير وقلب الحقائق؟! وهكذا قالوا عن عمر دولة الإسلام إنه لم يتجاوز عهد الخلفاء الراشدين ثلاثين سنة، وتلاشي وأصبح الملك جبريًا يتوارثه الأبناء عن الآباء، وقالوا: إن الفتح الإسلامي كان فتح سيطرة وإذلال للعباد، ونهب للخيرات والثروات.. الأمر إذن يحتاج إلى مراجعة من جديد وليكتب أبناء الأمة تاريخهم متوخين:
1 - أن يكون الميزان لهذا التاريخ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، حيث فيهما وحدهما: التصور الصحيح الأصل هذا الوجود وللإنسان، ولرسالته في الأرض، وللمنهج الذي عليه أن يتبعه، وللقدوة التي ينبغي أن يسير وراءها وأن يقتدي بها، وفيهما وحدهما التصور الصحيح عن الكون وعلاقته بالله، وعلاقته بالإنسان، والتصور الصحيح عن العوالم الغيبية من الجن والملائكة، وعن العقبات والمعوقات وسبيل التعامل معها، وعن عيوب النفس وكيفية علاجها، وأخيرًا التعريف بالعاقبة والمصير في القرآن والسنة ذلك كله، وبه يقاس عمل الإنسان الذي هو تاريخه على ظهر هذه الأرض.
2 - أن يدرس على الموضوع لا على الحوادث اليومية أو السنوية، فغزوة بدر تدرس في إطارها التاريخي مربوطة بواقع المسلمين في المدينة بعد الهجرة، وتصرفات قريش معهم، وتعامله مع اليهود ومع النصارى، ومع المنافقين وغيرهم، يدرس كل موضوع على حدة حتى لا يكون هناك شيء ساقط من الأحداث يشوه الصورة ويطمس الحقيقة.
3 - أن يتولاه العلماء والأمناء بعيدًا عن أي ولاء إلا لله ولرسوله ولجماعة المؤمنين الصالحين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: 55).
4 - أن يراعي التحليل والاستنباط واستخلاص الدروس والعبر التي تبصر بالواقع، وتضيء طريق المستقبل.
5 - أن يتولى إخراجه مجمع علمي تاريخي نزيه يحكي الحقيقة دون أن تأخذه في الله لومة لائم.
6 - أن يدرس للأجيال منذ نعومة أظفارهم، فينشئوا يحبون دينهم ويعتزون بأمتهم وثقافتهم، والله ولي التوفيق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل