; حقوق الإنسان في الإسلام (أخيرة) العدل في القضاء | مجلة المجتمع

العنوان حقوق الإنسان في الإسلام (أخيرة) العدل في القضاء

الكاتب أ. د. أحمد علي الإمام

تاريخ النشر السبت 23-أغسطس-2008

مشاهدات 161

نشر في العدد 1816

نشر في الصفحة 58

السبت 23-أغسطس-2008

أحاط الإسلام التقاضي بسياج من الثوابت الأخلاقية التي تضمن سلامة القواعد القانونية ليكون ضمير العدالة هو الوازع لدى القاضي والمتقاضي

يمتد العدل في الإسلام إلى أبرز ميادينه وأخص شؤونه، وهو القضاء، حيث إليه يحتكم الناس، وفيه ترد المظالم وتصان المحارم، وبالقدر نفسه الذي تكون به سلطة الحكم ضرورة لا محيد عنها للحكم بما أنزل الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة:45)، يكون القضاء هو الساحة المختصة بإقامة الحدود، والفصل في المنازعات وفق الأحكام الشرعية، سواء في الشؤون العامة أو في الشؤون الخاصة. وقد قرن القرآن الكريم بين أداء الأمانات والحكم بين الناس بالعدل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء :58).

والقضاء نفسه أمانة يؤديها القاضي والمتقاضي، كما يؤديها الشاهد والمشهود عليه، والمدَّعي والمدَّعى عليه، متعبدين لله بأداء الأمانة وإقامة العدل. والحكم بين الناس بالعدل في القضايا التي ترفع للقاضي أو الحاكم هو صدقة يتقرب بها المسلم إلى ربه، وذلك كما هي البشرى النبوية: قال رسول الله ﷺ: «كل سُلامَي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة» (۱).

سياج أخلاقي

وقد أحاط الإسلام المتقاضي السمح والقضاء النزيه بسياج القواعد الأخلاقية التي تضمن سلامة القواعد القانونية، وذلك ليكون ضمير العدالة هو الوازع والدافع لدى القاضي والمتقاضي، فقد حذر النبي ﷺ من يتولون منصب القضاء من عاقبة الجور في الأحكام بقوله: «القضاة ثلاثة؛ قاضيان في النار، وقاض في الجنة»، وفصَّل أمرهم بقوله: «رجل قضى بغير الحق فعلم ذاك فذاك في النار، وقاض لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار، وقاض قضى بالحق فذلك في الجنة» (۲). القاضي العادل يقضي بالحق ويتحرى القضاء بالحق، وإلا كانت عاقبته في النار، وذلك لشدة اتصال القضاء بحقوق الناس، ولذلك كان أئمة الفقه على سعة علمهم يتجافون عن تولي القضاء ورعًا من جسامة مسؤوليته وفداحة تبعته، وعلى المتقاضين المسؤولية نفسها في تحري الحق والصدق كما في الحديث النبوي الشريف عن رسول الله ﷺ أنه سمع خصومة أمام باب حجرته فخرج إليهم فقال: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها» (۳).

بل تمتد هذه المسؤولية إلى الشهود حتى يكونوا شهداء عدل لا شهداء زور، قال تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (الطلاق:2)، وقال أيضًا ﴿َاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (الحج:30)، وقبل ذلك فإن المتقاضي مطلوب إليه السماحة في اقتضاء حقه، كما هو التوجيه النبوي: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى، وإذا اقتضى» (٤)، فهو لا يفجر في الخصومة، ولا يتعنت في المظلمة بل قد يكون جانحًا للمصالحة ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (النساء: 128).

استقلال القضاء

وقد وضع عهد الخلافة الراشدة الأساس لاستقلال القضاء عن السلطة «التنفيذية» فكان الخلفاء يوكلون أمر القضاء لأقضاهم، أي لأعلمهم بالأحكام، ومنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولا يراجعون قضاءهم أو ينقضون حكمهم، وسار الخلفاء الأمويون العباسيون على سنة فصل القضاء على أيسر تقدير... وقد عرف التاريخ الإسلامي قضاء بالغ العدالة، حيث حكم بعضهم لغير صالح الحكام أو أصحابهم أو ذويهم، كالحكم لليهودي لغير صالح علي بن أبي طالب، حتى أنه أنكر أن يناديه قاضيه بكنيته «أبو الحسن» لما في ذلك من تعظيم يذهب بنزاهة القضاء.

وعن أنس أن رجلًا من أهل مصر أتي عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فقال: «يا أمير المؤمنين! عائد بك من الظلم، قال: عدت معاذًا، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم ويقدم بابنه معه، فقدما فقال عمر أين المصري؟ خذ السوط فاضربه، فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين. قال أنس: فضرب فوالله ضربه ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: ضع السوط على صلعة (٥) عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين! إنما ابنه الذي ضريني، وقد استقدت منه فقال عمر لعمرو: من كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟ قال: يا أمير المؤمنين! لم أعلم ولم يأتني» (٦) وقد صار مبدأ الحرية لسائر بني البشر وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا، الذي أرسى صيغته الفاروق عمر حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان اليوم: «يولد الناس أحرارًا».

ذلك بأن إقامة العدل بمثابة تعبد لله تعالى، يتحراه القاضي المسلم حتى ولو كان خصوم من الأعداء﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة:8)، والعدل قام حتى ولو كان مراغمة لهوى النفس: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء:135).

قواعد العدل

وعلى هذا الهدي القرآني والنبوي كانت سيرة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه هي نصحه للولاة والقضاة وكل من ولي أمرًا من أمور المسلمين، ومن ذلك قوله لهم: «ويل لديان الأرض من ديان السماء يوم يلقونه إلا من أم بالعدل وقضى بالحق، ولم يقض بهواه، ولا لقرابة، ولا رغبة، ولا رهبة، وجعل عقاب الله مرآته بين عينيه». (۷)

ونختم بما سنه ذلك الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه من قواعد العدل في القضاء في سالته لواليه أبي موسى الأشعري رضي الله عنه(۸) أما بعد:

1-  فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة.

2-   فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم يحق لا نفاذ له.

3-  آس الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك.

4-  البينة على المدعي، واليمين على من أنكر.

5-  والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا.

6-  ومن ادعى حقًا غائبًا أو بينة فاضرب له أمدًا ينتهي إليه، فإن بيَّنه أعطيته بحقه، وإن أعجزه لك استحللت عليه القضية، فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعلماء.

7-   ولا يمنعنَّك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهُديت فيه لرشدك أن تُراجع فيه الحق، فإن الحقَّ قديم لا يُبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.

8-  والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجربًا عليه شهادة زور، أو مجلودًا في حد، أو ظنينًا في ولاء أو قرابة، فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والإيمان.

9-  ثم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك بما ليس في قرآن أو سنة.

10-        ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال.

11-         ثم اعمد فيما ترى إنها أحبها إلى الله وأشبهها بالحق.

12-        وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر عند الخصومة، أو الخصوم، «شك أبو عبيد».

13-        فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذكر.

14-        فمن خلصت نيته في الحق، ولو على نفسه، كفاه الله ما بينه وما بين الناس.

15-         ومن تزيَّن بما ليس في نفسه شأنه الله.

16-        فإن الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصًا.

17-        فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام عليكم ورحمة الله تعالى».

وهكذا وضعت هذه الرسالة قواعد الالتزام الأخلاقي والقانوني للولاة والقضاة... وتسترعي الملاحظة بصفة خاصة القاعدة الذهبية التي سبق بها ذلك الخليفة الراشد العصور الحديثة مما صارت تستوعبه سائر قوانين الإثبات بأن النبي ﷺ قال في خطبته: «البينة على المُدَّعِي، واليمينُ على المُدَّعَى عليه» (۹) حيث يصير إثبات البيئة هي مسؤولية الادعاء، تليها في المسؤولية إثبات الإنكار باليمين من المدعى عليه، وفي ذلك العدل كل العدل.

الهوامش

(1)            صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء برقم (١٦٧٧).

(2)            سنن الترمذي كتاب الأحكام، برقم (١٢٤٤).

(3)           صحيح البخاري، كتاب الأحكام، برقم (٦١٤٥).

(4)           صحيح البخاري كتاب البيوع، برقم (١٩٢٤م).

(5)            صلعة رجل أصلع بين الصلع وهو الذي انحسر شعر مقدم رأسه و بابه طرب وموضعه الصلعة. بفتح اللام. والصلعة أيضًا، بوزن الجرعة (المختار ۲۹۱، ب).

(6)           كنز العمال للمتقي الهندي برقم (٣٦٠١٠).

(7)           الزهد أحمد بن حنبل، برقم (٦٦١)، ص ۱۸۳.

(8)            أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية ٨٥/١-٠٨٦

(9)           سنن الترمذي كتاب الأحكام برقم (١٢٦٢).

 

الرابط المختصر :