; حقوق الإنسان في الوطن العربي 1399 | مجلة المجتمع

العنوان حقوق الإنسان في الوطن العربي 1399

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-2000

مشاهدات 93

نشر في العدد 1399

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 09-مايو-2000

نشرت المنظمة الدولية لحقوق الإنسان في العربي تقريرها السنوي عن حقوق الإنسان في المنطقة العربية، كما نشرت منظمة العفو الدولية تقريرا آخر عن حقوق الإنسان في المنطقة نفسها، وقد صدَّرت المنظمة العربية تقريرها بأسفها الشديد على الحالة التي وصلت إليها تلك الحقوق، فقالت: نشهد على أنه بعد مرور خمسين عاما على اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يزال تجاهل حقوق الإنسان وازدراؤها حقيقة يومية يعيشها الناس، والحق أن هذا يمثل واقعا مخيفا لحال حقوق الإنسان في بلداننا العربية التي ظلت تعاني تجاهل وازدراء الكثير من حقوق الإنسان الأساسية، وحرياته العامة خلال النصف الأخير من القرن الماضي، وكان الواقع شديدا بل صدمة مؤلمة، لأننا بعد أن عانينا قهر المستعمر الأجنبي وبنينا أنظمتنا السياسية انتظارا للحرية والكرامة، أهدرنا تضحياتنا الغالية، وعاد ذلك علينا بأشد ما عانيناه من المستعمر.

هذا.. وقد تطرقت المنظمة العربية لحقوق الإنسان لشتَّى الحقوق الأساسية التي يفترض أن تكون مرعية ومصونة في الوطن العربي، فكان تقريرها مؤلما ينم عن فواجع وكوارث يتعرض لها ذلك الإنسان منها:

1-الحق في الحياة: تفاقم العنوان الخارجي خلال العام الماضي على الأمة، فتعرضت بعض البلاد العربية لأنواع من العدوان، فاعتدت تركيا على شمال العراق بدعوى مطاردة حزب العمال الكردستاني، وشارك في الهجوم عشرة آلاف جندي وأدى ذلك إلى مقتل 1200 شخص، وفرار الآلاف من المدنيين، وكذلك تعرض السودان في 30 أغسطس 1998م لقصف صاروخي على مصنع الأدوية بالخرطوم، وقتل عدد من العاملين في ذلك المصنع، كما استمرت الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان وراح ضحيتها المئات من المدنيين العزل، بل وأسر بأكملها، كما واصل الإسرائيليون الاعتداء على الشباب الفلسطيني، وقامت سلطة عرفات باعتقال المزيد من المعارضين وقتل الكثير من زعماء حركة حماس بدون جريرة، وفي الصومال ما زالت النزاعات مستمرة وحصدت الاشتباكات بين الفصائل مئات الضحايا، وما زالت البلاد في حالة فوضى وشقاق، وفي جيبوتي تجددت خلال ذلك العام العمليات العسكرية بين القوات الحكومية والمعارضة، وأسفرت عن مقتل العديد من المدنيين، كذلك استمرت الصراعات المزمنة بين الجماعات السياسية الإسلامية والحكومات تمثل نزيفا مستمرا للدماء على الساحة العربية، ومصدرا لعديد من الانتهاكات والمحاكمات التعسفية.

2-الحق في الحرية: تفاقمت الأوضاع في البلاد العربية بالنسبة للحريات العامة وحرية الأشخاص عاما بعد عام، ففي بلاد المغرب العربي، تعمق الاعتداء على الحريات، ففي بلد معين بلغ فيه القهر مبلغا كبيرا وبلغ فيه سجناء الرأي آلافا مؤلفة، واستمر حظر نشاطات الجماعات والأحزاب وتكميم الأفواه، كما تعدى القهر إلى زوجات المعتقلين وسجنهم وتعذيبهم، كما عذب المحتجزون من الرجال، ومات منهم تحت التعذيب العديد من الأبرياء.

هذا وقد أصبحت تلك حالة عامة في أرجاء الوطن العربي إلا من رحم ربك، كما استمر إهدار ضمانات المحاكمات العادلة في العديد من البلدان العربية بالتوسع في إحالة المدنيين للقضاء العسكري، والأخذ بأشكال القضاء الاستثنائي، وعد الالتزام بالمعايير الدولية والإنسانية في إجراء المحاكمات، ورغم الاحتجاجات والاعتراضات لم يعر أحد أذنا صاغية لهذا، وأصبح تفصيل التهم، وتزوير الوثائق، واستجلاب شهود الزور، سمة معروفة سلفا للمعارضين، كما صار الاتهام بالإرهاب والتطرف شكلا من أشكال الإرهاب الفكري، ولونا من ألوان القتل الإعلامي والسياسي، وأصبح الإقرار وأخذ الاعترافات بالقهر والتعذيب وسيلة متعارفا عليها ومعمولا بها ومتوارثة بين العديد من الدول بدون حياء أو خجل.

3-الاختفاء القسري: رغم تقدم المساعي الدولية الراقية إلى مكافحة ظاهرة الاختفاء القسري، ورغم أن هذا عمل شائن وكارثي، ورغم أن هذه قسوة وهمجية وبربرية تخالف كل الديانات والشرائع، والأعراف الدولية والإنسانية، إلا أن هذه الظاهرة ما زالت للأسف تستعمل في وطننا العربي، وتتصاعد بشكل يدعو إلى الرثاء، ويصل عدد المختفين قسرا في سجلات الأمم المتحدة إلى 47758 حالة في 63 دولة، منها (17596) حالة في 16 دولة عربية يتركز معظمها في العراق.

ورغم جسامة هذه الأرقام فإنها تعبر بدقة عن حجم هذه الظاهرة المؤسفة نظرا للقيود المفروضة على الناس والإعلام المعتم على هذه الحالات وخوف الناس وذعرهم الذي يمنعهم من الإعلان، وهؤلاء يكونون بالطبع إما معارضين أو.. أو.. ولقد حصرت في بلد عربي بعض الفئات المختلفة فوجدت الآتي: 44 شخصا معارضين، 13 شخصا لهم علاقة بالعمل السياسي والنقابي، 6 أشخاص صحفيين، 30 ضابطا في الشرطة والجيش، 18 طالبا من الاتحادات.

أما في الجزائر فقد اختفى في سباق أزمة العنف ما لا يقل عن 6 آلاف مواطن بشكل قسري، وفي بعض البلاد مثل ليبيا تفشى فيها الاختفاء القسري، هذا غير الأعداد التي ما تزال تزخر بها السجون.

4-الحق في المشاركة السياسية: لم يشهد كثير من البلاد العربية مشاركات سياسية بل ظل يحكم فيها الحزب الواحد والرجل الواحد، وتفشت فيها ظاهرة الأحزاب الورقية التي رضي أصحابها أن يعملوا ديوثين للسلطات، وشهد بعض البلاد العربية انتخابات رئاسية كان المرشح فيها شخص واحد، وفاز فيها الرئيس الأوحد بنسبة 99.987 من أصوات الناخبين، وتعد مثل هذه الانتخابات بالطبع مناسبة احتفالية أكثر منها إجراءات انتخابية بغض النظر عن جدارة المرشح، هذا ويعد بعض الأنظمة اليوم بعض أبناء الحكام ليخلفوا آباءهم في الحكم، لأن ابن الوز عوام، وبدلا أن يستنسخ الناس من الحكام نسخا تخلفهم حفاظا على العبقرية، استنسخوا أبناءهم استمرارا للإبداعات القومية!.

وأخيرا نقول للمنظمة العربية لحقوق الإنسان: لقد وضعت الأمة أمام مسؤولياتها، وكانت المرآة التي ترى الأمة فيها وجهها، فهل هو صبيح أم قبيح؟ وهل ما زالت المرتزقة والأقلام الصفراء مستمرة في تجميل العجوز الشمطاء؟

وصدق الله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج:46) نسأل الله السلامة.. آمين.

الرابط المختصر :