; حالة «حزب العدالة والتنمية المغربي» (3-5).. حقوق الإنسان في أدبيات الحزب وممارساته | مجلة المجتمع

العنوان حالة «حزب العدالة والتنمية المغربي» (3-5).. حقوق الإنسان في أدبيات الحزب وممارساته

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2008

مشاهدات 64

نشر في العدد 1820

نشر في الصفحة 30

السبت 20-سبتمبر-2008

حقوق الإنسان في الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر

ينطلق حزب العدالة والتنمية في تأصيله لحقوق الإنسان من المرجعية الإسلامية، شأنه في ذلك شأن بقية المفاهيم المركزية التي تشكل البنية الأساسية لخطابه السياسي. وتوضح وثائقه التي تتضمن اجتهاداته الفكرية والسياسية أنه لا ينشغل كثيرًا بالدخول في مجادلات نظرية، أو معارك فلسفية مع مرجعيات حقوق الإنسان المعاصرة المتمثلة في جملة الإعلانات والمواثيق الدولية المعروفة. ولكن.. هل معنى ذلك أنه يقبل هذه المرجعيات دون تحفظ؟ أم أنه يتجاهلها بالسكوت عنها وعدم الاشتباك معها في جدالات نظرية؟ وكيف تؤثر المرجعية الإسلامية على رؤيته لحقوق الإنسان؟ وماذا عن جانب الممارسة الفعلية للحزب في ميدان حقوق الإنسان؟

*يقر الحزب بحق جميع المواطنين في التمتع بحقوق المواطنة كاملة دون تمييز على أساس الدين أو الجنس أو العرق.

*يرفض الحزب أي تأويل لحقوق الإنسان يلغي الخصوصيات الدينية والحضارية للشعوب، أو يفرض بعض الرؤى الفلسفية المتعارضة مع الفطرة الإنسانية السليمة.

يعلن «العدالة والتنمية» أنه حزب سياسي «مرجعيته إسلامية»، ولإزالة اللبس الذي قد يثيره هذا التحديد المرجعي وخاصة لدى القوى السياسية الأخرى التي تعلن رفضها لهذا التوجه بحجة أنه يخلط الدين بالسياسة، وأنه لا ينسجم مع منطق الدولة الحديثة، حرص حزب العدالة على توضيح معنى المرجعية الإسلامية التي ينطلق منها، فأكد في أكثر من مناسبة أن المرجعية الإسلامية تعني: أن يكون الإسلام منطلقًا وإطارًا لمختلف الخيارات والاجتهادات السياسية، وللمشاريع المجتمعية، وأن الحزب حين يؤكد انطلاقه من المرجعية الإسلامية فإنه لا يعتبر نفسه وصيًّا على الإسلام أو ناطقًا باسمه، وأن الحقل السياسي هو مجال اشتغاله والمواطنة أساس الانتماء إليه، فهو حزب مفتوح للجميع من المواطنين ما داموا ملتزمين بتوجيهاته وبرامجه وقوانينه.

مرجعية رسمية

ويؤكد الحزب أنه يتقاسم المرجعية الإسلامية بالمعنى السابق مع بقية القوى السياسية -بما فيها القصر- والأحزاب السياسية وحركات الإصلاح في المغرب؛ ذلك لأن كل الدساتير المغربية سعت بعد الاستقلال -ابتداء من دستور ١٩٦٢م- إلى الجمع بين الإقرار بالملكية الدستورية كمحاولة للتحديث السياسي، وإمارة المؤمنين باعتبارها تشير إلى الشرعية الدينية التي قامت عليها الدولة المغربية طيلة تاريخها، حيث كانت مرجعية الإسلام -ولا تزال- أحد الأسس الكبرى للشرعية التي تقوم عليها الدولة المغربية. كما يؤكد أن هذه المرجعية هي المرجعية الرسمية للدولة المغربية، وهي مبدئيًّا مرجعية جميع الأحزاب المغربية.

والسؤال هنا هو: كيف تؤثر هذه المرجعية على رؤية الحزب لحقوق الإنسان؟

ويكتسب هذا السؤال أهميته من مسؤولية الحزب عن تقديم اجتهادات جديدة في مواجهة تحديات الواقع الذي يعيشه المجتمع المغربي، كما يكتسب السؤال أهمية أخرى من جراء التخوفات التي يثيرها بعض الناس بشأن وضع غير المسلمين، أو حتى المسلمين الذين يرفضون مرجعية الإسلام في تدبير الشؤون السياسية والحقوقية وغيرها من الشؤون العامة.

المواطنة أم الدين؟

يرى الحزب أن تلك التخوفات لا أساس لها من الصحة، لأنه يؤمن بحق جميع المواطنين في التمتع بحقوق المواطنة كاملة بدون تمييز على أساس الدين أو الجنس أو العرق، ويستمد إيمانه هذا من المرجعية الإسلامية ذاتها. وتوضح رؤى الحزب في هذا الشأن أنه مستوعب لمجمل اجتهادات «الفريق الثالث» السابق ذكرها، ومُسهم في تكوينها وتطويرها أيضًا. ونقطة البداية في تأصيل «حقوق الإنسان» انطلاقًا من هذه المرجعية هي تكريم الإنسان، مطلق الإنسان، وتحرير العقل، وعمارة الأرض. هذا إلى جانب إيمان الحزب بأن الإسلام يفرض حرية الاعتقاد، ويقر بحق المواطنة لغير المسلمين داخل المجتمع الإسلامي، وأن المواطنة هي قاعدة بناء المجتمع المدني والدولة المدنية.

 إن من الأوليات التي تفرضها المرجعية الإسلامية حسب دلالات النصوص الصادرة عن «العدالة والتنمية»: إقرار التعددية الدينية وحماية المختلفين في العقيدة، وحقهم في البقاء عليها، ناهيك عن المخالفين في الرأي السياسي وتجريم أي عدوان يقع عليهم بسبب عقيدتهم أو رأيهم، فالحزب يقدم نفسه بوصفه حزبًا سياسيًّا مدنيًّا ذا مرجعية إسلامية وبرنامجه سياسي مدني، يعمل على تطبيقه وفق القواعد الديمقراطية، ويجيب عن الأسئلة المطروحة سياسيًّا وليس دينيًّا، وهو يسعى إلى الإسهام في تدبير الشأن العام من قبل مواطنين مدنيين ذوي خبرة في الشأن العام. ويؤكد الحزب أيضًا أن ما يقدمه من اجتهادات وممارسات لا تخرج عن كونها ممارسة إنسانية قابلة للصواب والخطأ، ومرشحة للمراجعة والتطوير باستمرار، ولهذا فإن مجال اشتغاله هو المجال السياسي والانتماء إليه هو انتماء سياسي، وترتكز العضوية فيه على أساس المواطنة، وليس على أساس الدين.

تبعات المرجعية الإسلامية

يُقر الحزب إذن -انطلاقًا من مرجعتيه الإسلامية- بالتعددية الفكرية والسياسية، واختلاف الآراء في تقدير المصلحة، وصوغ السياسة الملائمة للمنفعة العامة، ورفع كفاءة المجتمع على مواجهة مشكلاته، وتحسين نوعية حياة أبنائه. وتجعل المرجعية الإسلامية للحزب رأي الشعب هو الفاصل في اختيار رأي على آخر، وتفضيل سياسية أو برنامج على برنامج. أو قُل: إن الفاصل هو رأي أصحاب المصلحة وهم جمهور الشعب الواعي، المتحرر من قيود أي سلطة دينية تدعي أن لها حقًّا صغر أم كبر في التحكم في ضمير الفرد، أو الرقابة عليه أو معاقبته، أو الحكم عليه بالكفر، أو الإيمان بدعوى أن صاحب هذه السلطة -فردًا كان أو مجموعة أو طائفة أو حزبًا أو فئة- ينطق باسم الله، أو مبعوثًا من لدنه أو واسطة بينه وبين الناس، أو مفوضًا من الله تعالى. المرجعية الإسلامية ذاتها هي التي تلزم الحزب ببذل كل جهد ممكن من أجل تحرير العقل من كل قيد، وخاصة قيود التقليد والخرافة والأمية وإطلاق حرية التفكير وتداول الآراء بحرية والمعلومات بشفافية؛ باعتبار أن ذلك من مقتضيات الشورى ومن إجراءات بلوغ مقاصد الشريعة ومن مستلزمات صنع القرارات السليمة التي تراعي مصلحة الجمهور الواسع من المواطنين.

الذي نستنتجه من ذلك هو أن المرجعية الإسلامية للعدالة والتنمية هي في واقعها مرجعية دستورية على المستوى الإجرائي، والمرجعية الإسلامية بهذا المعنى هي -وليس شيئًا غيرها- التي تلزم الحزب بالإقرار بمفهوم المواطنة قولًا وعملًا، وإقرار الحريات، من أعلاها وهي حرية الاعتقاد إلى بقية أنواع الحريات الأخرى في التعبير والرأي والتنظيم. ومن ثم فهذه المرجعية التي ينطلق منها الحزب تجعل منه إضافة حقيقية على هذا المستوى التأصيلي/ النظري لحقوق الإنسان؛ من حيث إكساب الالتزام بهذه الحقوق قوة معنوية وأخلاقية إلى جانب ما تحتاجه من قوة قانونية وإجرائية وتنفيذية.

تحفظان رئيسيان

لا ينشغل الحزب -كما سبقت الإشارة- بالدخول في معارك فلسفية أو نظرية مع مرجعيات حقوق الإنسان الدولية المعبر عنها في مواثيق وإعلانات وعهود جماعية، بما في ذلك البيانات والإعلانات الإسلامية، بل نجده يثمن بشكل عام ما تحقق للإنسانية من رصيد في مجال حقوق الإنسان، فقط يتحفظ على المرجعيات الدولية لحقوق الإنسان من زاويتين أساسيتين:

الأولى: هي أن الحزب يرى أن كل الخصوصيات الدينية والحضارية وكل ما يعد من قبيل الفطرة الإنسانية يجب التمسك به، ولهذا أكد الحزب رفضه لكل تأويل لحقوق الإنسان من شأنه أن يلغي الخصوصيات الدينية والحضارية للشعوب، أو يفرض بعض الرؤى الفلسفية المتعارضة مع الفطرة الإنسانية السليمة والمهددة للتماسك الاجتماعي، ومن أبرز الأمثلة التي تصور هذا التعارض: تلك المتعلقة ببعض جوانب الأحوال الشخصية والعلاقات الجنسية، وأحكام الأسرة المقررة في الشريعة الإسلامية. 

الثانية: هي أن الحزب يرفض استخدام منظومة حقوق الإنسان على المستوى الدولي للإضرار بمصالح الشعوب الضعيفة، وهذا تحفظ سياسي وليس فكريًّا في حقيقته. ويرى الحزب أن بعض الدول الكبرى تعتبر حقوق الإنسان ذريعة أيديولوجية للهيمنة على مقدرات الشعوب وخيراتها. ويؤكد أنه «لن يألو جهدًا في الدفاع عن حقوق الإنسان باعتبارها ضرورة إنسانية مشتركة، ولن يتردد في كشف المعايير المزدوجة التي تتعامل بها تلك الدول».

الرابط المختصر :