; حقوق الإنسان الضائعة تحت سلطة عرفات | مجلة المجتمع

العنوان حقوق الإنسان الضائعة تحت سلطة عرفات

الكاتب د. ياسر صالح بوشناق

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1995

مشاهدات 90

نشر في العدد 1147

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 25-أبريل-1995

    ·       عمليات الاعتقال التي تقوم بها سلطة عرفات هي عمليات خطف مسلح وليست عمليات اعتقال قانوني

أشهُر قليلة وتكمل حكومة الرئيس ياسر عرفات عامها الأول في حكم قطاع غزة ومدينة أريحا وسط ضغوط اقتصادية وسياسية وأمنية متزايدة، فقد استمر إخلال الدول الغربية المانحة بالتزاماتها المالية التي سبق أن وعدت بتقديمها إلى سلطات الحكم الذاتي الفلسطيني لبناء الاقتصاد الفلسطيني الناشئ، كما يستمر الوجود العسكري الإسرائيلي داخل مناطق الحكم الذاتي، بما يعنيه ذلك من استمرار الاحتلال بأشكال أخرى، وهو ما يزيد ضغوط المعارضة الإسلامية (حماس والجهاد الإسلامي)، التي سبق لها أن رفضت الاتفاق الإسرائيلي- الفلسطيني، واستمرت في كفاحها المسلح ضد المحتل بعمليات طالت قوات الأمن الفلسطينية وليس الإسرائيليين وحدهم.

ولعل من قبيل البدهيات القول: إن الإنسان الفلسطيني الذي قاسى الأمرَّين تحت احتلال غاشم وعنيف ودموي بطبعه، كان من حقه أن يأمل بعد مجيء السلطة الوطنية أن ينعم بأمنه، ويتمتع بحقوقه الإنسانية، ولعل هذا ما يجعلنا نطرح السؤال الذي لابد من طرحه هنا، وهو: هل حققت السلطة الوطنية أمل المواطن في أن ينعم بحقوقه الإنسانية الأساسية؟ فمع تقديرنا لحداثة التجربة الفلسطينية الوليدة والضغوط الداخلية والخارجية التي تواجهها فإن طرح هذا السؤال يبدو ضروريًّا في ظل توالي التقارير الحقوقية الدولية، التي لم تعد تقتصر على اتهامات لسلطات الاحتلال الإسرائيلي، وأضافت إليها للمرة الأولى اتهامات السلطة الوطنية الفلسطينية.

إن فتح ملف حقوق الإنسان في مناطق الحكم الذاتي ليس أمرًا سابقًا لأوانه، كما قد يظن بعض المتعاطفين مع حكومة الرئيس عرفات؛ لسببين:

الأول: إن المواطن الفلسطيني الذي يتعرض لأقسى أنواع الانتهاكات الإنسانية من جانب سلطات الاحتلال لا يمكن أن يتحمل انتهاكات مزدوجة تشارك فيها حكومته الوطنية.

الثاني: إن السكوت عن هذه الانتهاكات في هذه المرحلة المبكرة من عُمر السلطة الفلسطينية قد يفتح الباب أمام انتهاكات أكبر وأشد خطورة خاصة مع احتمال تزايد وصعود المعارضة الوطنية، وتمايز فصائلها عقب الانتخابات المزمع إجراؤها، من هذا المنطلق يكون من المفيد للجانبين (للسلطة الوطنية والمواطن الفلسطيني)، أن تراجع ما حوته تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية، أهمها وأخطرها تقرير لجنة مراقبي حقوق الإنسان الدولية، الذي صدر الشهر الماضي.

ولعل من قبيل التكرار أن نشير إلى انتهاكات سلطات الاحتلال الإسرائيلي لحقوق الإنسان الفلسطيني حتى في مناطق الحكم الذاتي التي من المفترض -وفقًا للاتفاق- أن تكون خاضعة خضوعًا تامًّا للسلطة الوطنية، فما يقوم به الاحتلال ليس جديدًا، وفي ظننا أنه سيستمر إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، وتتحرر فلسطين وتعود السيادة الكاملة لأصحاب الأرض والوطن، فلا زالت سلطات الاحتلال تمارس من سياستها العدوانية، التي تمارسها منذ نصف قرن تقريبًا دون توقف ولم يحد من عنفها اتفاق الحكم الذاتي.

لقد شملت الاتهامات الموجهة إلى السلطة الوطنية انتهاكات كان يمكن قبولها من جانب سلطات الاحتلال الغاشم على أساس أنها -أي هذه الانتهاكات- نتيجة طبيعية للاحتلال، وأصبحت لكثرتها واستمراريتها من قبيل نظام الحياة اليومية في الأراضي المحتلة، ويبدو الأمر كما لو كانت سلطات الاحتلال قد ورّثت السلطة الوطنية أساليبها العنيفة في التعامل مع المعارضين، وانتهاك حقوقهم الإنسانية، ولا نريد هذا الانسياق وراء الآراء، التي تقول: إن انتهاك السلطة الوطنية لحقوق مواطنيها أو بالأصح معارضيها كان شرطًا إسرائيليًّا خبيثًا وبندًا سريًّا غير مكتوب في اتفاق الحكم الذاتي، فلم تشذ السلطة الوطنية عن سلطات الاحتلال عندما شنت في الفترة بين أغسطس ونوفمبر من العام الماضي حملة تطهير واسعة النطاق اعتقلت فيها المئات من المعارضين -لها وللاحتلال الإسرائيلي ردًّا على أعمال فدائية مشروعة ضد قوات الاحتلال- الذين لم يكن لهم أدنى صلة بهذه الأعمال، وليس ببعيد حملة الاعتقالات التي شنتها قوات الأمن الفلسطينية مساء الحادي عشر من نوفمبر الماضي، واعتقلت خلالها وفقًا لتقديراتها هي 140 شخصًا من الذين تشك -مجرد شك- في أن لهم صلة بالجماعة، التي أعلنت مسؤوليتها عن العمل الفدائي الذي وقع على الطريق بين غزة وخان يونس، وأودى بحياة ثلاثة إسرائيليين، وغالبًا ما تتم عمليات المداهمة والاعتقال دون إذن قضائي، ودون إبداء الأسباب، ودون إعلام المعتقل بحقوقه القانونية، أو إعلام ذويه بذلك، وقد أكدت هذه الحقائق الهيئات الحقوقية الدولية والمحلية العاملة في الأراضي المحتلة، مثل: هيئة التضامن الدولي، ومركز معلومات حقوق الإنسان الوطني من خلال مقابلات حية مع الذين سبق اعتقالهم، والمؤكد كما تقول جماعة الحق لحقوق الإنسان: إن عمليات الاعتقال ما هي إلا عمليات خطف مسلح وليست عمليات قبض قانوني، ولذلك تحجب سلطات الأمن المعلومات عن أهالي المعتقلين، الذين ينتقلون بين مراكز الشرطة والسجون بحثًا عن أبنائهم.

وقد أشارت هيئة التضامن الدولي -التي يستشهد بها تقرير لجنة مراقبة حقوق الإنسان الدولية كثيرًا- إلى اقتران عمليات الاعتقال بالعنف من جانب رجال الشرطة مثل تحطيم أبواب المنازل أثناء مداهمتها وإطلاق أعيرة نارية في الهواء، وهذا ما حدث في الحملة التي اعتقل فيها 200 من أنصار حركة حماس في 13 أكتوبر الماضي في أعقاب حادث اختطاف جندي إسرائيلي، ولا يتوقف الأمر مع الأسف عند حد الاعتقال؛ إذ يستتبع ذلك في بعض الحالات عمليات تعذيب بدني داخل المعتقلات خاصة لأولئك الذين يشتبه في تعاونهم مع سلطات الاحتلال.

ولعل ما يجب الإشارة إليه هنا هو عداء السلطة الوطنية الفلسطينية غير المبرر لحرية الإعلام والصحافة، فرغم تاريخ مرير مع سلطات الاحتلال استطاعت الصحافة الفلسطينية خلاله الحفاظ على تواجدها على الساحة رغم كل ما لاقته من عنت، وجدت هذه الصحافة نفسها تواجه ما لم تكن تتوقعه من أبناء جلدتها، فقد تم إغلاق صحيفة النهار لمدة 5 أسابيع، وتعطيل توزيع الصحف في قطاع غزة.

إن هذه الانتهاكات التي حفل بها العام الأول من عمر سلطة الحكم الذاتي يجب أن تتوقف على الفور؛ حتى لا تكبر بها، وحتى لا تكون بديلًا ممسوخًا للاحتلال الإسرائيلي الغاشم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1344

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق