العنوان حقائق لابد من توافرها لتطبيق قانون الأحوال الشخصية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-1978
مشاهدات 155
نشر في العدد 421
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 28-نوفمبر-1978
صدر العدد الأول من النشرة الدورية «القانوني» التي تصدرها اللجنة الثقافية بجمعية القانون في كلية الحقوق والشريعة بجامعة الكويت، وقد حفل العدد بمواضيع قيمة، منها «السنة ومكانتها في التشريع»، «القانون الدستوري والإسلام»، «حقائق لا بد من توافرها لتطبيق قانون الأحوال الشخصية»
ولا شك أن إصدار هذه النشرة الدورية، استغلال موفق لطاقات الطلبة، وعطاءاتهم الفكرية، انطلاقا من الإسلام، والتزامًا بعقيدته، و«المجتمع» تشجيعًا منها لهذه الجهود الطيبة، المباركة -إن شاء الله- تورد نص الدراسة التي أوردتها «القانوني» في صفحتها الأولي للدكتور عجيل جاسم النشمي الأستاذ بكلية الحقوق والشريعة بعنوان «حقائق لابد من توافرها لتطبيق قانون الأحوال الشخصية»، لأهميتها .
الحقيقة الأولى :ضرورة تهيئة المناخ الإسلامي:
إن ما نلاحظه من حركة دؤوب لإعادة النظر في القوانين المعمول بها مع مراعاة أحكام الشريعة الإسلامية وعدم الاصطدام مع أحكامها، لهي ظاهرة تستحق الوقوف والتشجيع، وإن دلت على شئ فإنما تدل على حرص لتلبية رغبات الشعب في مناداته بتطبيق الشريعة، وإدراك لقصور القوانين الوضعية عن تلبية متطلبات المجتمع، وحاجة نصوصها للتغيير كلما تغيرت أحوال وظروف المجتمع، مما زعزع ثقة الناس بهذه القوانين .
وقانون الأحوال الشخصية يعتبر أكثر القوانين حاجة بالاهتمام والعناية، فإذا أريد لقانون الأحوال الشخصية أن يؤدي دوره في الأسرة والمجتمع ويعود عليهما بالطمأنينة والاستقرار، فلا بد من إبراز حقائق هامة لا تقل أهمية عن القانون نفسه بل هي صنو القانون وإطاره.
إن تطبيق قانون الأحوال الشخصية الإسلامي يحتاج إلى وعاء إسلامي يزاول فيه أحكامه، بمعنى أنه يحتاج إلى أوضاع أسرية واجتماعية إسلامية يعايشها ويضع الحلول لمشاكلها.
وإذا كان من المستحيل أن يطبق هذا القانون على مجتمع لا يدين بالإسلام، فإنه من العسير تحقيق أحكامه في مجتمع إسلامي تكدرت فيه بعض المشارب الأسرية والاجتماعية، وبعدت عنه في بعض النواحي .
فلابد من إزالة هذا الكدر وتقريب هذا البعد حتى يزاول قانون الأحوال الشخصية مهمته بمعالجة أوضاع في مناخ إسلامي، ولذا فلابد أن يسبق تطبيق هذا القانون تعديل للأوضاع الأسرية والاجتماعية المخالفة لتعاليم الإسلام، ولابد من نظرة تصحيح شمولية تهيئ المناخ لهذا القانون، وهذا شأن بقية القوانين الإسلامية كالقانون الجنائي، فلا يمكن أن
ولا كبيرة، وإنما من وضع الخبير العليم جل وعلا، فهو تشريع نزل كاملا ليطبق على أوضاع اجتماعية خاصة رسمها القرآن والسنة وبينّا حدودها ومواصفاتها، فالقرآن هو الذي يضع للناس تصوراتهم ومقاييسهم، ثم يضع الحدود والمواصفات، ولهذا فإن هذه التصورات وحدودها تتكرر على مر الزمان ولا تتقيد بوقت دون وقت ولا بظرف دون ظرف، مع بقاء الأحكام الشرعية، هي هي دون تغيير ولا تبديل، وما على الناس إلا أن يكيفوا أنفسهم وأحوالهم حسب ما يطلبه هذا الدين الحنيف لتطبق عليهم تبعًا له أحكامه.
نقول هذا إحساسًا منا أن هناك بعض الجوانب في أوضاعنا الاجتماعية قد تصطدم مع أحكام قانون الأحوال الشخصية، فينبغي أن تعدل هذه الأوضاع قبل أن تطبق أحكام هذا القانون حتى لا نضطر إلى لوي عنق هذه الأحكام كيفما توافق أوضاعنا، فبدلا من أن نخضع لها نخضعها لنا، وحين نفعل ذلك يفقد قانون الأحوال الشخصية هويته، ويصبح أي شي آخر غير قانون الأحوال الشخصية الإسلامي.
الحقيقة الثانية: الترقيع مرفوض في الأحكام الإسلامية
إن قانون الأحوال الشخصية ينبغي أن يؤخذ كاملا من مصادره غير مجزء وألا يفصل بين أحكامه؛ لأن كل حكم فيه إنما وضع منسجمًا مع بقية الأحكام الأخرى، ولكل دوره، فالفصل بين أحكامه إخراج له عن مساره الصحيح، وكما أنه لا يجوز الفصل بين أحكامه كذلك فإنه لا يجوز الفصل بينه وبين بقية التشريعات أو القوانين الأخرى كالقانون الجنائي والمدني والتجاري وغيرها، ولابد أن تتضافر كل القوانين مع هذا القانون، بل لا نبالغ إذا قلنا أنها ينبغي أن تخدمه وتتمثل خطه العام .
ذلك أن القوانين كلها إنما وجدت لتكفل للأسرة والمجتمع طمأنينته وحمايته، وتعطي كل ذي حق حقه، وقانون الأحوال الشخصية هو القانون المباشر للأسرة التي هي نواة المجتمع، وما ينبثق عن علاقات الأسر والأفراد من حاجة للتنظيم المدني أو التجاري أو غيرهما أو إخلال بحقوق الغير تتدخل بقية القوانين كل في مجاله .
بشكل منسجم مع ما كفله قانون الأحوال الشخصية من حقوق وواجبات، وهذه صفة لازمة لقانون الأحوال الشخصية فحينما ينظم قانون الأحوال الشخصية علاقات الأسر وحقوق الأفراد وواجباتهم في العلاقة الزوجية- مثلا- ويرتب عقوبة الزنا على الإخلال والخيانة بحق هذه العلاقة فإن العقوبة تأتي منسجمة مع ما كفله الإسلام لهذه العلاقة وما حاطها به من رعاية وأمن، ولذلك تختلف العقوبة في الجريمة نفسها مع غير المحصن.
فلا يمكن أن تفصل في عرف الإسلام بين القانون الذي نظم العلاقة والقانون الذي يقرر العقوبة ما دام مصدر التشريع واحدًا لكل الأحكام على تنوعها وهو الكتاب والسنة، فلا بد إذا من أخذ الكل حتى يؤدي القانون دوره ويؤتي ثمرته، وحينما أراد بعض اليهود أن يدخلوا الإسلام مشترطين بقاءهم على بعض تقاليدهم المعارضة لهدى الإسلام بين لهم الله -عز وجل- خطأ معتقدهم، وأن هذا الدين الجديد يؤخذ كله جملة واحدة فأحكامه كلها بمثابة حكم واحد مترابطة أحكامه وتفصيلاته، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (سورة البقرة: 208)
والسلم الإسلام.
ويحذر القرآن الكريم النبي - صلى الله عليه وسلم- من التهاون وترك بعض أحكام القرآن جريًا وراء أهواء الناس وإرضاءهم ويأمره أن يحكم بكل ما أنزل الله - عز وجل-: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْك﴾
وينكر الله عز وجل على اليهود إنكارًا شديدًا أن يؤمنوا ببعض الكتاب ويتركوا بعضه ويبين لهم ولنا أن هذا أمر يخدش الإيمان بل قد يزيله، فيقول تعالى:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة البقرة: 85)
فالترقيع بين أحكام الإسلام وغيره أمر لا يقره الإسلام ولا يرضاه؛ لأنه لا يحقق المقصد الشرعي من تقرير الحكم.
الحقيقة الثالثة :ما لا يدك كله لا يترك جله
إن ما سبق من الحقائق يدخل في إطار الإيمان بهذا الدين الذي أراد الله أن يكون منهج حياتنا كلها صغيرها وكبيرها خاصها وعامها.. ونرجو أن لا يفهم مما سبق أننا نرفض قانون الأحوال الشخصية، فإنما أردنا أن نبين المجال الحي الذي يمارس فيه هذا القانون فاعليته وسلطته ويؤتي ثمرته، وإذا لم يتحقق هذا المبتغى بالشكل المطلوب فإننا نقبل بقانون الأحوال الشخصية وتطالب ببقائه وندافع عن هذا البقاء على صورته معتقدين أن هذا تقصير لا ينبغي الإصرار عليه والاستمرار فيه، وينبغي أن تشحذ الهمة وتصدق النية للعودة بهذا القانون وغيره إلى صورته الإسلامية الصافية.