العنوان حقائق في وثائق.. محمد الرسول والسياسي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1990
مشاهدات 184
نشر في العدد 953
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 06-فبراير-1990
دراسة وثائقية توضح كيف يغزو الغرب الصليبي أفكار الأجيال في بلادنا
الكراهية المعلنة للإسلام والمسلمين عند النصارى واليهود دفعتهم لتلفيق الافتراءات.
عرضنا في العدد السابق من المجتمع جانبًا من الافتراءات والأكاذيب التي اختلقها صاحب عقل مخبول مريض لتقدم نماذج من فكر الغرب حول الإسلام ورسوله وكتابه، وللأسف والأسى هذا النتاج المسموم يقدم لناشئة المسلمين -وهي التي لم يكتمل نموها الفكري والعقلي وليس لديها المناعة الفكرية والحصانة العقلية- يقدم على أنه نتاج العلم والدراسات العلمية العقلية ليملأها بالشك والحيرة ويتركها وقد تزلزلت منها العقائد واهتز لديها الإدراك والوعي ليسهل عليه قيادها بعد ذلك إلى ما يريد ويجعلها بوقًا تردد إفكه وكيده دون وعي، وهو ما نلاحظه في عامة من تشربوا الفكر الغربي وصاروا سماسرته ومروجيه في ديارنا. واليوم نعرض للجزء الباقي من الافتراءات والتلافيق ثم نعقبه بالتعليق، نعرضه كما قلنا أولًا لننبه به كل من يهمه الأمر.
10- ص 60 يسرد الكاتب قصة الغرانيق التي نشرها الزنادقة للترويج ضد الإسلام ويقول: «في وقت ما تلا محمد بعض الآيات من القرآن التي تمدح وتؤيد وتبين شفاعة الأصنام وهذه هي:
أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى هذه هي الغرانيق العلى وأن شفاعتهم لترتجى وما يطلبه العباد منهم لا يهمل أبدًا. ثم عاد محمد بعد ذلك فحذف هذه المقاطع من القرآن، والتفسير الذي أعطاه البعض في وجود هذا الكلام في القرآن هو أن الشيطان استطاع أن يدس بعض الكلام المزيف أثناء نزول الوحي ولم يلاحظ محمد ذلك». ويستمر الكاتب في قوله إن محمدًا حاول استمالة أغنياء مكة وحاول إغراءهم بدخول الإسلام وأن الشيطان دس هذا الكلام أثناء تلقي محمد الوحي.
11- وعندما يتحدث الكاتب عن اليهود يتكلم عنهم بكل التوقير والاحترام وبأنهم ذوو مكانة في المدينة وأنهم سبب الحضارة فيها، كما أن نشأة الزراعة بها مدينة لهم فيقول ص 85: «كانت لليهود السيطرة السياسية في المدينة المنورة وكان العرب يعتمدون عليهم اعتمادًا كبيرًا، ولقد كان اليهود هم الذين نموا وطوروا الزراعة في المدينة كما في أجزاء أخرى في شبه الجزيرة العربية».
ص 98 يقول الكاتب: «لقد عاش اليهود في المدينة منذ وقت طويل ولا بد أن وجودهم قد ساعد على انتشار فكرة التوحيد بأن الله واحد ومن الطبيعي أن هذا قد يسّر وسهل القبول بنبوة محمد».
في نفس الصفحة يتناقض الكاتب مع ما سبق قوله إن محمدًا تأثر باليهودية والمسيحية فيقول: بالرغم من أن اليهود في المدينة لم يكونوا على إلمام كبير باليهودية وبالكتب المقدسة إلا أنهم أدركوا إدراكًا قويًّا وكان لديهم الوعي الكامل بأن دين محمد يتناقض إلى حد كبير وبما لا يدع مجالًا للشك مع الديانة والتعاليم اليهودية وكان اليهود جميعًا على اتفاق كامل في هذا الموضوع.
ص 99- «كان محمد يتلهف لكي يعترف به اليهود وقد أدرك أنه بدون اعترافهم به وبدون المساعدة منهم فإن الدعائم التي ترتكز عليها ديانته ستكون في خطر الانهيار الكامل. وكان محمد صلى الله عليه وسلم على أتم الاستعداد بالسماح لهم بإقامة شعائر دينهم والاحتفاظ باليهودية إذا اعترفوا به نبيًّا على قدم المساواة مع أنبيائهم.
ولكن برغم كل ذلك وبرغم تسامح محمد معهم إلا أنهم أعلنوا أن القرآن ما هو إلا كلام محمد وليس منزلًا من عند الله وأن محمدًا ليس رسولًا من الله».
12- يواصل الكاتب الدس ويقول كلامًا غريبًا والمقصود به القضاء على ليلة الإسراء والمعراج التي فرض فيها الله سبحانه وتعالى الصلوات الخمس فيقول في ص 100:
«ليس هناك دليل واضح يمكن الارتكان إليه أن الصلوات الخمس قد تحددت تمامًا أثناء حياة محمد».
التعليق:
أ- إن الافتراءات الكثيرة التي يزعمها اليهود والمسيحيون حول الرسول الأعظم وأنه أتى بالقرآن من عنده لهي الكراهية المقيتة للإسلام والمسلمين. ولأنهم عاجزون عن تصيد الأخطاء في القرآن وما استطاعوا أن يجدوا فيه الثغرات فتقوّلوا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو مؤلفه والروايات في ذلك كثيرة:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل:103).
وهنا يزعمون أن الذي يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا القرآن إنما هو بشر. وهذا كيد لأنه لو كان الذي علم محمدًا صلى الله عليه وسلم الكتاب بشر لكان أظهر نفسه وهو أولى به. واليوم بعد أن تقدمت البشرية كثيرًا وتفتقت مواهب البشر عن كتب ومؤلفات وعن نظم وتشريعات يملك كل من يتذوق وكل من يفقه أصول النظم الاجتماعية والتشريعات القانونية أن يدرك أن مثل هذا الكتاب لا يمكن أن يكون من عمل البشر.
إن الملحدين الماديين في روسيا عندما أرادوا أن يطعنوا في هذا الدين في مؤتمر المستشرقين عام 1954 كانت دعواهم أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من عمل فرد واحد -محمد صلى الله عليه وسلم- بل من عمل جماعة كبيرة، ولم يقولوا ما يوحي به المنطق الطبيعي المستقيم. إنه من وحي رب العالمين. لأنهم ينكرون أن يكون لهذا الوجود إله.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء:82).
إن التناسق المطلق الشامل الكامل هو الظاهرة التي لا يخطئها من يتدبر هذا القرآن أبدًا ومستوياتها ومجالاتها، مما تختلف العقول والأجيال في إدراك مداها ولكن كل عقل وكل جيل يجد فيها -بحسب قدرته وثقافته وتجربته وتقواه- ما يملك إدراكه.
إن في كلام البشر تبدو القمم والسفوح، التوفيق والتعثر، القوة والضعف، التحليق والهبوط، الرفرفة والثقلة، الإشراق والإطفاء... إلى آخر الظواهر التي تتجلى معها سمات البشر وأخصها سمة «التغير» والاختلاف المستمر الدائم من حال إلى حال، يبدو ذلك في كلام البشر واضحًا عندما تستعرض أعمال الأديب الواحد أو المفكر الواحد أو السياسي الواحد أو القائد العسكري الواحد. أو أيًّا كان في صناعته التي يبدو فيها الوسم البشري واضحًا وهو التغير والاختلاف.
هذه الظاهرة واضحة كل الوضوح أن عكسها وهو الثبات والتناسق هو الظاهرة الملحوظة في القرآن؛ فهناك مستوى واحد في هذا الكتاب المعجز تختلف ألوانه باختلاف الموضوعات التي يتناولها ولكن يتحد مستواه وأفقه والكمال في الأداء بلا تغيير ولا اختلاف من مستوى إلى مستوى... كما هو الحال في كل ما يصنع الإنسان.
إنه يحمل طابع الصنعة الإلهية، ويدل على الصانع يدل على الموجود الذي لا يتغير من حال إلى حال ولا تتوالى عليه الأحوال وتتجلى ظاهرة عدم الاختلاف والتناسق المطلق الشامل الكامل بعد ذلك في ذات المنهج الذي تحمله العبارات ويؤديه الأداء... منهج التربية للنفس البشرية والمجتمعات البشرية ومحتويات هذا المنهج وجوانبه الكثيرة -ومنهج التنظيم للنشاط الإنساني للأفراد والمجتمع الذي يضم الأفراد وشتى الجوانب والملابسات التي تطرأ في حياة المجتمعات البشرية على توالي الأجيال.
وإذا كان الفارق بين صنعة الله وصنعة الإنسان واضحًا كل الوضوح في جانب التعبير اللفظي والأداء الفني فإنه أوضح من ذلك في جانب التفكير والتنظيم والتشريع. فما من نظرية بشرية وما من مذهب بشري إلا وهو يحمل الطابع البشري. جزئية النظر والرؤية والتأثر الوقتي بالمشكلات الوقتية وعدم رؤية المتناقضات في النظرية أو المذهب أو الخطة التي تؤدي إلى الاصطدام بين مكوناتها -إن عاجلًا أو آجلًا- كما تؤدي إلى إيذاء بعض الخصائص في الشخصية البشرية الواحدة التي لم يُحسب حساب بعضها أو في مجموعة الشخصيات الذين لم يُحسب حساب كل واحدة منها إلى عشرات ومئات من النقائض والاختلاف الناشئة من طبيعة الإدراك البشري المحدود ومن الجهل البشري بما وراء اللحظة الحاضرة فوق جهله بكل مكوناتها، وعكس ذلك كله هو ما يتسم به المنهج القرآني الشامل المتكامل الثابت الأصول ثبات النواميس الكونية الذي يسمح بالحركة الدائمة مع ثباته كما تسمح بها النواميس الكونية.
ب- الإسراء والمعراج في القرآن:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء:1).
إن جميع الروايات تقول إن الرسول «صلى الله عليه وسلم» ترك فراشه في بيت أم هانئ إلى المسجد فلما كان في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان أُسري به وعُرِج - ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد.
إن هذه الواقعة مؤكدة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والمسافة بين الإسراء والمعراج... المسافة بين هذه الحالات كلها ليست بعيدة، ولا تغير من طبيعة هذه الواقعة شيئًا وكونها كشفًا وتجلية للرسول صلى الله عليه وسلم عن أمكنة بعيدة وعوالم بعيدة في لحظة خاطفة وقصيرة والذين يدركون شيئًا عن طبيعة القدرة الإلهية ومن طبيعة النبوة لا يستغربون في الواقعة شيئًا. فأمام القدرة الإلهية تتساوى جميع الأعمال التي تبدو في نظر الإنسان وبالقياس إلى قدرته وإلى تصوره متفاوتة السهولة والصعوبة حسب ما اعتاده وما رآه. والمعتاد المرئي في عالم البشر ليس هو الحكم في تقدير الأمور بالقياس إلى قدرة الله. إن طبيعة النبوة هي الاتصال بالملأ الأعلى -على غير قياس أو عادة لبقية البشر- وهذه التجلية لمكان بعيد أو عالم بعيد والوصول إليه بوسيلة معلومة أو مجهولة ليست أغرب من الاتصال بالملأ الأعلى والتلقي عنه.
ويلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتخذ من الواقعة معجزة لتصديق رسالته -وقد قامت البيئة عندهم على صدق الإسراء على الأقل- ذلك أن هذه الدعوة لا تعتمد على الخوارق إنما تعتمد على طبيعة الدعوة ومنهاجها المستمد من الفطرة القوية المتفقة مع المدارك بعد تصحيحها وتقويمها- فلم يكن جهر الرسول صلى الله عليه وسلم بالواقعة ناشئًا عن اعتماده عليها في شيء من رسالته إنما كان جهرًا بالحقيقة المستيقنة له لمجرد أنها حقيقة.
إن الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة مختارة من اللطيف الخبير تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل إلى محمد خاتم الأنبياء، وتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعًا. وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدسات الرسل قبله واشتمال رسالته على المقدسات وارتباط رسالته بها جميعًا؛ فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان وتشمل آمادًا وآفاقًا أوسع من الزمان والمكان وتتضمن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشف عنها للنظرة الأولى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل