العنوان حقائق في وثائق: الخارجية الأمريكية وواقعة تنصير التلميذات التركيات
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1988
مشاهدات 86
نشر في العدد 880
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 30-أغسطس-1988
وقعت الولايات المتحدة وتركيا في لوزان بسويسرا في أغسطس عام ١٩٢٣م اتفاقًا يعيد العلاقات الدبلوماسية المقطوعة بينهما، ويعمل على حل المشاكل المعلقة بين البلدين، وقد اعترض مجلس الشيوخ الأمريكي على هذا الاتفاق بشدة، إلا أن العلاقات الدبلوماسية قد أعيدت بين الدولتين بالفعل في ١٧ فبراير عام ١٩٢٧م بعد تبادل محدود للمذكرات وتسلم «جوزيف جروو» أول سفير أمريكي في تركيا مهام منصبه في مارس عام ١٩٢٧م.
في عام ١٨٧٠ كان المكتب الأمريكي للإرساليات التنصيرية التابع لمجمع الكنائس في الولايات المتحدة هو أهم المؤسسات الأمريكية العاملة في تركيا. وصل أعضاء هذا المكتب مع حلول عام ١٩١٤م إلى ١٧٥ عضوًا، وامتلك سبع عشرة محطة تنصيرية أساسية، وتسع مستشفيات، وأشرف على ٤٢٦ مدرسة تضم خمسة آلاف تلميذ وتلميذة.
كانت الخدمات التي يقدمها المكتب في تركيا تنصيرية الأساس، تعليمية في الظاهر، وكان الأتراك يخشون من المدارس الأجنبية وخاصة ذات التعليم الديني -لا حبًّا في الإسلام- وإنما كما يقول السفير الأمريكي: «إن السلطات التركية لا ترى أن الشخصية يجب أن تتشكل من خلال الدين، وإنما من خلال العقل والقومية» كما كان الأتراك يشعرون بالدور التنصيري غير المعلن للمؤسسات الأمريكية، ولهذا أشارت بعض الصحف التركية إلى «أن المدارس الأمريكية تخلق بنية مسيحية كاملة يعيش فيها الشباب التركي ويتشرب منها بالتدريج ولا شعوريًّا الطرق والمعتقدات المسيحية تحت شعار: بناء الشخصية، بصورة لا تعبر عن الحياة الحقيقية في المجتمع التركي».
ولقد منعت الحكومة التركية أي تعليم ديني، سواء أكان في مدارس تركية أم أجنبية، واتخذت من الإجراءات ما يمنع الإشارة إلى الرموز الدينية في فصول الدراسة، كما كانت تفرض الضرائب على المدارس الأجنبية وتشترط موافقتها على تعيين المدرسين والموضوعات التي تدرس، وكان واضحًا أن هذه القيود ستقف عقبة أمام تحقيق الهدف الأساسي للمدارس الأجنبية وهو «التنصير»، ولهذا اجتمع المكتب الأمريكي ليتخذ قرارًا حاسمًا حول استمرار عمله في تركيا، وتساءل أعضاء المكتب: «هل من الممكن أن تعمل مدارسنا بلا إنجيل، الذي هو العمود الفقري لمهمتنا؟
وقرر المكتب بعد مناقشة القضية من أنه لا بد أن يكون له وجود، وأنه لا بد من الحفاظ على النفوذ المسيحي على التعليم التركي. وقال المكتب في تقرير له: إن الشعب التركي يحتاج إلى مدارسنا بدليل زيادة أعداد التلاميذ الذين ينتمون إلى أسر إسلامية.. ويعلم الآباء الأتراك الذين يرسلون أبناءهم إلينا بأن مدارسنا ذات نهج مسيحي، لكنهم يعتقدون بأننا لن ننتهك قوانين الدولة المعادية للدين وهم وإن كانوا لا يريدون لأطفالهم التنشئة في جو من العادات والثقافات غير التركية، فإنهم يسلمون بأن نوعية التدريس في مدارسنا أفضل من المدارس الوطنية».
حدثت الواقعة المشار إليها في يناير عام ١٩٢٨ وتسمى بواقعة البورصة، أو واقعة مدارس ليسيه البورصة نسبة إلى إقليم البورصة في تركيا، حيث قامت كل من لوسيلي داي وأديث ساندرسون وجيناي جيلسون بتنصير ثلاث تلميذات مسلمات. كانت التمليذات قد كتبن في مذكراتهن الخاصة عن الأفكار والظروف التي أحاطت بهن، والتي أدت بهن إلى هذا المصير. وحينما وقعت هذه المذكرات في أيدي السلطات التركية أغلقت المدرسة بعد أن تأكدت من صحة الواقعة. ولم تغلق السلطات هذه المدارس غيرة على الإسلام بالطبع؛ وإنما لأنها وجدت أن المدرسة تخالف سياسة الدولة العلمانية وتعمل ضد ما تهدف إليه الحكومة من التركيز على القومية التركية فحسب.
اتهمت الحكومة المدرسات الأمريكيات بأنهن قد خالفن قانون البلاد الذي يمنع أي نشاط ديني وأدانتهن المحكمة التركية في ٣ إبريل عام ١٩٢٨، وأبطلت محكمة الاستئناف هذا الاتهام بسبب بعض المسائل الإجرائية، وأمرت بمحاكمة جديدة وانتهت بقرار يؤيد إدانتهن. ورفع الأمر إلى محكمة النقض التي أيدت القرار وأصدرت حكمها الغريب بالحبس المنزلي ثلاثة أيام وغرامة ثلاث ليرات لكل منهن. وكانت اثنتان منهن قد غادرتا تركيا قبل صدور هذه الأحكام.
ويعلق روجر تراسك الأستاذ بكلية ماكا لستر بمنيسيوتا على هذه الأحكام قائلًا: لقد أثبتت الأحكام الصادرة ضد المدرسات الأمريكيات بأن الحكومة التركية عمدت إلى إظهار تصميمها على تدعيم القوانين المضادة للتعليم الديني، ولم تكن تهدف إلى الانتقام من هؤلاء المدرسات.
انتشرت أخبار الواقعة في أنحاء تركيا، وهاجمت الصحافة التركية المدارس الأمريكية وكتبت مجلة الحياة في ٢ فبراير ۱۹۲۸ مقالة بعنوان «تساؤلات هامة حول واقعة التنصير» تقول فيها: «لماذا توجد مدرسة أمريكية في إقليم البورصة على الرغم من عدم وجود أسرة أمريكية واحدة تقيم هناك؟».
كان السفير جروو يدرك تمامًا قضية معارضة السلطات التركية للتعليم الديني، وأن محاولة نصرنه الشباب التركي تعارض شعار القومية التركية، لهذا أشار السفير بتغيير كلمة «الكاثوليكية» وإحلال كلمة «المسيحية» بدلًا منها حتى لا يبدو الأمر على أنه مسألة دين، وإنما مسألة ثقافية قومية. ولعل إشارة السفير هذه بشاهدة على وقوفه وراء جهود المكتب الأمريكي بمدارسه المختلفة في تنصير الأتراك.
وعلى مستوى الخارجية الأمريكية في واشنطن حذرت السفارة التركية من أن واقعة البورصة تشكل أكبر ذخيرة ضد الأتراك في الولايات المتحدة، وأن مسألة محاكمة المدرسات الأمريكيات تقنع الشعب الأمريكي بأن تركيا ما زالت «متعصبة إسلاميًّا» مما يعني أن على الحكومات ألا تعترض على أي محاولة من جانب الهيئات والمدارس الأمريكية العاملة في بلادها لتنصير شعوبها؛ لأن هذا سيغضب الشعب الأمريكي والحكومة الأمريكية، وأن أي دفاع عن الدين في مواجهة جهود المنصرين ليس إلا تعصبًا إسلاميًّا، وليس من حق المسلمين التعصب لدينهم.
وكان السفير الأمريكي يتابع جهود هذه المؤسسات الأمريكية ويقوم بزيارتها، وقال في أحد جولاته: «أنا لا أريد من الحكومة التركية أن تشعر في كل وقت أزور فيه أنقرة مستفسرًا عن أمر ما بأنني أستغل منصبي لضمان كافة الحقوق للمؤسسات الأمريكية الدينية منها والخيرية معارضًا بذلك رغبة الحكومة التركية. وأنه إذا لم يكن الأتراك يريدون مدارسنا ومؤسساتنا، فليس لنا أن نحشوهم حتى الحلق، فقد ولت أيام الامتيازات الأجنبية».
هذا وقد اقترح وزير الخارجية الأمريكية وقتها إجراء محادثات مع السلطات التركية حول أزمة البورصة. وتقابل السفير جروو مع وزير الخارجية التركي «توفيق آراس» في ۷ فبراير ۱۹۲۸ ونبه السفير في ملاحظاته للوزير التركي إلى «رد الفعل غير السار لواقعة البورصة في الولايات المتحدة، وكيف أن هذا الأمر يسيء للعلاقات الأمريكية التركية، وخاصة إذا ما استمرت السلطات والصحافة التركية في الهجوم المتطرف على المؤسسات والمدارس الأمريكية» وطلب من آراس الآتي:
1- أن يوقف هجوم الصحافة التركية.
٢- أن يعلق أمر محاكمة المدرسات الأمريكيات.
٣- أن يسعى إلى إعادة فتح مدارس البورصة والمدارس الأخرى التي أغلقت.
٤- أن يقرر أن الحادثة كانت أمرًا عرضيًّا وأنها لا تعرض باقي المؤسسات الأمريكية للشبهة.
والغريب في الأمر أن الوزير التركي قد وعد بالنظر في معظم هذه الطلبات المذلة، مشيرًا فقط إلى أنه من غير المستطاع استمرار مدارس البورصة في عملها.
كما اجتمع السفير الأمريكي برئيس الوزراء عصمت أينونو وأبلغه بأن إعادة فتح بعض المدارس الأمريكية سوف يكون له تأثير طيب ويكون في نفس الوقت إعلانًا من قبل الحكومة التركية على أن هدفها ليس أصلًا مقاضاة المدارس الأمريكية وإنما معاداة الدين والدعايات الدينية فقط.
وكان «يندجاتي باي» وزير التعليم التركي وقتها يقف موقفًا معاديًا من المدارس الأمريكية، ولم يعجب ذلك الأمريكيون بالطبع، ووصف السفير الأمريكي يندجاتي بأنه «سياسي من النوع الجاف الغير مثقف، والذي يصعب النظر إليه على أنه متعلم» واتهمه بأنه يتبع «أساليب ميكافيلية» ولا يرغب في فتح المدارس الأمريكية. وحينما توفي يندجاتي باي قال السفير الأمريكي: «هناك تقدم ملحوظ في الموقف يعود جانب كبير منه إلى وفاة يندجاتي».
وفي ٢٦ فبراير ۱۹۲۸ وافقت الحكومة التركية على إعادة فتح مدارس الأولاد في سيفاس، وإضافة قسم مهني في مدرسة ميرزفون، ولم يرض ذلك السفير الأمريكي الذي قال: «بأن ما أقدمت عليه السلطات التركية لم يكن امتيازًا خاصًّا لنا؛ لأنها كانت تنوي فتح قسم مهني في ميرزفون قبل حدوث الأزمة».
وسعى المكتب الأمريكي مرارًا لإلغاء الضرائب المفروضة على مدارسه، وهنا تدخل السفير الأمريكي وأعلن «بأن استمرار فرض هذه الضرائب قد يأتي بنتائج عكسية تؤثر على العلاقات الأمريكية- التركية، ويجب أن تستثنى هذه المدارس من الضرائب»، ولهذا اتخذت الحكومة التركية قرارًا لصالح المدارس مما حدا بأعضاء المكتب إلى القول: «يجب أن نصلي صلاة شكر لأن السلطات العليا وقفت إلى جانب العدالة، ولم تقف إلى جانب استنزاف المال».
كما اشتكى المكتب الأمريكي من ضريبة المباني المفروضة على مدارسه، فتدخلت الخارجية الأمريكية واستدعت السفير التركي في واشنطن «منير أرتجن» وهو واحد من خريجي هذه الإرساليات ذاتها، وقالت له: إن هذا الأمر سيؤثر على اتجاهات الشعب الأمريكي نحو تركيا، فاتخذت الحكومة التركية قرارًا في يونيو عام ۱۹٣٨ أعفت فيه المدارس والكليات الأمريكية من ضريبة المباني.
هذا وقد جاء في تقارير الإرساليات الآتي: «إن أحداث أزمة البورصة لتبين لنا أننا يجب أن نعتمد على المسيحية غير المعلنة لنشر معتقداتنا»، «لقد علمنا الآلاف من الشباب التركي وغيرنا النظرة المعتمة للمسيحية في أرض لم تكن فيها عميقة الجذور». «إن الخدمات الهامة والبعيدة المدى التي قدمناها باسم روح المسيح لا بد وأن تؤثر في حياة تركيا الحديثة». «يجب أن يتركز دورنا في الشرق الأوسط على تمثيل الغرب المسيحي وتقديم الهدية الفريدة ليسوع المسيح». «أيًّا كان الأمر فإن مدارسنا برهنت على أن الاتصال المباشر بيننا وبين الأتراك يسر انتشار الأفكار والمثاليات الغربية كما قدم التعليم المسيحي الأمريكي إسهامات جوهرية تركت بصماتها على الحقبة القومية من تاريخ تركيا».
إن احداث واقعة البورصة وما ارتبط بها من متغيرات ليبين لنا أن أعداء هذا الدين لا يرضيهم حتى إسقاط الخلافة، ولن يتم رضاهم إلا باتباعنا ملتهم، كما أن التهديد بتوتر العلاقات وغضب الشعب الأمريكي والإهانات العلنية لوزراء مسئولين وغير ذلك من أمور بينت أن عزة تركيا كانت بالخلافة، وحينما سقطت الخلافة سقطت هيبة تركيا وسقطت وراءها هيبة المسلمين في كل مكان.