العنوان حرب صليبية ولا صلاح الدين لها
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1983
مشاهدات 92
نشر في العدد 640
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 11-أكتوبر-1983
عندما دخلت قوات «اللنبي» القائد البريطاني القدس في نهاية الحرب العالمية الأولى بمساندة رجال الثورة العربية، وقضى فيها على جيوش الدولة العثمانية أطلق تصريحه المشهور: «الآن انتهت الحروب الصليبية يا صلاح الدين».
وعندما دخلت قوات الجنرال «غورو» قائد القوات الفرنسية تصحبه الفرقة السنغالية دمشق حسب اتفاق سايكس بيكو المبرم سرًا بين إنجلترا وفرنسا وروسيا القيصرية لاقتسام العالم الإسلامي، وتوزيع تركة الخلافة العثمانية التي كانوا يسمونها رجل أوربا المريض، قال الجنرال «غورو» وهو واقف على قبر صلاح الدين وبرفسة من قدمه لقبر صلاح صاح «غورو» منتشيًا «قم يا صلاح الدين ها نحن قد عدنا».
والآن تشترك قوات الدول الصليبية الكبرى رسميًا في حرب مكشوفة ضد المسلمين في لبنان. وقد بدأت قوات المارينز «البحرية» الأمريكية تدعمها ثلاثة عشر قطعة من قطع الأسطول الأمريكي من بينها حاملة الطائرات أيزنهاور... وأكبر بارجة حربية أمريكية «نيوجرسي» بدأت بضرب مواقع الدروز بكثافة في جبل لبنان.
كما خاضت طائرات «السو برايتندار» الفرنسية.. وهي أحدث طائرات تملكها فرنسا هجومها الكاسح على معاقل المسلمين في لبنان.
واشتركت طائرات (ف ١٤) الأمريكية والطائرات البريطانية من طراز «باكونير» في طلعات متعددة على سماء بيروت والجبل.. وقيل: إن الغرض منها هو تحديد مواقع مدفعية الدروز وكشف القوات الإسلامية في لبنان المتعاطفة معها استعدادًا لضربها.
والتحالف بين الموارنة والصليبيين قديم جدًا.... فهؤلاء الموارنة رغم أنهم قد عاشوا في كنف الخلافة الإسلامية منذ عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في حرية دينية تامة، إلا أنهم كانوا كثيرًا ما يقومون بنقض العهود عندما تحين أي بادرة لذلك.
وقد كان بعض الخلفاء يهم بضربهم بشدة عند ذاك إلا أن علماء الإسلام كانوا يتصدون للخليفة ويذكرونه بقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ ﴾ (المائدة: ٨).
ويذكرون الخليفة بأن هؤلاء أهل ذمة.. ولا تحفز ذمتهم إذا نقض العهد فرقة منهم، بل ينبغي أن يكون الضرب على من نقض العهد فقط، أما أولئك الذين لم يظهر نقضهم للعهد فلا ينبغي معاقبتهم ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ﴾.
وفي أثناء الحروب الصليبية توطدت علاقة المارون بالصليبيين وخاصة الجزويت الفرنسيين... وكان المارون هم رأس الحربة التي اعتمدها الصليبيون في ضرب الشام والوصول إلى بيت المقدس. وكانوا هم الطابور الخامس حيث كانوا عينًا على المسلمين.. وعند القتال ينقلبون إلى صف الصليبيين ضد من أحسن إليهم من المسلمين، ومع ذلك لم ينتقم منهم صلاح الدين عندما استطاع أن يطهر بيت المقدس من رجس الصليبيين، بل عاملهم بالحسنى وقبل معذرتهم وتوبتهم.
ومنذ الحروب الصليبية توطدت العلاقة بين المارون وبين البابا. وقد قام البابا جريجوري الثالث عشر عام ١٥٨٤م بإنشاء الكلية المارونية في روما.. ولا تزال هذه الكلية قائمة إلى اليوم.
وقام الجزويت بنشاط ضخم ووطدوا صلاتهم بالمارون.. ولا تزال جامعة القديس جوزيف في بیروت حتى اليوم هي الجامعة الأولى بالنسبة للمارون.
ورغم أن المارون كانوا ينتسبون إلى ما يعرف بالقديس مارون الذي عاش في القرن الرابع الميلادي في سوريا، وإلى ما يسمى بالقديس يوحنا مارون الذي عاش في نهاية القرن السابع الميلادي في أنطاكية، إلا أنهم كانوا يخالفون الكنائس الشرقية الأرثوذكسية، كما أنهم كانوا يخالفون الكنيسة الرومانية «الكاثوليكية» والكنيسة البيزنطية. وكانوا يتبعون في عقيدتهم مبدأ سرجيوس الذي اعتبرته الكنيسة الغربية زنديقًا... حيث جعل للسيد المسيح طبيعة واحدة هي الطبيعة الإلهية ونفى عنه الطبيعة البشرية. وكان يدعى بذلك أنه موحد بينما كانت الكنيسة الكاثوليكية تقول بالطبيعتين أي الطبيعة البشرية والطبيعة الإلهية، وهو ما يعرف لديهم بالناسوت واللاهوت.
ورغم هذه الخلافات الجوهرية بين العقيدتين إلا أن المارون تحولوا تدريجيًا إلى ما يشبه الكاثوليكية.. وأصبحوا يضعون تحت رعاية البابا وذلك منذ الحروب الصليبية.. وعلى الأخص فرقة الجزويت الفرنسية..
وعندما قام المارون بتحريض من فرنسا بالاعتداء على الدروز قامت الحرب بين الدروز والمارون والتي استمرت حتى عام ١٨٦٠م عندما واجه المارون هزيمة ساحقة رغم تدخل فرنسا إلى صفهم..
وكانت الخلافات بين فرنسا وبريطانيا في ذلك الوقت على أشدها، إذ كانت بريطانيا تريد تأمين الطريق إلى الهند، بينما كانت فرنسا تسعى إلى الاستيلاء على هذه الطريق.
ولأول مرة تناصر دولة نصرانية المسلمين، فقد وقفت بريطانيا آنذاك في صف الدروز وأمدتهم بالأسلحة.. وذلك ضد فرنسا والمارون... وكان من نتيجة تلك المعركة الحاسمة أن اتسعت مناطق نفوذ الدروز في جبل لبنان بينما تقلصت منطقة نفوذ المارون.
وعندما قامت فرنسا بالاستيلاء على سوريا ولبنان بعد القضاء على الخلافة العثمانية وإعلان سقوطها عام ۱۹۲۰م قامت فرنسا بإقامة حكم ذاتي للمارون، وبتأييد من فرنسا قام المارون بتوسيع مناطق نفوذهم... وفي عام ١٩٤٤م أعلنت فرنسا استقلال لبنان بعد أن ضمنت للمارون سيطرة كاملة على مقدرات لبنان، وبعد أن وضعت نصًا دستوريًا يجعل رئيس الجمهورية دائمًا وأبدًا من المارون.
واستمر دعم فرنسا للمارون، وانضم إلى هذا الدعم القوة الجديدة التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية وهي قوة الولايات المتحدة الأمريكية. وأصبحت أمريكا هي زعيمة الدول الصليبية في العالم واحتلت محل فرنسا...
وقامت الحرب الأهلية اللبنانية عام ١٩٧٥م نتيجة للظلم الفادح الذي أصاب المسلمين.. إذ إن جميع وظائف الدولة المهمة كانت بيد المارون... وكذلك كانت مقدرات الجيش والدولة والتجارة في أيديهم...
ورغم أن المسلمين يشكلون أكثرية سكان لبنان إلا أن الديمقراطية الغربية تصر على أن تتولى الأقلية حكم الأكثرية!!
وإذا قرأنا ما كتبته دائرة المعارف البريطانية «الميركو بيديا المجلد /٦/ س ٦٤٣) طبعة ١٩٨٢م وجدنا الحقد الصليبي واضحًا.. ووجدنا تمجيد المارون كما نجد الأكاذيب، حيث تذكر دائرة المعارف أن المارون يشكلون أغلبية سكان لبنان.. وهو كذب يعرفه الشخص العادي فضلًا عن الدارس لأمور لبنان.
وقد واجه المارون عام ١٩٧٥م عدة هزائم متلاحقة وعندئذ سارعت سوريا بناء على توجيهات من فرنسا وأمريكا لإنقاذ المارون.. وأقام الجيش السوري مذبحة للفلسطينيين في تل الزعتر ومن معهم من السنة المسلمين، وبدأ الجيش السوري يدعم المارون.. وانهالت المساعدات العسكرية الضخمة على المارون من إسرائيل وأمريكا وفرنسا... وشهد ميناء جونية حركة قوية في نقل العتاد والإمدادات.
وتحول المارون بعد أن اشتد ساعدهم إلى مهاجمة «الفلسطينيين المقيمين في لبنان والمتعاونين مع المسلمين في لبنان» تعاونًا وثيقًا... ولكنهم صدوا وواجهوا عدة هزائم أخرى.
عندئذ أظهر المارون ما كانوا يخفونه من صلات قديمة مع إسرائيل والتي كانت تعود إلى ما قبل ظهور دولة إسرائيل عندما كان اليهود يقيمون مستوطناتهم في تل أبيب وما حولها ...
واتسعت دائرة الاتصالات الإسرائيلية المارونية وتعددت الزيارات المتكررة.. وظهر ما يعرف باسم المنشق سعد حداد.. وتولت الكتائب وهي أشد الفرق المارونية تعصبًا ضد العرب والمسلمين «تنسيق الاتصالات بين إسرائيل والمارون».
وقد مهد المارون للغزو الإسرائيلي للبنان عام ۱۹۸۲م وتعاونوا معه تعاونًا وثيقًا.. وكانت القوات المارونية الكتائبية تشترك مع القوات الإسرائيلية في ضرب مواقع المسلمين.
وعندما أظهر الفلسطينيون بطولتهم في الدفاع عن بيروت وأثبتوا رجولتهم بالصمود أمام قوات تفوقهم عددًا وعدة تدخلت عدة دول عربية لضمان انسحاب الفلسطينيين بسلام ...مع ضمان أمن الأسر الفلسطينية الباقية في لبنان.
ودخلت القوات المتعددة الجنسيات وعلى رأسها قوات الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا. ولم تخرج القوات الفلسطينية عن بيروت إلا بعد توقيع اتفاقية بينها وبين هذه القوات تضمنت بموجبه القوات المتعددة الجنسيات سلامة وأمن المدنيين من الفلسطينيين واللبنانيين المسلمين.
وما أن انسحبت القوات الفلسطينية حتى قامت القوات المتعددة الجنسيات «وهي الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا» بالانسحاب من لبنان بعد أن اتفقوا سرًا مع المارون والإسرائيليين على ذلك.
وعندئذ قام الكتائبيون المارون والإسرائيليون تحت إشراف المجرم إيريل شارون بتدبير مذبحة صبرا وشاتيلا التي ذهب ضحيتها مئات الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة من الفلسطينيين ومسلمي لبنان.
وها قد مر عام على هذه المذبحة المروعة.. وكم من مذابح مروعة يلاقيها المسلمون في كل مكان في هذا العصر النكد... وعادت القوات الأمريكية والفرنسية والبريطانية لتفرض دولة الكتائب المارونية الحاقدة على المسلمين في لبنان.
وبدأ الخلاف يدب بين الإسرائيليين الذين يريدون الاحتفاظ بجنوب لبنان وبين الكتائب الذين يريدون إقامة دولة صليبية على أرض لبنان كلها ...عندئذ انسحبت إسرائيل من جبال لبنان ...وهي تعلم أن الحرب قادمة بين المارون والدروز.
ولما رأى الصليبيون الغربيون أن قوات الدروز ليست بالتي يسهل ابتلاعها من قبل الكتائب كما هدد بذلك بيير الجميل رئيس حزب الكتائب. عندئذ بادرت قوات الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا إلى ضرب مواقع الدروز ومسلمي لبنان.
وهكذا تتعاون الدولة الصليبية مرة بعد مرة في ضرب المسلمين، وللأسف فإن الدول العربية نفسها هي التي تمكن لهؤلاء الصليبيين من تحقيق أهدافهم. إذ لولا التدخل السوري عام ١٩٧٥م لكان وضع المارون اليوم أضعف بكثير من وضعهم الحالي... ولما استطاعوا من فرض سيطرتهم على لبنان بتأييد من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا...
ولا بد من إيجاد صيغة جديدة للتعايش يتنازل بموجبها المارون عن احتكارهم لمقدرات لبنان ...فلبنان لم يكن مارونيًا ولن يكون مارونيًا فالمسلمون في لبنان هم الأغلبية.
وحتى يأتي اليوم الذي يظهر فيه صلاح الدين جديد فإن على الدول العربية أن تسعى في إيجاد هذه الصيغة المتوازنة نسبيًا.