العنوان حقائق في أحداث أفغانستان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مارس-1990
مشاهدات 55
نشر في العدد 958
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 13-مارس-1990
في ضوء ما حدث
في أفغانستان خلال الأيام القليلة الماضية، برزت مجموعة من الحقائق الثابتة التي
يمكن رصد أهمها قبل التعليق على ما حدث:
1. الحقيقة الأولى: ما زالت للسوفيت اليد الطولى
في تأييد نظام نجيب الله الشيوعي، على الرغم من مرور أكثر من عام على انسحابهم من
أفغانستان الإسلامية. وقد برز ذلك جليًا بالإمدادات العسكرية العاجلة التي حملتها
طائرات النقل السوفيتية من أجل أن يتقوى العميل نجيب الله على خصومه السياسيين،
وليظل الأجير الذي يدفع الدنية لأعداء شعبه مقابل بقائه على كرسيه المهزوز.
2. الحقيقة الثانية: وهي التي تجسد من جديد
الموقف الأمريكي المعادي للمجاهدين، والحريص على استمرار حكومة كابل. وقد أبرزت
الأحداث ذلك من خلال موقف وزارة الخارجية الأمريكية، حيث أعلن أحد خبرائها، وهو
روبرت بيك، عن أمرين:
1. التهوين من قدرات المجاهدين والإقلال من
قوتهم التي لا تؤهلهم، بحسب ما ذكره خبير الخارجية الأمريكية، للإطاحة بنجيب الله.
2. دعوة الاتحاد السوفيتي للتنسيق مع الولايات
المتحدة للعمل على قطع موارد الإمداد العسكري للمجاهدين.
وهاتان
الحقيقتان توضحان بما لا يدع مجالًا للشك مدى التواطؤ الأمريكي-السوفيتي لاستمرار
المأساة الأفغانية، ولمنع المجاهدين من الإطاحة بالعميل نجيب الله وإنقاذ الشعب
الأفغاني من المؤامرة الكبرى التي يشترك في صنعها كل من الروس والأمريكان.
3. الحقيقة الثالثة: وتتعلق بالحزب الشيوعي
الأفغاني العميل الذي يتآكل مع مرور الأيام، منذ تسلمه السلطة قبل دخول الجيوش
السوفيتية الجرارة لإنقاذه من التهاوي والسقوط، وهو يأكل بعضه بعضًا، حيث يتناحر
الرفاق الشيوعيون في تصفيات جسدية راح ضحيتها جميع رؤساء الجمهورية الشيوعيين على
التوالي، ابتداءً من حفيظ الله أمين الذي قتله رفاقه في إطار التصفيات التي حتمتها
عليهم صراعاتهم على السلطة، وانتهاءً ببابراك كارميل الذي ضحى به أسياده الروس
وأعفوه من منصبه بعد أن أنقذوا رأسه ونقلوه إلى موسكو. وتكشف الأحداث الأفغانية
الأخيرة مزيدًا من التفاصيل عن السوس الذي ينخر في بنية الحزب الشيوعي الأفغاني
وأجهزته الحاكمة ومؤسساته العسكرية. وليس أدل على ذلك من الحركة التي قام بها شاه
نواز تاناي، وزير الدفاع في الحكومة الشيوعية ورئيس جناح "خلق" في
الحزب، ضد رفاقه الشيوعيين العملاء.
ولعله من البديهي أن الشيوعي شاه نواز تاناي لم
ينطلق في حركته من دوافع الإخلاص لشعبه ولمجاهديهم، بقدر ما كان تحركه يمثل حلقة
من مسلسل الصراع "الشيوعي-الشيوعي" على السلطة.
4. الحقيقة الرابعة: الموقف الواضح لحكومة
المجاهدين المؤقتة التي يرأسها البروفيسور عبد رب الرسول سياف، وهو الموقف المبدئي
الذي أعلنه بيان الحكومة تعليقًا على أحداث الانقلاب.
وقد ذكر البيان
"أن الحكومة المؤقتة للمجاهدين عقدت اجتماعًا وزاريًا عاجلًا في مدينة بيشاور
لاستعراض الموقف عقب الانقلاب ضد حكومة كابل". وأضاف البيان: "أن حكومة
المجاهدين المؤقتة لا تتعاطف مع كلا الطرفين المتورطين في القتال"، وأضاف
أيضًا: "أن القتال الراهن هو صراع بين فئتين تابعتين للحزب الشيوعي الحاكم في
كابول".
وهكذا طرح بيان
الحكومة المؤقتة مبادئ أساسية تتضمن ما يلي:
1. رفض القبول باستبدال حكم شيوعي بجناح شيوعي
آخر، يتحمل نفس القدر من أوزار المأساة التي يعيشها شعب أفغانستان منذ أن تسلم
الشيوعيون السلطة قبل حوالي اثني عشر عامًا.
2. رفض قادة المجاهدين في الحكومة المؤقتة
التورط بتأييد وزير الدفاع شاه نواز تاناي أو الاشتراك معه في المحاولة
الانقلابية. وهذا الرفض يساوي تمامًا رفضهم للتعاون مع نجيب الله نفسه الذي سبق أن
دعاهم مرارًا للاشتراك معه في تكوين صيغة مشتركة لحكم أفغانستان.
3. ثبات حكومة المجاهدين المؤقتة التي يرأسها
البروفيسور عبد رب الرسول سياف، كما أسلفنا، على تحرير جميع أنحاء أفغانستان من
قبضة الشيوعيين جميعًا، وتصميمهم على طرد سائر الشيوعيين من الحكم لتكون أفغانستان
وحكومته في المستقبل، إن شاء الله، إسلامية خالصة.
4. استمرار الحكومة المؤقتة وقادتها بشن حربها
على أركان النظام الشيوعي وقواته في كل مكان من أرض أفغانستان. ولا أدل على ذلك من
المعارك الحامية التي تدور حاليًا على مختلف الجبهات التي تشمل، بحسب وكالات
الأنباء، "هيرات وخوست وفالات"، والمعارك الحامية التي نقلتها وكالة
الأنباء الإسلامية الأفغانية والتي تجري حاليًا بين قوات القائد أحمد شاه مسعود
وقوات الحكومة الشيوعية في قطاع جبل السراج على مسافة سبعين ميلًا إلى الشمال من
كابول. وهذا كله يحمل الدلالة الواضحة على وعي حكومة البروفيسور سياف التي ترفض أن
تضع قدراتها العسكرية وإمكاناتها الجهادية في سلة الآخرين.
بعد هذا
الاستعراض، لا بد من القول بأن استثمار خلافات الأعداء فيما بينهم، سواء كانوا من
الشيوعيين أو غيرهم، أمر لا غبار عليه. وإن الاجتهاد والسعي لتعميق الهوة بين من
يكيدون لأي شعب مسلم لهو من الأمور الواجبة.
ولكل هذا وذاك
شروط وعوامل يجب أن تتوفر لتكفل سلامة النتائج. ولعل في رأس تلك العوامل وحدة الصف
المجاهد: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ﴾ (آل
عمران:103)، وحسن التشاور والتنسيق بين قادة الصف المسلم: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ
بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى:38)، وتكوين القوة الضاربة الموحدة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا
اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال:60). فذلك أجدى وأقدر على مواجهة العدو
والإطاحة به.
ومن أجل هذا،
نرى أن من أوجب الواجبات اليوم أن يلتئم الصف المجاهد داخل أراضي أفغانستان، في
وحدة واحدة تخضع لمصدر قيادي واحد هو الحكومة المجاهدة المنتخبة، وليعمل الجميع
يدًا واحدة. وعندها يجيء النصر بلا تعجل، وعندها يعلو الحق، ويزهق الباطل، وعندها
تكون أفغانستان المجاهدة وحكومة المستقبل فيها صافية بإسلامها، خالصة من كل شائبة
تخدش جدارتها أو مصداقيتها، قوية بإسلامها وبجنودها الذين وحدهم الهدف الإسلامي
السامي. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.