العنوان حقائق علام ندعو... وكيف؟
الكاتب محمد سلامة جبر
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1973
مشاهدات 19
نشر في العدد 136
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 06-فبراير-1973
(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا
اللَّهُ)
لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية
علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم خيبر قال له: «امش، ولا تلتفت حتى يفتح الله
عليك»، فسار علي شيئًا ثم وقف ولم يلتفت فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل
الناس؟ قال: «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا
فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» (رواه مسلم).
إذن.. فتلك هي النواة التي نسعى إليها، وندعو
لها، «لا إله إلا الله».
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير
الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي، لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (رواه الترمذي وقال حسن).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله
الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل».
فما سر هذا الفضل العظيم لهذا العمل القليل؟
ألا لا تفسير لذلك إلا أنها الغاية.. فشرف
الغاية يا أخي ليس بالشيء اليسير، إذ كل ما عداها فإليها يسعى، وجميع ما سواها فله
يدعو، وما يبدو غاية دونها فليس إلا وسيلة لها..
فهل علم الداعون إلى الله أن غايتهم «لا إله
إلا الله»؟ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:
56)..
فهل «لحقيقة العبادة» معنى إلا حقيقة معنى «لا
إله إلا الله»!
فما حقيقة معنى «لا إله إلا الله» وما سر
فضلها العظيم؟
حقائق
ظاهر معنى شهادة التوحيد «نفي الشريك» وإثبات
الألوهية له سبحانه وحده، وبهذا القدر الواضح من كلمة التوحيد والذي يتبادر إلى
ذهن قائلها وسامعها وقارئها على السواء، ينجو عامة المؤمنين بفضل الله، ولا
يطالبون بالتعمق في معناها والتحقق بأسرارها وفحواها، وهذا هو الحد الأدنى من
الإيمان والمعرفة، أما ما وراء ذلك فتفاوت الخلق فيه تفاوتًا عظيمًا، وأقصى ما وصل
إليه الصديقون دون أدنى درجات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وبقدر ما يدرك المؤمن من معاني «لا إله إلا
الله»، وبقدر ما يتحقق بتلك المعاني، يبلغ بإذن الله درجات القرب من رب العالمين،
ويفوز بدرجات القريبين.
على قدر توحيدك يكون إيمانك، وبقدر إيمانك
تكون منزلتك، والعمل من بعد يضاعف مثوبة عند الله أضعافًا مضاعفة فوق عمل مماثل
صدر ممن لم يبلغ توحيده توحيد ذلك المؤمن، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قوله: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد
أحدهم ولا نصيفه».
إلى هذا القدر العظيم بلغ التفاوت في أجر عمل
من تلقى التوحيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة وبين من لحقهم من بقية
المؤمنين، وما ذلك إلا لفرق ما بين إيمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
وإدراكهم لمعاني لا إله إلا الله وتحققهم بها، وإيمان من عداهم ممن لم يفز بشرف
الصحبة، أما ما ورد من أن لنا أجر خمسين من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
إذا عملنا بمثل عملهم لأنهم يجدون على الخير أعوانًا ولا نجد عليه أعوانًا، فمعنى
ذلك أن لنا أجر خمسين ممن يعملون عملهم وليسوا بأصحاب، غير أنهم يجدون على الخير
أعوانًا، وهذا التوفيق بين الحديثين ضروري، نظرًا لصحتهما وصدورهما من المعصوم -صلى
الله عليه وسلم- وقد قال به من هو من أفاضل العلماء.
ويدل لما قلت أيضًا من تفاوت الأجر بحسب درجات
الإيمان ما رواه الترمذي وحسنه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- يقول: «الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيد الإيمان، لقي العدو فصدق
الله حتى قتل فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم يوم القيامة هكذا، ورفع رأسه حتى
وقعت قلنسوته. (قال الراوي: فلا أدري قلنسوة عمر أو قلنسوة رسول الله صلى الله
عليه وسلم)، ورجل جيد الإيمان إذا لقي العدو فكأنما يضرب في وجهه بشوك الطلح أتاه
سهم عاثر فقتله، فهو في الدرجة الثانية، ورجل مؤمن خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا
لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذلك في الدرجة الثالثة، ورجل أسرف على نفسه لقي
العدو فصدق الله حتى قتل، فذلك في الدرجة الرابعة».
ووجه الدلالة في الحديث أن الأول والأخير
كليهما اجتمعا في الصدق في قتال العدو وافترقا في الإيمان، فالأول جيد الإيمان،
والرابع ليس كذلك، فكان الأول في عليين، ينظر الناس إليه هكذا والثاني في الدرجة
الرابعة، وشتان ما بينهما..
أما الثاني والثالث، فافترقا في الإيمان، ولم
يجتمعا في الصدق كالأول والرابع، غير أن ههنا إشارة لطيفة، فبينما الثاني مؤمن جيد
الإيمان إلا أن ذلك لم يقتضه الصدق في القتال أي أن إيمانه لم يستلزم القوة في
جهاد الأعداء، وهذا يدل لما سبق أن قررته في مقالتي السابقتين من أن الإيمان
والقوة لا يتلازمان، ومع نص الرسول -صلى الله عليه وسلم- على أفضلية الشهيد الثالث
في صدق القتال إلا أنه آخره عن الثاني في مرتبة الشهادة لتخلفه عنه في درجة
الإيمان.
وأذكر أن واحدًا كتب إلى المرشد أول توليه
منصب الإرشاد -قبل عشرين سنة تقريبًا- يشكو إليه أنه على الرغم من اجتهاده في
الطاعة والعبادة إلا أنه لا يجد أثرًا لذلك في نفسه مما قرأه في كتب أهل العلم،
فأجابه بكلمات قليلة دلت على عميق فهمه لأسرار التوحيد، وإدراكه لفقه السلوك إلى
الله، ومواطن الضعف التي خفيت عن صاحبنا الشاكي، فقال أكرمه الله: «اطرق باب ربك،
فإن الله لا يرد من يطرق بابه، واعلم أن العبرة ليست بكثرة العبادة، ولكن بما فيها
من إخلاص لله تعالى، واستغفر الله مما تعلم وما لا تعلم من الذنوب».
والإخلاص الذي أشار إليه المرشد هو التوحيد،
وإن شئت قلت هو الإيمان أو قلت هو بعض معنى «لا إله إلا الله».
﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف:
110).
ولكن.. أين سَلِمَ من خفي الشرك، وشوائب
الرياء، وتجرد لله ولم يلتفت؟
لئن زعمنا ذلك.. فلقد زكينا أنفسنا وقد
نُهينا، وأمِنَّا مكر الله وما يدرينا..
﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا
الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (الأعراف: 99).
ولدقة هذا المعنى وخفائه أمر رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- أصحابه أن يقولوا: «اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه،
ونستغفرك لما لا نعلمه».
«إياك نعبد»
فإن قلت: قد أطلت.. فما معنى لا إله إلا الله
بما يرفع معتقده عن درجة العوام؟
أقول: أ- من معناها أن تؤمن أنه لا وجود لشيء
من ذاته البتة، ولا دوام لوجوده من ذاته كذلك، ولكن.. أصل وجوده بالله، ودوام
وجوده واستمراره بالله كذلك، فالكون كله مفتقر إلى الله في أصل خلقته وفي استمرار
وجوده، وليس كما يتصور البعض، ممن يدعي الإسلام ويزعم أن الله خلق الخلق وفرغ منه،
فهو يمضي إلى حيث يشاء كما يشاء، وربما استدرك ليثبت إيمانه فقال: ولكن.. بالقوة
التي أودعها الله فيه.. وتلك عقيدة فاسدة، وشرك ظاهر لا خفي، فقد روى البخاري
ومسلم عن زيد بن خالد -رضي الله عنه- قال:
صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة
الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل
تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال أصبح من عبادي مؤمن بي
وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من
قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» (متفق عليه).
وافتقار الكل إليه سبحانه إيجادًا ووجودًا هو
معنى اسمه «القيوم»، إذ هو القائم بنفسه القائم به غيره سبحانه وتعالى، لذلك كان
كل ما سوى الله باطلًا من حيث ذاته بمعنى أنه لا قوام له من نفسه أبدًا، ولهذه
الحقيقة الناصعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أصدق بيت قاله الشاعر بيت
لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل..» (متفق عليه).
وقال أحد الشعراء:
اللهَ قُل
وذر الوجود وما حوى إن
كنت مرتادًا بلوغ كمال
فالكل
غير الله إن حققته عدم
على التفصيل والإجمال
وليس معنى هذا «وحدة الوجود»، كما يزعم بعض
جهال الصوفية، ولكن.. «وحدة الشهود» كما يقول الشيخ ابن تيمية -رحمه الله- أي: أن
لا ترى في الكون إلا الله، ولا تلتفت إلى ما سواه.
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا
اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِۗ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (محمد: 19).
«اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه»، اللهم آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل