العنوان حفل التأبين الأخير
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1994
مشاهدات 85
نشر في العدد 1100
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 17-مايو-1994
جلستُ بين كم هائل من الملفات والقرارات والملاحق
والتوصيات، بحثًا عن النتيجة التي آلت إليها أكبر قضايا العصر وأهمها لدى كل مسلم
وهي قضية فلسطين، فوجدت خلاصة مخيفة مؤداها أن الإسرائيليين قد حصلوا على كل شيء،
وأن الفلسطينيين والعرب إن لم يكونوا قد فقدوا، فهم في طريقهم لأن يفقدوا كل شيء.
بعد حفلة «الردح» التي قامت بين عرفات ورابين على مسرح قاعة خوفو
حينما أبدى عرفات تمنعًا في البداية عن التوقيع على الخرائط قال رابين: «إذا لم
يوقع عرفات على الخرائط كما هي فإنه لن يكون هناك توقيع لأي اتفاق»، أما وزير
الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز فقد قال في أعقاب توقيع عرفات: «إن إسرائيل ليست
لديها أية التزامات ولم تتعهد بشيء لمنظمة التحرير الفلسطينية فيما يتعلق بزيادة
مساحة منطقة أريحا التي يشملها الحكم الذاتي الفلسطيني».
وأضاف بيريز قائلًا: «لقد شعرت بالحرج والارتباك والغضب من تصرفات
عرفات أثناء حفل التوقيع، وإن ما حدث منه كان «تمثيلية غير لائقة»، وإننا نتطلع
الآن إلى التقدم في مسيرة السلام مع كل من سوريا والأردن».
أما ياسر عرفات فقد كانت كلمته تأكيدًا على ما أعلنه بيريز من أن
القضية قد انتهت وكان خطابه كأنه خطاب التأبين الأخير إذ وزع فيه الشكر على جميع
الرؤساء والزعماء والمسؤولين في طول الدنيا وعرضها، وكان ما تم هو أغلى ما كان
يصبو إليه عرفات، أما خطابات المناضلين ومطالب الثوار، فأصبحت كلها في الماضي الذي
لا يعود.
وفي لحظات أنهى عرفات جهاد أمة وآمال شعب وحقق لليهود ما لم يكونوا
يحلمون به، حتى أن الذي عرض على العرب والفلسطينيين بعد قرار التقسيم الذي صدر في
29/11/1947م كان يمنح العرب والفلسطينيين أضعاف ما وقع عليه عرفات.
وإذا عدنا قليلاً إلى الوراء في إطلالة سريعة على تضحيات الأجيال
المسلمة المتعاقبة للحفاظ على فلسطين والقدس بعد صدور وعد بلفور في عام 1917م
لوجدنا أن الأمر وكأنه كان يرتب له ليصل إلى ما وصل إليه الحال في القاهرة، فقد
بدأت ثورة البراق والإضراب الشامل في فلسطين 1936م بعدما برز نشاط العصابات
الصهيونية، واهتز أبناء مصر والدول العربية لثورة إخوانهم في فلسطين فطافوا القرى
والمدن يجمعون التبرعات لأبناء فلسطين المجاهدة، حتى يتمكنوا من مواجهة العصابات
الصهيونية التي كانت تؤذيهم بشدة في ذلك الوقت.
وكتب أديب الإسلام والمسلمين مصطفى صادق الرافعي مقالته المشهورة عن
الأيدي المتوضئة التي تعتبر أصدق وصف لمشاعر أبناء مصر الواعين في ذلك الوقت تجاه
قضية فلسطين وبين ثورة البراق في عام 1936 وتوقيع عرفات في القاهرة عام 1994م،
ثمانية وخمسون عاماً مليئة بالحروب والجهاد والشهداء والمهاجرين والمشردين
والمتآمرين والانهزاميين والمؤتمرات والمؤامرات والأمم المتحدة ومجلس الأمن
والمجموعة الأوروبية وأربعة حروب كبيرة وحرب استنزاف لم تنته وانتفاضة مباركة
وشهداء وجرحى ومعوقين ومشردين.
وفي الختام جاءت الجائزة بستة وخمسين كيلو متراً وقع عليها عرفات لو
جمعت فيها قبور الشهداء الذين استشهدوا دفاعاً عن فلسطين خلال هذه الفترة ما
وسعتهم.
والعجيب أنه بعد استيلاء اليهود على فلسطين في أعقاب حرب 1948م أعلن
اليهود قيام دولتهم، التي لم تكن غزة أو الضفة الغربية بأكملها ضمن نطاقها، ورفض
العرب إعلان دولة لفلسطين على هذه الأرض وكأنما كان تركها تمهيداً لاستيلاء اليهود
عليها بعد ذلك في عام 1967م.
ورغم أن الحاج أمين الحسيني رمز القيادة للشعب الفلسطيني في ذلك الحين
أخذ المبادرة وأعلن في 23/9/1948م تشكيل «حكومة عموم فلسطين» في قطاع غزة برئاسة
أحمد حلمي عبد الباقي إلا أنه خلال أشهر معدودة تم التآمر على هذه الحكومة وسرعان
ما أنهي وجودها لتدخل غزة والضفة في دوامة وصلت في عام 1994م إلى الصورة الهزيلة
التي أقر بها عرفات والآخرون بحيث انتهى وجود فلسطين وسيطرت إسرائيل بصفة رسمية
على الضفة وقطاع غزة وأصبحوا جزءاً من الكيان الصهيوني.
بعدما رفضت إسرائيل وجود أي فلسطيني على منافذ الحدود باعتبارها رمزاً
من رموز السيادة وألا يرفع العلم الفلسطيني إلا في المناطق الداخلية ولا يكن له أي
وجود على الحدود التي هي الآن رسمياً وبتوقيع عرفات حدود «دولة إسرائيل» كما أن
عرفات قد أقر بعد التوقيع في رسالة أرسلها لرابين بأنه يتعهد بعدم استعمال لقب
رئيس فلسطين أو يوصف بأنه الرئيس الفلسطيني، حيث اعتبرها رابين أحد الشروط
الأساسية في الاتفاق، وهذا كله يعكس حجم المكاسب الإسرائيلية في جانب واحد فقط عدا
المكاسب العسكرية والاقتصادية الأخرى التي بدأت تجنيها إسرائيل من كل جانب أما
العرب فلم يجنوا سوى مزيد من الخسائر والهزائم التي تضاف إلى خسائرهم وهزائمهم منذ
إعلان وعد بلفور في 1917 وحتى الآن.
وإن حفل التأبين الذي أقيم في القاهرة لم ولن يكون حفل تأبين لفلسطين
والقدس كما أراد مقيموه والراعون له، وإنما هو حفل تأبين لمن تاجروا بالقضية طوال
العقود الماضية حتى تنتقل الراية إلى الأيدي المتوضئة لتواصل المسيرة التي بدأتها
في عام 1936م، لأن تحرير فلسطين والقدس من أيدي الصهاينة آت لا ريب فيه، ومن العار
أن تلصق أسماء المتاجرين إلى جوار أسماء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي فتحها
أول مرة أو صلاح الدين الأيوبي الذي حررها، وإنما سيأتي الله برجال يحبهم ويحبونه
حتى ينالوا هذا الشرف الرفيع، فمسيرة الجهاد سوف تتواصل ولن يتوقف قطار الشهداء
وأنى لليهود أن يقر لهم قرار وقد وعدهم الله بغير ذلك، وإن التاريخ لا يصنعه
المهرجون وإنما تصنعه دماء الشهداء وبطولات الرجال، وإن غداً لناظره قريب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل