; حظر «النقاب»: هل تفشل أوروبا مجددًا في اختبار الحريات؟! | مجلة المجتمع

العنوان حظر «النقاب»: هل تفشل أوروبا مجددًا في اختبار الحريات؟!

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 31-يوليو-2010

مشاهدات 62

نشر في العدد 1913

نشر في الصفحة 30

السبت 31-يوليو-2010

  • مشروع الحظر سيعرض على «مجلس الشيوخ» الفرنسي في سبتمبر المقبل لإقراره ومن ثم دخوله حيز التنفيذ
  • «ذا جارديان»: فرنسا تحتاج إلى سبب أفضل من مجرد عدم الراحة الشخصية حتى تجرم شيئًا في مجتمع حر 
  • «ذي إندبندنت»: من الصعب ترجمة حظر البرقع من الفرنسية إلى الإنجليزية، ولا دعم رسميًا للفكرة
  • فرض غرامة ١٥٠ يورو على المنتقبة في فرنسا، والزامها في بلجيكا بدفع ٢٥ يورو أو الحبس سبعة أيام!
  • «نيكولا ساركوزي»: علامة استعباد للمرأة، وارتداؤه غير مرحب به في الأراضي الفرنسية!
  • رجل أعمال فرنسي أنشأ صندوقًا قيمته «مليون يورو» لمساعدة المنتقبات على دفع أي غرامات تفرض عليهن
  • وزير الهجرة البريطاني: منع ارتداء النقاب عمل لا يتماشى مع مجتمعنا القائم على السماحة والاحترام
  • البعض يزعم «شكلية» النقاب وماذن المساجد، وهي «شكلية» قد تمهد المحاربة أمور «جوهرية» في الدين
  • هل التضييق على المسلمين سيجعلهم أكثر التزامًا بالثقافة الأوروبية أم سيجعل أوروبا أقل حرية؟!

معارضون: خطوة نحو فرض قيود أشد على الحرية الفردية

بعد ما حدث في قضية حرية الرأي والتعبير والرسوم المسيئة لرسول الله صلّى الله عليه وسلم، وفي قضية تغيير القوانين الاعتيادية إلى ما يسمى بقوانين «الإرهاب».. هل تفشل أوروبا مرة أخرى في اختبار الحريات في قضية حرية المرأة المسلمة في اختيارها ملابسها أو نقابها إذا أرادت؟ وهل حظر عادات وملابس وأماكن عبادة المسلمين سيجعل المسلمين أكثر التزامًا بالثقافة الأوروبية أم سيجعل أوروبا أقل حرية؟! وهل توشك أوروبا أن تنسى تاريخها، وتصادر قيمها التي صدع بها الأوروبيون رؤوسنا قرونًا؟!

هل هذه القيم اختيارية انتقائية بحيث يكون شعارها: لا تُطبق على المسلمين ولو كانوا من أهل البلد أم أنها محاولات زيادة تهميش وإقصاء للمسلمين؟ وهل بدت سوءة «عنصرية الحرية»، ولا غطاء هناك يواريها ويسترها؟! 

لقد تم حظر النقاب في فرنسا، وبلجيكا، وهنا في بريطانيا، ترتفع أصوات قليلة «شاذة»، على رأسها الحزب القومي المتطرف تطالب باتباع فرنسا!

الغريب أن مسلمي فرنسا -الذي يصل عددهم إلى ستة ملايين، وهو عدد ضخم يمثل أكبر تجمع إسلامي في أوروبا الغربية- لم يعمل لهم أي حساب! فإن كان البعض يقول به شكلية النقاب ومآذن المساجد، فهذه «الشكلية» هي البداية لمحاربة الأمور «الجوهرية» من الدين.

وأن لمسلمي أوروبا -وفرنسا بالذات- أن يكون لهم صوت يسمع، وقنوات اتصال بالمجتمع والدولة، و«لوبي» يضغط بأوراق أصوات الانتخابات، إضافة إلى انخراطهم في المعارضة البناءة، والمؤسسات غير الحكومية، والقيام بدور إيجابي في المجتمع. 

عودة الجدل

أما في بريطانيا، فتقول صحيفة «الإندبندنت»، تحت عنوان «من الصعب ترجمة «حظر البرقع» من الفرنسية إلى الإنجليزية»: إنه كان واضحًا في تصويت الجمعية العامة الفرنسية بقوة لحظر ارتداء البرقع في الأماكن العامة أنه سيؤدي إلى عودة الجدل حول الموضوع في بريطانيا.[1]

وقد حظي الموضوع قبل أربع سنوات بالاهتمام الإعلامي، حينما كشف «جاك سترو» -وزير العدل آنذاك- أنه يطالب مرتديات النقاب من المقيمات في دائرته بإماطته عند لقائه لأنه لم يكن مرتاحًا للوضع، واليوم فعل الشيء نفسه النائب «فيليب هولبورن»، حينما رفض استقبال امرأة منتقبة في دائرته بمنطقة «كيترنج»؛ بحجة أن النقاش معها يحتاج إلى رؤية مشاعر وجهها، وطلب منها إرسال رسالة بشكواها!

تقول «الإندبندنت»: إن «عودة القضية وبقاءها في الخلفية بعد الجدل السابق، كان ذا أثر إيجابي على العلاقات بين الأقليات في المجتمع البريطاني، لكن محاولات حظر النقاب في بلجيكا وفرنسا سيعيده إلى الواجهة لا محالة».

فقد طالب عضو في حزب المحافظين، وعضو في حزب الاستقلال البريطاني «يوكيب» بسن قوانين مماثلة في بريطانيا، ولكن يبقى الأمر قاصرًا على دوائر صغيرة في الأوساط السياسية، لكن هل هذه الهمهمات الضعيفة تستطيع أن تتحول إلى لغط صاخب؟ تجيب الصحيفة: «قد يحدث ذلك لو لاح في الأفق بصيص دعم رسمي للفكرة»، وتأمل ألا يتوافر هذا الدعم؛ «لأن التسامح الديني والثقافي من شيم مجتمعنا ويجب أن يبقى كذلك».

رفض بريطاني

وقد أكد هذا المعنى وزير الهجرة «داميان جرين» في حديث لجريدة «التليجراف»؛[2] حيث قال: «إن حظر ارتداء النقاب الإسلامي في الأماكن العامة سيكون شيئًا «غير بريطاني»، وإن محاولة تمرير مثل هذه القوانين لهو تعارض مع «مجتمع السماحة والاحترام المتبادل» في المملكة المتحدة، وإن ما حدث في فرنسا مستبعد أن يعمل منه نسخة هنا، أن تقول للناس ماذا يلبسون وماذا لا يلبسون وهم يمشون في الشارع أمر غير بريطاني». 

وقالت صحيفة «الإندبندنت»: إنه «ليس من حق أحد أن يفتي فيما يجب على الآخر أن يرتديه إن روعيت حدود اللياقة، كما إن فكرة فرض غرامات على مرتديات البرقع تدعو للاشمئزاز، بل قد يكون من نتائجها أن يصبح هؤلاء النساء سجينات بيوتهن وهذا ليس الحل». 

ومن قبل، كتب أحد المحللين في جريدة «الجارديان»:[3] «فرنسا لا تحظري النقاب، أنت تحتاجين إلى سبب أفضل بكثير من مجرد عدم الراحة الشخصية حتى تجرمي شيئًا في مجتمع حر».

ذرائع الفرنسيين

يقولون: إن «ارتداء ثياب تخفي وجه المرأة ينتهك قيم العلمانية والمساواة، وهما من الأفكار التي قامت عليها الجمهورية».

وقال الرئيس الفرنسي «نيكولا ساركوزي» في خطابه أمام البرلمان: إن «البرقع أو النقاب الذي يغطي المرأة من رأسها إلى أخمص قدميها يشكل علامة استعباد للمرأة، وارتداؤه غير مرحب به في الأراضي الفرنسية»، وأضاف: «لا يمكن أن نقبل في بلادنا نساء سجينات خلف سياج، ومعزولات عن أي حياة اجتماعية، ومحرومات من الكرامة، هذه ليست الرؤية التي تتبناها الجمهورية الفرنسية بالنسبة لكرامة المرأة»، على حد قوله. 

وقال رئيس الوزراء الفرنسي «فرانسوا فييوم»: «إن المسلمات اللواتي يرتدين النقاب يختطفن الإسلام، ويقدمن صورة طائفية مظلمة للدين»  حسب زعمه.

وقد أقرت «الجمعية الوطنية» مشروع الحظر، وسيعرض أمام «مجلس الشيوخ» في شهر سبتمبر المقبل، وفي حال تم إقراره سيدخل حيز التنفيذ، والمقترح أن يمنع في الشوارع، والحدائق العامة، والملاعب الرياضية، والأماكن التي تعتبر متاحة للاستخدام العام أو لتقديم الخدمات العامة، مثل: المستشفيات والمقار الحكومية، ووسائل النقل العام. 

وستفرض غرامة قيمتها ١٥٠ يورو «نحو ۱۸۰ دولارًا» على من يخالفن القانون، وهناك عقوبات أشد على الذين يمارسون ضغوطًا على زوجاتهم أو أخواتهم لارتداء «البرقع». 

أما في بلجيكا، فقد صدق «مجلس النواب» على قانون يحظر على النساء ارتداء النقاب في الأماكن العامة، وصوت النواب لإقرار هذا القانون على أساس أمني؛ بذريعة تمكين الشرطة من التعرف على الأشخاص.

وقال بعضهم: إن «النقاب الذي يخفي وجه المرأة بالكامل يعد رمزًا لاضطهادها» وستواجه المرأة في بلجيكا التي تنتهك القانون غرامة قيمتها حوالي ٢٥ يورو، أو الحبس سبعة أيام.

وفي إسبانيا، كان وزير العدل قد أعلن عن توجه حكومته لإضافة مادة جديدة إلى قانون «الحرية الدينية» تحظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة، وبرر ذلك بأن هناك عناصر مثل البرقع من الصعب أن تتلاءم مع الكرامة الإنسانية، معتبرا النقاب «عائقًا أمام التعرف على الهوية في الأماكن العامة»، وبالفعل بدأت منطقة «كاتالونيا » الواقعة شمال شرقي إسبانيا في حظر ارتداء النقاب.

معارضة واسعة

يقول معارضو القوانين: إن «أقلية صغيرة جدًا فقط من النساء هن اللاتي يرتدين النقاب»، وإن «مشروع القانون خطوة نحو فرض قيود أشد على الحرية الفردية»، وقد سبق أن قال مجلس الدولة، وهو أعلى محكمة إدارية في فرنسا: إن «فرض حظر النقاب قد يكون غير قانوني».

وقالت منظمة العفو الدولية: إن «فرض حظر شامل على تغطية الوجه سينتهك حقوق حرية التعبير والحرية الدينية للنساء اللاتي يرتدين النقاب في الأماكن العامة؛ كتعبير عن هويتهن أو معتقداتهن».

ويقول مراسل «هيئة الإذاعة البريطانية» (BBC) في فرنسا: إن «حوالي ألفي امرأة فقط يرتدين البرقع في فرنسا، وتظهر دراسات وزارة الداخلية الفرنسية أن الغالبية لا يتطابقن مع الصورة النمطية عنهن بأنهن نساء مهمشات ومضطهدات، والغالبية قد ارتدين النقاب بمحض إرادتهن».

وأبدت اتحادات الشرطة قلقها حول كيفية فرض القانون، ولم يرحب أعضاؤها بفكرة إجبار النساء على خلع نقابهن على وجه الخصوص، فضلًا عن كل أنواع الاعتبارات الأخرى في حقوق الإنسان.

أما عن المسألة الأمنية، فتقول «منظمة العفو»: إنه «في غياب أي علاقة ملموسة بين ارتداء النقاب في بلجيكا والتهديدات الجدية للسلامة العامة، لا يوجد أي مبرر لفرض قيود على حرية التعبير والعبادة التي يمثلها حظر شامل على ارتداء النقاب».

حرب ثقافية

وقد حذر مسؤولون بريطانيون من الدعوة لحظر النقاب في بريطانيا، معتبرين أنه سيضرب بالقيم الديمقراطية والحرية الدينية عرض الحائط، وقالت «سلمى يعقوب» رئيسة حزب «الاحترام» البريطاني: «لسنا بحاجة إلى رجل أو امرأة لتكون وصية على الناس، وتأمرهم بأن يرتدوا زيًا بعينه، ومادامت المسلمات البريطانيات لا يفرضن هذا الزي على الآخرين فمن حقهن أن يرتدينه».

وفي خلال أزمة عام ٢٠٠٦م، حينما رفض «جاك سترو» مقابلة امرأة «منتقبة» في دائرته الانتخابية، انتقد «د. روان ويليامز» أسقف «كانتربري» تدخل الحكومة البريطانية فيما يتعلق بارتداء المواطنين لرموزهم الدينية، معتبرًا أنه «من حق المسلمة ارتداء النقاب ومن حق المسيحي ارتداء الصليب».

ولا شك أن مجتمعا مثل بلجيكا قد فشل في تحقيق دمج المسلمين حيث تعامل بتعصب مع قضاياهم، وهو الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من العزلة، وقد يكون حظر النقاب نوعا من «الحرب الثقافية»، وليس إجراء لمكافحة الجريمة كما يزعمون، والدليل على ذلك تصريحات النائب البلجيكي «باكولاين» بقوله: إن «النقاب هو تأكيد لعدد من القيم التي تتعارض مع القيم الأساسية والعالمية».

أوروبا في الطريق[4]

الدنمارك: تبحث الحكومة إمكانية الحد من النقاب في المدارس والأماكن العامة والمحاكم، وتنتظر توصيات لجنة وزارية. وقال رئيس الوزراء: «إننا ندرس سبل الحد من ارتداء النقاب، مشددًا على أنه لا مكان للنقاب في الدنمارك، نحن نتعارض معه بشكل جذري».

هولندا: يجري إعداد مشروع قوانين لمنع ارتداء المعلمات للنقاب، وفرض حظره على موظفات الخدمة المدنية.

النمسا: بدأ النقاش حول منع ارتداء النقاب في الأماكن العامة، وقالت وزيرة شؤون النساء: «سنمنعه إذا ازداد بشكل ملحوظ».

إيطاليا: في شهر من العام الجاري، أصدرت السلطات الإيطالية حكما بغرامة قيمتها ٥٠٠ يورو على امرأة مسلمة لارتدائها النقاب في مكان عام وليس هناك قانون غير أن تشريعًا صدر عام ١٩٧٥م ضمن إجراءات حماية النظام العام يحظر حجب الوجه في الأماكن العامة، وتذرع رؤساء بلدية متعصبون بهذا النص بإصدار أوامر تحظر النقاب، وكذلك الاستحمام بالملابس الإسلامية!

ألمانيا: تحظر أربعة مناطق في ألمانيا على المدرسات ارتداء الخمار «الحجاب وليس النقاب»، وفي إحداها يحظر أيضًا على موظفات الدولة.

أما تركيا: فلعل الوقت قد حان لرفع الحظر على «الحجاب» في المباني الرسمية؛ حيث إن ثلثي نساء تركيا -بمن فيهن زوجات وبنات رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء- يرتدين الحجاب، وفي عام ٢٠٠٨م، حدث تغيير في الدستور لتخفيف الحظر في الجامعات؛ بحيث سمح لغطاء الرأس الذي يربط بشكل غير محكم تحت الذقن حيث لا يزال الخمار الذي يغطي الرقبة ممنوعًا! 

وكرد فعل، عرض رجل أعمال فرنسي من أصل جزائري بيع بعض ممتلكاته المساعدة المسلمات -اللاتي يصرون على ارتداء النقاب خارج بيوتهن- على دفع أي غرامات قد تفرض عليهن.[5]

وفي بيان نشر في عدة صحف، قال رجل الأعمال «رشيد نقاذ» الذي حاول خوض انتخابات الرئاسة عام ۲۰۰٧م: إنه سيضع عوائد بيع العقارات في صندوق قيمته مليون يورو المساعدة النساء على دفع أية غرامة وأنشأ «نقاذ» جمعية «ارفعوا أيديكم عن دستوري»، وقال: إنها «تعتبر حظر النقاب في الشارع عملا غير دستوري»


[1] Leading article: This burka ban does not translateThe Independent 17.7.2010

[2] UK immigration minister Damian Green rules out burqa ban The Sunday Telegraph 18.7.2010 

[3] France. Don.t ban the niqab The Guardian 1.2.2010  

[4] The Islamic veil across Europe http://news.bbc.co.uk/1/hi/ world/europe/5414098.stm

[5] رجل أعمال فرنسي يعرض تسديد غرامات ارتداء النقاب.

http://www.bbc.co.uk/arabic/ 100716/-/07/ multimedia/2010,  hs-france-businessman-pay-   

Veils-penalty.shtml

 

الرابط المختصر :