العنوان حطم القيود (۳)- قدرة الاتصال بالآخرين
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 20-مارس-2004
مشاهدات 58
نشر في العدد 1593
نشر في الصفحة 66
السبت 20-مارس-2004
من تعريفات القوة القدرة على الاتصال بالآخرين، وتحملهم، فالوصول إلى قلوب الناس وكسبهم وتعريفهم بما تريد منهم عملية ليست سهلة كما يتصور البعض، بل تحتاج إلى قوة، ولا يصل إليها إلا الأقوياء.
إدراك أسباب الكراهية
فمن أساسيات هؤلاء الأقوياء القادرين على كسب الآخرين والاتصال بهم أنهم يدركون إدراكًا واضحًا أسباب تولد الكراهية عند الآخرين، والتي من أهمها: جرح الاعتبار الذاتي.
ما الاعتبار الذاتي؟
هو عاطفة من عواطفنا القوية، وهو موجود في كل واحد منا مهما تدنت منزلته الاجتماعية وقدراته العقلية وعندما تجرح الاعتبار الذاتي لشخص ما فمن المرجح أن ذلك يستوجب غضبه السري والعلني، ويؤدي ذلك غالباً إلى خسران أو تقليل أي شعور طيب نحونا.
صور من جرح الاعتبار الذاتي
هناك صور عدة لجرح الاعتبار الذاتي نمارسها في حياتنا اليومية دون أن نشعر ثم نستغرب لماذا يكرهنا الآخرون أو يصعب علينا كسبهم، ومن هذه الصور التي نمارسها في جرح الاعتبار الذاتي:
1- أن نقلل أو نسفه من آراء الآخرين.
2- عندما نبين مساوئ تصميم بيوتهم أو سياراتهم أو أي مقتنيات أخرى يحبونها.
3- عندما تنتقد الناس الذين يحبونهم في المجتمع من علماء أو رؤساء، أو وزراء، أو نواب، أو أطباء، أو لاعبين، أو أي شخص يحبونه
4- عندما ننتقد بلدانًا أو جنسيات أو أحزابًا وتجمعات أو قبائل أو عوائل ينتمون إليها أو تجمعهم بها علاقة.
هذه الألوان والصور لجرح الاعتبار الذاتي تعني إهانة وجرحًا غير مباشر للمستمع، وتؤدي إلى تقليل محبته أو ميله للمتحدث.
أطيبوا الكلام
الأقوياء يدركون تمامًا هذا السبب الرئيس في نشوء الكراهية، لذلك يتحاشونه، ويستبدلون به أطيب الكلام وأجمل العبارات امتثالًا لقول الله تعالى ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (الإسراء: 53). وقول النبي r: «أطيبوا الكلام » (أخرجه الطبراني (3/94) (2763) ومتى ما أرادوا الانتقاد لما يرونه من أخطاء، فإنهم يقدمون بين يدي هذا الانتقاد:
1- مديحا لخصال الخير في المقابل.
2- عبارات أخلاقية مثل «مع احترامي لرأيك» أو «مع حبي لك وتقديري لعائلتك الكريمة» أو «رأيك هذا مع ما فيه من وجاهة ويؤيدك فيه جمع من العلماء إلا أنه».
3- عدم تسفيه رأيه مباشرة أو سبه وشتمه، أو إظهار سوء نيته.
4- ذكر نقاط الالتقاء والاتفاق مع الآخر.
الابتسامة الآسرة
كما أن الأقوياء الذين يملكون «قوة الاتصال بالآخرين وكسبهم» لا يقتصرون على تجنب جرح الاعتبار الذاتي فحسب، بل إنهم يتعودون على إرسال رسالة مبكرة لمن يريدون الاتصال به قبل الكلام، رسالة من أقوى رسائل لغة الجسد تقول للمقابل: إنني أقبلك وأريد فتح باب للمحبة والصداقة معك.
وما تلك الرسالة إلا «الابتسامة» التي تأسر القلوب قبل الأجساد وتسقط الحواجز وكل المواقف السلبية المسبقة. ولذلك ارتقت إلى مرتبة الصدقة، كما أخبر نبينا r عندما قال: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة» (أخرجه الترمذي (1956).
أين الجانب الطيب؟ إنهم يبحثون عن الجوانب الطيبة فيمن يريدون كسبه، ولا يخلو إنسان من خصلة خير، إنما المشكلة فينا نحن عندما تعجز عن اصطياد هذه الخصلة.
فإذا كان الشخص الذي يراد كسبه اسمه «صالح» وجدوا المدخل في هذا الاسم الجميل: إنه اسم نبي من الأنبياء، ومعنى من معاني الاستقامة والأمانة، والتقوى والإيمان، أو يبحثون في تاريخ عائلته، فربما يوجد أحد الصالحين أو العلماء أو المنفقين أو الأدباء أو القادة ممن يمكن الثناء عليه وتحفيز من يراد كسبه من خلال ذلك.
وإذا ما عثروا على ذلك الجانب الطيب أثنوا عليه وشكروه على تلك المواقف النبيلة التي وقفها يوما من الأيام، ومع ذلك فهم يغضون - عند البداية - النظر عن النواقص والعيوب، ويبتعدون عن الجدل والمراء وإبداء الخلاف.
كلمات الترحيب
إنهم يدخلون في قلوب الناس قسرًا بما يقومون به من تقدير لمن يريدون كسبه حتى نجد ذلك فيهم طبعًا لا يتكلفونه، وينتقون أجمل العبارات والكلمات الترحيبية، فإذا دخل من يريدون كسبه إلى المجلس يقول أحدهم مرحبًا بصوت مرتفع: «أهلا بأبي فلان» «نورت المجلس بقدومك». ثم يوسع له بالمجلس، أو يقال له «مرحبًا بالحبيب» وتأكيد ذلك بمعانقته مثلًا.
هكذا يكسب هؤلاء الأقوياء الآخرين ليزدادوا قوة إلى قوتهم.