العنوان حضارة بلا قلب!!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 12-مارس-2005
مشاهدات 69
نشر في العدد 1642
نشر في الصفحة 45
السبت 12-مارس-2005
نعيش اليوم حضارة بلا قلب، ولا ضمير، ولا خلق، ولا حياء، ولا رحمة، بلا قلب إنساني، أو ضمير آدمي، أو خلق سوي، أو عاطفة نبيلة.
ويرجع المحللون وعلماء التاريخ هذا المسخ الحضاري إلى سدنة هذه الحضارة المشوهة، إلى دارون، وميكافيلي وفرويد، وماركس، الذين طبخوها أو أعادوا طبخها على أرض أوروبا، بعد أن وصلتهم غضة طرية على يد ملائكة الرحمة المسلمين، فهي إذن، بحق، خلاصة صراعات ثقافية ودينية وسياسية، وقعت بين الكنيسة والبلاط، ونتيجة ملاحم دموية كثيرة، واضطهاد رهيب أبرزته محاكم التفتيش في الداخل والخارج.
كل هذه العوامل والأسباب أسهمت في تكوين هذه الحضارة، مع أمواج من التيارات الفكرية والثقافية المنحرفة التي أسهمت – إلى حد كبير جدًا – في تمزيق أي غلالة ولو رقيقة كانت تربط هذه الحضارة بالمعاني الإنسانية الكريمة، والأقدار الخلقية المعروفة في كل بلد وقطر والمعاني المحترمة في كل أمة وشعب، فجاء دارون ليقطع صلة الإنسان بأعظم تراثه الإنساني، ذلك التراث والتاريخ اللذين استحق بهما الإنسان أن يكون شيئًا آخر، أعز وأسمى من الحيوان والجماد، وشيئًا آخر أعز وأسمى من تطورات المادة والطبيعة، وألاعيب الزمان والمكان.
وجاء فرويد: لينفي قيمة العواطف النبيلة، والسمو الإنساني، ويهبط بالإنسان إلى مستنقع آسن ومتعفن من الجنس والشهوة، يتمرغ فيه كالحشرات والهوام السامة.
وجاء ميكافيلي: فبث في الناس من الضلال ما أضاع كل قيمة إذ يقرر أن كل كذب وتضليل واضطهاد جائز في سبيل مصلحة السياسة، فلا حرج في القيام بأفظع الجرائم وأشنع المنكرات لإشباع رغبة قومية، وتحقيق مصلحة سياسية، ليكون كل شيء بلا خلق.
وجاء ماركس: فقال إن البطن هو المحور الحقيقي للنشاط الإنساني الذي تم في التاريخ والذي سيتم في المستقبل.
نجحت هذه الصراعات والانحرافات والضلالات والمؤامرات في تلويث الفكر الإنساني، واستطاعت تفريغ الإنسان من المعاني الجميلة والصفات النبيلة التي تبنى عليها الحياة، وتقوم عليها أحلام الجنس البشري، وتحمل في طياتها الهدوء والاستقرار والسعادة والحب.
وكان من نتيجة ذلك أن نشأت حضارة غير منسقة، وفاقدة الاتزان، وتضخمت جوانب تافهة على حساب جوانب كبيرة في الدرجة الأولى من الأهمية.
وكان من نتيجة ذلك، أن أصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والباطل حقًا، والحق باطلًا، والرذيلة فضيلة، والفضيلة رذيلة، أما أن تصبح الخلاعة والمجون أدبًا، والظلم قوة، والمكر والخديعة كياسة ولباقة، فهذا شيء من الكوارث.
أليس من العجب أن الإنسان الذي يحاول أن يطير ويسيطر على النجوم ووصل إلى آفاق وآفاق، هو في الوقت ذاته الذي يخالف أبسط قواعد الأخلاق والرحمة والإنسانية، بل والمدنية العامة، ويهبط إلى مستوى أسفل من الحيوان يعطي ولكن ليستولي على الأخضر واليابس، ويمنح ولكن ليرسم كيف يقتنص! أليس من العجب العجاب أن الكثيرين من أهل هذه الحضارة العجيبة يعرفون جيدًا أنهم سائرون في سبيل الدمار العالمي، وأن هذه المسابقة الرهيبة في حقل المادة والقوة ستؤدي بها حتمًا وبهم إلى الفناء والدماء، وأن طوفان الهوس المادي لن ينحسر إلا بحضارة حقة ورجال لهم بصائر وقلوب.
أما الحضارة التي أنتجتها الأباطيل والشياطين، وحملها الثعالب والذئاب والوحوش، فقد اختاروا لها طريقًا موحشًا، لا يضمن الوصول إلى السعادة الحقيقية للإنسان، بل إنه النذير الخطر، خطر نكوص البشرية على أعقابها عدة قرون، إذا أصروا على صحة الجهة وسلامة المقصد الحضارة التي أنتجت الاستعمار وأنتجها حضارة عاشت على دماء الشعب وعرقه، واستعباده وأخذ قوت بطنه وفكره، وما كاد يتفلت منها، حتى ألحقت به المصائب تلو المصائب، وأولى تلك المصائب جلبها لحكامه، وصناعتها لسلطاته وزعمائه، وذلك شيء يعرفه القاصي والداني وتربية الزعماء وصناعتهم أصبحتا فنًا معروفًا، وأمرًا مألوفًا، وقد ذاقت الأمم من ويلاتهم ودكتاتوريتهم ما ذاقت وما زالت، وثانية هذه المصائب وهي كثيرة، تنمرهم لكل من تعافى يريدون قتله وطحنه وسحقه حتى لا يظل هناك من يرفع رأسًا، أو يحاول العيش الكريم والتفكير السليم.
وثالثة هذه المصائب: اختراعهم للكذب ودمغه بخاتم الحقيقة، ومطالبة الكل بالإقرار به، والعمل من أجله، وبالكذب يباح كل شيء ويدعى أي شيء، وإلا قل لي بحق الله عليك هل اليهود هم أصحاب الحق في فلسطين، وأصحاب الأرض والفلسطينيون هم المطاردون فيها؟ وقل لي بالله، هل وجدت في العراق أسلحة الدمار الشامل، والأسلحة المحرمة دوليًا؟ وهل جاء المستعمر حقيقة لنجدة الشعب من جلاديه والحفاظ على دمائه وأعراضه ومقدراته ونفطه وخيراته، وقيادته بالديمقراطية وإعطائه الحرية وإخراجه من الظلمات إلى النور؟ بل قل لي بحق الله عليك: هل سمعت كلمة صحيحة أو وعدًا صادقًا، أو قولًا بريئًا؟! وأسمعني كلمة صادقة بعد ذلك: هل هذه الحضارة وهؤلاء الحضاريون أصحاب قلوب؟