العنوان حضارة اليوم على حافة الهاوية
الكاتب عبد القادر طاش التركستاني
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أبريل-1974
مشاهدات 122
نشر في العدد 197
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 23-أبريل-1974
تواجه الحضارة العالمية في هذا القرن تحديات عديدة تتمثل في كثير من الأيديولوجيات والمذاهب الفكرية المتنوعة التي تنبع من المادية المطغية التي امتدت تأثيراتها على كل شيء في حضارة اليوم؛ ففي مجال الفكر والسياسة والاقتصاد نرى مذاهب ماركسية ومذاهب رأسمالية، وفي مجال الآداب والفنون نلاحظ انتشار المذاهب الوجودية ومذهب العبث «اللامعقول» وغيرها من المذاهب الأخرى، وفي مجال القيم وأخلاق المجتمعات نرى انهيار أخلاق الأمم وهبوط مشاعرها إلى دركات الحضيض وانتكاس قيمها إلى الحيوانية الكاملة. وفي مجال العلاقات الدولية فيما بين الشعوب والأمم نلمح بوضوح سيطرة النظرات النفعية « البراغماتزم » التي أدت إلى كثير من صور التطاحن والصراع والنزاع بين الأمم، ونرى أيضـا استيلاء النزعات العنصرية والاعتبارات القومية المنبثقة الأيديولوجيات المادية - على مشاعر الناس وأفكارهم وإثارة تلك النزعات بين وقت وآخر وتعميقها في ضمير الفرد ليهبط إلى مستوى أدنى مما وصل إليه الحال في عصور الظلمات، وتظهر في واقع العلاقات الدولية أيضا تحديات أخرى تتمثل في سيطرة القوى الكبرى والدول «التي أسموها عظمی» على مقدرات الشعوب المظلومة وموارد الأمم الضعيفة بكل وسائل القهر وألوان الاستعباد و فوق ذلك محاولة هذه القوى فرض أيديولوجياتها المادية على تلك الأمم الضعيفة عن طريق استغلال فقرها وتخلفها في فرض شروطها عليها.
إن هذه التحديات العديدة التي تواجهها حضارة اليوم ما هي إلا معاول هدم في كيانها تعمل بصورة رهيبة على قتل حضارة الإنسان وسحق الوجود الإنساني من على هذه الأرض.
ولقد تنبأ كثير من المفكرين من أبناء هذه الحضارة الذين ذاقوا ويلات هذه المعاول الهدامة واكتشفوا بعض أسرار عملها المخيف في تقويض أركان الحضارة الإنسانية.. لقد تنبأ أولئك المفكرون بتدهور الحضارة وسقوطها في هاوية الدمار ومستنقع الهلاك فراحوا يطلقون النذر ويرسلون الصيحات لإنقاذ هذه الحضارة، ومن أبرز ما كتب في هذا المجال كتاب «سقوط الحضارة» لكولن ولسون الذي أوضح فيه الأخطار التي تواجهها حضارة اليوم بسبب بُعدها عن المنطلق الروحي وسيرها في ركاب النزعة المادية المغرقة، وكتاب «تدهور الغرب» لاشبلنجلر الذي حذر فيه الحضارة من أنها تسير في طريق يؤدي بها إلى مصير مخيف مرعب!! وكتاب «حرب أم سلام» لوزير الخارجية الأمريكي السابق «دالاس» الذي قال فيه «إن هناك شيئًا ما يسير بشكل خاطئ في أمتنا وإلا لما أصبحنا في هذا الحرج وفي هذه الحالة النفسية.. الأمر لا يتعلق بالماديات، فلدينا أعظم إنتاج عالمي في الأشياء المادية، إن ما ينقصنا هو إيمان صحیح قوي فبدونه يكون كل ما لدينـا قليلا».
لقد انبعثت في قلوب أصحاب الحضارة الحديثة بواعث الحيرة والتساؤل واستولت على نفسياتهم مشاعر القلق والتمزق والصراع وفقدوا طعم السعادة الحقيقية وبدأوا يفكرون في أمر حضارتهم!!.
ومن خلال هذا الواقع المؤلم الذي تعيشه حضارة اليوم يتضح بجلاء أن حضارة اليوم تحتـاج إلى أيديولوجية جديدة أو منهج جديد لينقذها من التدهور والسقوط ولتعتمد عليه في بناء حضارة جديدة تعيد إلى هذا العالم أمنه وسعادته.
إن حضارة اليوم تحتاج إلى منهج يفسر لها غاية الوجود الإنساني ومكانة الإنسان في الأرض وعلاقته بالكون.
تحتاج إلى منهج يراعي في الإنسان فطرته ويتمشى مع متطلباتها ويهتم بكل طاقاته الجسمية والروحية والعقلية ويوازن بينها بحيث لا تطغى واحدة على أخرى أو يتضخم جانب على حساب الآخر .
تحتاج إلى منهج يقوم على الوحدة في العقيدة والرسالة والتشريع.
تحتاج إلى منهج يعالج الواقع البشري بكل مقوماته: القصور الاعتقادي والنظام السياسي والأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي.
تحتاج إلى منهج إنساني يرى الناس جميعا بمنظار واحد ويعمل على تحقيق السعادة لهم جميعًا ويؤلف منهم جميعًا مجتمعًا عالميًّا تسوده روح المحبة وترفرف عليه رايات التعاون والوفاق.
تحتاج إلى منهج يرتفع بالعقل البشري من دركات الانحطاط ويخلصه من قيود الجمود والتقليد ويطلقه في رحاب العلم النافع المفيد وآفاق الاكتشافات المجدية التي تضع يد الإنسان على ما في هذا الكون ليسخره في تعمير الأرض كما أمره الله.
تحتاج إلى منهج يعتمد علـى الروحانية الإيجابية البناءة التي ترتفع بمشاعر الناس من الطين الأرضي إلى الآفاق الرحبة في سماوات الله الخالق العظيم دون أن تقطع صلته بأرضه أو تحجزه عن أن يسعى إلى تحقيق خلافة الله فيها.
إن حضارة اليوم بحاجة إلى هذا المنهج ولن تجده إلا في «الإسلام» في الإسلام الذي يتميز فوق ما تقدم كله أنه منهج رباني وضعه خالق الكائنات الإنسانية الذي يعلم ما يصلحهم ويصلح لهم وهو المطلع على خفايا تكوينهم وعلى أسرار الملابسات الأرضية والكونية كلها؛ فهو إذن منهج مبرأ من كل نتائج جهل الإنسان، وقصور الإنسان، وضعف الإنسان، وهوى الإنسان وحضارة اليوم إذا أرادت أن تسلم من هاوية الدمار وتصل إلى رياض السعادة فلا مناص لها من أن تلجأ إلى الإسلام وترجع إلى حضارته التي كانت في الواقع البشري القريب أكثر حضارات الأرض سموًا في الخلــق وعدلاً في الحكم وعطفًا على الناس كلهم، وكانت المثل الأعلى للحضارة التي ينشدها الإنسان على مر العصور والدهور، ولا مجال لحضارة اليوم لأن تكابر أو تتجاهل تلك الحضارة ولا مجال لها لأن تعاند أو تحقد على منهجها لأنها بذلك تحكم على نفسها بالشقاء و تهوي بالإنسان إلى أغوار الدمار .
وإن أصحاب منهج الإسلام الذي صنع تلك الحضارة مدعوون اليوم ليقوموا بواجبهم تجاه العـالم مدعوون لإنقاذ الحضارة من هاوية الهلاك، مدعوون لقيادة السفينة العالمية إلى شاطىء الأمان وبر السلامة فتلك مسؤوليتهم التي كلفهم الله بها والأمانة التي حملهم إياها، فإذا فرطوا في المسئولية وتخلوا عن الأمانة فإنهم يجنون على الإنسانية، وسوف يسألون عن تلك الجناية الكبرى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل