العنوان حضارة التوَحُّش هل انفرط عِقدها؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-1996
مشاهدات 69
نشر في العدد 1219
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 01-أكتوبر-1996
معالم على الطريق
تكريم الإنسانية ورعايتها في المنظور الإيماني والحضاري هو من أفضل الأعمال وأكثرها مردودًا في الحياة الدنيا، وأعظمها أجرًا في الآخرة، والاعتداء عليها أو احتقارها هو من أسوء الأعمال والأفعال، وأكثرها تدميرًا للمجتمعات والأمم وأعظمها جرمًا عند الله ولهذا «من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا»، ولذا فكل تقدم علمي أو تكنولوجي لابد وأن يسخر لخدمة الإنسان وراحته، ولإسعاده وهدايته، وكل ثقافة أو حضارة لابد وأن تكون عنصر طمأنينة وسكينة وأمن واستقرار لحياته ومعيشته، فإذا فقدت ذلك أو افتقرت إليه، كانت عقيمًا غير ذي ثمرة، أو جدباء غير ذي زرع، والحضارة الحديثة التي بهرت الناس بعلمها وكشفها وسيطرتها على المادة، كان يفترض أن تجعل الإنسان أكثر سعادة وأمنًا وأفضل استقرارًا وسلامًا ولكنها عبدت نفسها، وأطغت ماديتها على الإنسان نفسه، وقتلت روحه ونشرت أخلاقياتها المادية والبرجماتية أي النفعية كثقافة، وهي التي تنفي المسؤولية الأخلاقية للفرد في مجتمعه، وتجعله يتنصل من أي مسؤولية أخلاقية، وتحول الناس إلى مجرد كم، رقم في بطاقة، أو تليفون أو ملف ضرائب أو رقم كودي، ولهذا تلاعبت بالإنسان في ميادين شتى منها:
- ميدان الأطماع والمصالح: حيث بدأ عصر النهضة كمثال في أمريكا الشمالية، فأبادت بشكل شبه كامل السكان الأصليين، إما بالقتل، أو نشر الأمراض، أو عن طريق التهجير، ونفس الشيء في أستراليا، حيث أصبح عدد السكان الأصليين ربع مليون بعد أن كان عددهم مليونين وهذا ما شاهده الجميع في الكونغو، حيث أبيدت ثلاثة ملايين، وفي الجزائر مليون ونصف، وفي فيتنام وفي البوسنة، حيث يتم ذلك على الأرض الأوروبية، وقد تم من قبل على أرض ألمانيا بعد استسلامها في الحرب، حيث أصر أيزنهاور على تسمية الجنود الألمان المستسلمين قوات معادية فحرمهم من المعاملة الإنسانية، مما أدى إلى موت ٧٥٠ ألف ألماني في الأسر في المعسكرات الأمريكية، وحوالي ٢٥٠ ألفًا في المعسكرات الأوروبية، لم ما كان من أمر إلقاء القنابل الذرية للإبادة على اليابان في هيروشيما، وناجازاكي، رغم أن اليابان كانت في طريقها للاستسلام.
- تصدير المشكلات: حيث أصبح تصدير المشكلات إلى البلاد الضعيفة والفقيرة صناعة أوروبية، وعملًا من أعمالهم الحضارية المشؤومة فقد صدرت إلينا كثيرًا من المشكلات التي اخترعها الغرب لتظل الشعوب في دوامات من المشاكل التي لا تنتهي، مشاكل الحدود، والفتن وصناعة الزعماء، ومشكلة إسرائيل وزرعها في وسط الأمة الإسلامية... إلخ.
- الحريق الجنسي: والكوارث الإباحية التي أضاعت قيمة الإنسان، وأذهبت شرفه وعفته، وأنزلته إلى درجة أحط من الحيوان، حيث تم الانفلات من كل قيمة، فراحت تجارة الغرائز باسم تحرير المجتمع، وصارت الموسيقى الصاخبة وسط الهياج الجنسي سمة بارزة طغت على كل عمل موسيقي هادئ في المجتمعات، وعمت ثقافة العري والرقص والخلاعة، وأصبحت العلاقات الجنسية المحرمة هي القاعدة، والطهارة هي النشاز والتأخر، والاحتجاج على الشذوذ ضربًا من ضروب التخلف الفكري والثقافي والفني والاجتماعي، وكان لابد لهذا التسيب البهيمي غير المنضبط أن يبلغ مداه، وهذا السعار الجنسي المنفلت أن يأخذ طريقه إلى الهاوية، فكان هذا الانفجار المروع الذي يضج العالم منه اليوم، وكانت هذه الجرائم التي فاقت حيوانيتها كل توقع، والصراخ الذي أسمع العالم كله، وانتفض له فرادى وجماعات ليدفع هذا الحريق الجنسي عن الأطفال الأبرياء الذين تفترسهم الذئاب الآدمية المتوحشة، رغم أنها ترتع في الجنس ليلًا ونهارًا مع الكبار، ورغم أنها تتنفسه وتشربه على مدار الساعة، ولكنها أصبحت لشيوعه تمجه وتبتذله وتعرض عنه، وانخنست إلى ما تبقى من طهارة الأطفال لتحرقها اغتصابًا وإكراهًا في جرائم وظروف مأساوية عجيبة دخيلة في رأيي على الذهنية الإنسانية، ومفجعة للفكر الإنساني المستقيم أو المحافظ حيث نرى أن ممارسة الجنس وسط المحارم أصبح عادة غير فجة، وأن اغتصاب الأطفال من قبل ذويهم أصبح ظاهرة يعرفها الجميع ويتحدثون عنها بسلبية خطيرة في كل أنحاء العالم المتحضر، فتشير الإحصاءات الرسمية لسنة ١٩٩٥م أن عدد الأطفال الذين تم الاعتداء عليهم جنسيًا في ألمانيا فقط ٣٠٠ ألف حالة، ومثل هذا العدد يزيد أو يقل قليلًا في بلاد أوروبية أخرى، وقد تعدى هذا الجنون إلى تجارة بيع الأطفال للدعارة أو خطفهم لنفس الغرض، أو ما يسمى «بالسياحة الجنسية»، حيث تفرط الشعوب الفقيرة في أطفالها جزاء مقابل مادي لسياح الرذيلة الذين يبحثون عن المتعة القذرة، وقد استهدفت بلاد مثل الهند والفلبين و تايلاند، حيث وصل انتشار دعارة الأطفال درجة جعلت من النادر العثور على فتاة بكر بين ۱۰-۱۳ سنة من العمر، وأصبح الطلب على مثل هذه الدعارة كبيرًا، بحيث يتم استيراد كميات كبيرة من الدول المجاورة.
وحوصر الأطفال الأبرياء في الدول الفقيرة المنكوبة، وفي الدول الغنية المادية الملعونة على حد سواء، وأصبح الجميع ذئابًا، الأب ذئب، والأم ذئب، والأسرة ذئب، فنسية ٩٦٪ من الاعتداءات الجنسية على الأطفال في بريطانيا مثلًا كانت من أسرهم من الآباء والإخوة والأخوات والأقرباء والنسبة الغالبة كانت من الأب، أو من زوج الأم بمساعدة الأم، وإذا ترك الطفل الأسرة إلى المجتمع تعرض للاجتياح الجنسي في المدرسة حيث نشرت مجلة «فوكس» الألمانية في ٢/٩/١٩٩٦م قصة مدير مدرسة كاثوليكية في ألمانيا قام بالاعتداء على ٤٥ طفلًا، ومنهم طفلة عمرها ۱۲ سنة لجأت إليه لمساعدتها بعد أن اغتصبها أبوها فاغتصبها هو أيضًا ولم يرحمها.
وانتقل الاغتصاب إلى رهبان الكنيسة، حيث انكشف أمر القساوسة في قرى ألمانيا، حيث تم الاعتداء على المئات من أطفال القرى على امتداد أعوام كاملة، وانكشف الأمر كذلك بالنسبة إلى دبلوماسيين وقضاة، وساسة، وشرائح عليا في المجتمع، وأصبحت الطفولة في مجتمعات الحضارة مهترئة ومستهلكة، لأسباب كثيرة ومتنوعة، منها: التسيب الجنسي الموجود في تلك البلاد، والذي فتح الأبواب على مصراعيها لإنتاج أطفال بغير أب تتحمل أعباءهم الأم كعائل وحيد فتكون النتيجة التشرد، وقد قدرت المنظمة العالمية للطفولة في بلغاريا وحدها زهاء ٣٦,٥٠٠ طفل مشرد من غير مأوى، وأن ثلثهم على الأقل يمارس البغاء والباقي على الطريق، وقد قررت المنظمة أن اتساع نطاق انتشار المعاشرة الجنسية دون زواج، ظاهرة تنعكس في ارتفاع عدد المشردين في بعض البلدان من ٦٠ ألفًا إلى ٨٠ ألفًا عام ١٩٩٤م، بالإضافة إلى رعاية أسر غريبة لأطفال من غير أسرهم الأصلية من ٤٤ ألفًا إلى ٥٦ ألفًا خلال الفترة نفسها، وهذا العدد يتعرض للاغتصاب والشذوذ، ومن هذه الأسباب استغلال فقر الفقراء، وانتشار الفساد الإعلامي والتليفزيوني وغير ذلك.
وبعد... أفلا ترى معي أن هذه المدنية قد انفرط عقدها، وانتكس فكرها، وعم فسادها، وأن الأجيال الجديدة ستكون قمة في الضياع والهلاك النفسي، وعدم الاستقرار الذهني والعقلي، وأنها قد تخلت عن كل قيمة أو خلق أو شرف أو رحمة حتى مع الطفولة، وأن الحيوان الأعجم قد صار أظهر منها وأفضل وأعلى منها وأجل، وأنها قد أذنت بزوال وأرهصت باضمحلال، وأن المغرمين بها، والمقلدين لها، والداعين إليها هلكى يروجون لموتى، ويريدون أن يحلوا أممهم دار البوار؟ فهل نحمد الله على نعمه علينا، ونعرف مقدار ما معنا من هدي وما نحمله من إنقاذ، فنتقدم منادين: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81)، ونفرح مهللين للهداية: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (الأعراف: 43)؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل