العنوان محنة المعاهد العلمية في اليمن .. حصون الأمة.. ومعاول السلطة
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 12-مايو-2001
مشاهدات 111
نشر في العدد 1450
نشر في الصفحة 20
السبت 12-مايو-2001
في مجرى الأحداث
الجدل الدائر في اليمن حول إلغاء المعاهد العلمية «الدينية» يفتح ملف «الغارة» التي يتعرض لها التعليم الديني في العالم الإسلامي على امتداد نصف القرن الأخير.. مبرر السلطة اليمنية في سعيها إلى إلغاء هذه المعاهد هو «توحيد المناهج التعليمية ودمج التعليم» وهو ما يعني إغلاق ٤٥٠ معهدًا ينتظم فيها ٢٠٠ ألف طالب وطالبة أو تحويل مسارها، وبالتالي حرمان اليمن من حصن مهم من حصون الإسلام.
والدعوة إلى إلغاء التعليم الديني دعوة قديمة أطلقها- للمرة الأولى- طه حسين عام ١٩٥٥م بمقال شهير في جريدة الجمهورية «مصر» مقدمًا المبررات نفسها التي نسمعها اليوم وهي «توحيد التعليم» وقد أطلق طه حسين دعوته تلك تحت عنوان «الخطوة الثانية» داعيًّا السلطة المصرية الثورية إلى اتخاذها بعد أن نجحت في «خطوتها الأولى» وهي إلغاء القضاء الشرعي.
وبعد ما يقرب من نصف القرن تكون دعوة طه حسين قد قطعت شوطًا كبيرًا في سبيل إلغاء التعليم الديني أو تفريغه من محتواه.. ففي عام ١٩٦١م صدر القانون رقم ۱۰۳ تحت اسم «إعادة تنظيم الأزهر» ثم تبعته إجراءات وقوانين أخرى كان آخرها قانون «تطوير الأزهر» الصادر في يوليو ۱۹۹۸م الذي قضى بتخفيض سنوات الدراسة في المرحلة الثانوية من أربع سنوات إلى ثلاث، وألغى ٣٣% من المنهج الشرعي و۸۸ % من حصص القرآن الكريم، وأغلق ۲۰ معهدًا لتخريج معلمي القرآن.. «مذكرة الشيخ جودة الصفتي مدير الخطة والمناهج بالتعليم الأزهري الثانوي».
ولن تكون دعوة السلطة اليمنية «لتوحيد التعليم ودمج المناهج» أخف أثرًا على مستقبل التعليم الديني ورسالته هناك مما أحدثته قوانين التطوير التي قمعت التعليم الأزهري وحجمته، ولذلك فقد كان الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس البرلمان اليمني ورئيس تجمع الإصلاح مصيبًا عندما أرسل للبرلمان خطاب اعتذار رسمي عن رئاسة الجلسة التي ناقشت المشروع الحكومي «بإلغاء المعاهد العلمية الناجحة التي هي من منجزات الثورة والجمهورية ولا يجوز المساس بها» «رسالة الأحمر» كما كان الأستاذ عمر أحمد سيف المرجع العام للميثاق الوطني «المنهج الفكري للحزب الحاكم» مدركًا أبعاد ما يدبر لتلك المعاهد، فسارع بمناشدة الرئيس على عبدالله صالح بعدم إلغاء تلك المعاهد لأن «إلغاءها يصب في خدمة أعداء الدين ومثيري الفتنة وأن قطع ميزانيتها (۷ مليارات ريال يمني) هو قطع للشرايين».
والناظر في وقائع تلك «الغارة» الآثمة على التعليم الديني في العالم الإسلامي، يلحظ خيطًا متينًا يربطها وإن اختلفت آلية الضربات، فإن الهدف يتراوح بين اجتثاثها أو تحويل مسارها أو تهميشها.. والمهم هو شل رسالتها أو مسخها.. ولعل النموذج التركي والتونسي مثالان بالغًا الفجاجة في هذا المضمار، فالسلطة التونسية لم تبق من ذكرى جامعة الزيتونة الإسلامية إلا مبانيها فقط، أما ما يدور في داخلها فإن أكثر الجامعات العلمانية تفلتًا وتفسخًا تخجل منه.
وفي تركيا تم تقليص مدارس الأئمة والخطباء في خطة تبنتها حكومة مسعود يلماظ عام ١٩٩٧م قضت بخفض أعدادها وجعل التعليم داخل ما بقي منها مختلطًا مع تجريم ارتداء الحجاب أثناء الدراسة، وفي الوقت نفسه تم فصل كل العاملين في مؤسسات التعليم من الحاصلين على مؤهلات من جامعات إسلامية بما فيها الأزهر.. لأنهم خطر!.
الأمر المحير.. أن هذا التعليم الديني نشأ في كنف الأنظمة الحاكمة وتدار العملية التعليمية داخله تحت سمعها وبصرها.. وقد ظل حصنًا منيعًا من حصون الأمة في حفظ الدين وتخريج العلماء العاملين القائمين على حراسة الإسلام بالحكمة والعلم والموعظة الحسنة من جهل المبطلين وشطط المغالين، وهو بذلك يمثل قلعة منيعة ضد «التطرف والإرهاب» الذي تشتكي الأنظمة من خطره ليل نهار.
فلماذا نهدم حصوننا بأيدينا .. هكذا؟
الإجابة حصلت عليها خلال زيارتي إلى باكستان عندما قام برویز مشرف بانقلابه علی نواز شريف، وهناك سمعت من مصادر موثوقة أن الإدارة الأمريكية تشترط لمساعدة النظام الجديد: إغلاق المدارس الدينية وإغلاق المشروع النووي وضرب الحركات الجهادية بل إنها تعتبر المدارس الدينية أشد خطرًا عليها من القنابل النووية!!.
هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى، فإنه لم يعد سرًا أن البنك الدولي الذي يحظى اليهود بنفوذ كبير في إدارته، يشترط لإقراض الدول الإسلامية، إلغاء التعليم الديني، وإلغاء مسابقات القرآن الكريم.
وذلك هدف يسعى إلى تحقيقه منذ زمن طويل أعداء الإسلام من اليهود الأشرار، والصليبيين الحاقدين، والماركسيين المجرمين.