العنوان حصر دائرة الصراع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 10-أكتوبر-1981
مشاهدات 72
نشر في العدد 550
نشر في الصفحة 4
السبت 10-أكتوبر-1981
•الحركة الإسلامية في حالة حرب مع أعدائها الفعليين بكل ما تعنيه كلمة الحرب من قتل، وتشريد، وتدمير ومثله، وتعذيب، وإعدام، هذه حقيقة لا تنتطح فيها عنزان، وإذا كان الأمر كذلك، وهو قطعًا كذلك، فمن باب أولى فهم قوانين الحرب أو مبادئ الحرب بتعبير أدق، ومن أهم مبادئ الحرب: تحديد العدو والاقتصاد في القوى، بتعبير آخر لا بد من حصر دائرة الصراع من خلال تحديد من هو العدو الفعلي؟ وبالتالي ضخ القوى ضده لتلافي بعثرتها وتشتيتها، ومن يدخل الحرب دون أن يحدد -بدقة- العدو والقوى الموالية والرديفة له، فإنما هو يدخل متاهة ومفازه تتبعثر فيه القوى والطاقات، ولا تتحقق منها نتيجة، لا بد إذن -لكي تكون الحرب ناجحة وتحقق أهدافها- من حصر دائرة الصراع وتوجيه كل الناس للهدف الصحيح وبالكيفية الصحيحة.
•من هو العدو الفعلي واليومي للحركة الإسلامية؟ ومن هو المعوق الفعلي واليومي لمسيرة الحركة الإسلامية؟ ومن هو هذا العدو الذي يتسلح بالأجهزة المادية والإدارية والمالية والإعلامية والذي يتمتع بـ «الشرعية» الواقعية في مواجهته للإسلام كدعوة وكحركة؟ وهل هذا العدو قوة مادية ظاهرة محسوسة وملموسة؟ أم أنه قوة خفية غير ظاهرة وغير محسوسة ولا ملموسة؟ وبقدر ما كانت الأسئلة محددة وواضحة، فهكذا ينبغي أن تكون الإجابة عليها.
•إن العدو الفعلي واليومي للحركة الإسلامية هو الأنظمة، وإن المعوق الفعلي واليومي لمسيرة الحركة الإسلامية هو الأنظمة، وإن العدو الفعلي الذي يتسلح بالأجهزة المادية والإدارية والمالية والإعلامية، والذي يتمتع بـ«الشرعية» الواقعية في مواجهته للإسلام كدعوة وكحركة هو أيضًا الأنظمة، والأنظمة قوة مادية وظاهرة ومحسوسة وملموسة، وليست قوة خفية غير ظاهرة ولا محسوسة أو ملموسة، يرأس هذه الأنظمة رجال من لحم ودم وعظام فيهم كل ضعف البشر، وخوف البشر، وارتجاف البشر، وفي طوعهم أجهزة يرأسها رجال أيضًا فيهم كل ما في أسيادهم من ضعف، وخوف، وانحدار، وارتجاف، لا ينامون في الليل إلا تحت حراسة، ولا يأكلون الطعام إلا تحت حراسة، ولا يرتخون ويقهقهون في حضرة النساء إلا تحت حراسة، فالأنظمة إذن قوة واضحة نراها ليل نهار، وهي العقبة الكأداء أمام مسيرة الدعوة الإسلامية.
•إن معركة الحركة الإسلامية ليست هي مع الفتاة السافرة أو المتبرجة، وليست مع البرامج الهابطة في الأجهزة المرئية والمسموعة، وليست مع البنوك التي تمتص دماء الفقراء وتحقنها في كروش الأغنياء، وليست مع دور السينما والشركات المشرفة عليها، وليست مع الحفلات الراقصة، ليست تلك هي معركة الحركة الإسلامية، ولا ينبغي أن تكون أو أن تحصر في هذه الدوائر الثانوية، إن المعركة الفعلية للحركة الإسلامية ينبغي أن تكون مع الأنظمة التي أفرزت هذا الواقع بتلك المواصفات سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو الإعلامية، إن كل الظواهر السلبية في أي مجتمع من المجتمعات هي نتيجة طبيعية مفروزة من طبيعة النظام العام الذي يعيش في ظله المجتمع، وليست وليدة اختيارات فردية، إن تفشي الخمور والمخدرات والزنا واللواط -مثلًا- في المجتمع الأميركي ليست نتيجة للاختيار الفردي بقدر ما هي نتيجة للنظام العام الذي يسود المجتمع الأميركي، والذي تقف على سنامه السلطة السياسية الأميركية، وما تمثله فعليًا من مصالح القوى الاقتصادية الاستثمارية والتجارية في ذلك المجتمع. بتعبير آخر إن الفرد الأميركي قابل للصلاح بقدر ما يصلح النظام العام الذي يعيش في ظله، بدليل أن العرب في الجاهلية كانت فيهم كل هذه المباذل وعندما صلح النظام العام عن طريق تأسيس دولة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة صلح حال الفرد العربي في الجزيرة، وإن الفرد العربي اليوم قابل للصلاح وقابل للالتزام بالإسلام وبشريعته بقدر ما يصلح النظام العام السياسي الذي يعيش رهينة في ظله.
•باختصار نقول إنه إذا أرادت الحركة الإسلامية أن تحقق شيئًا من خلال منهج عملها الحالي -والذي تعوزه الكثير من المراجعات- فينبغي أولًا حصر دائرة الصراع وتحديد العدو والهدف، إن بعثرة القوى الإسلامية في مواجهات جانبية من شأنها توسيع دائرة الصراع، وبالتالي تفريغ الطاقة الإسلامية في فراغ لن تتحصل منه فائدة تذكر لمجمل أهداف الدعوة، إن العدو الفعلي والمعوق الفعلي لمسيرة الدعوة هي الأنظمة، وليست الجماهير -بكل راياتها ومسمياتها- وإن العمل الإسلامي الذي يتحرك بمعزل عن هذه الحقيقة الجارحة لن يحقق أي نتيجة على المدى البعيد.