العنوان حصاد المصالحة الصومالية في 10 شهور.. 3 محاور دولية.. ولا حل قريب للأزمة
الكاتب إبراهيم الدسوقي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1997
مشاهدات 78
نشر في العدد 1254
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 17-يونيو-1997
تشهد الساحة الصومالية نشاطًا دبلوماسيًا لقوى إقليمية ودولية بهدف إيجاد مخرج من الأزمة الصومالية وتحقيق المصالحة في هذه البلاد التي مزقتها الحرب الأهلية، هذا النشاط الدبلوماسي تقوم به محاور ثلاثة متنافسة بعد ركود دام قرابة سنتين، وهذه المحاور هي: المحور الإثيوبي - الأمريكي، والمحور الأوروبي – الكيني والمحور العربي، أي أنها مختلفة التوجه والغرض.
ما هي طبيعة وأهداف ووسائل كل محور من هذه المحاور التي يجمعها غياب التنسيق فيما بينها؟
نشطت الدبلوماسية الدولية لتحريك عملية السلام والمصالحة في الصومال، فقد شهدت الساحة الصومالية العديد من مبادرات المصالحة منذ الأشهر الأخيرة من العام الماضي.
ولقد لعبت كل من إثيوبيا واليمن وكينيا ومصر بالإضافة إلى إيطاليا أدوارًا مهمة في إنعاش عملية السلام، ودفع عجلة المصالحة إلى الأمام بعد ركود دام قرابة سنتين، في حين اختارت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة أن تبقى في الظل بحيث لا يعدو دورها توجيه النصائح العامة، ودعم المبادرات الإقليمية، وتقديم مساعدات إنسانية متواضعة عن طريق الهيئات الإنسانية غير الحكومية أو التابعة للأمم المتحدة، بيد أنه على الرغم من هذه السيناريوهات المسرحية فإن الولايات المتحدة تلعب الدور الأكبر حيث تخطط لإعادة تشكيل الخارطة السياسية في منطقة القرن الإفريقي بما يتناغم والنظام العالمي الجديد الذي تتزعمه وتهيمن عليه.
وتجدر الإشارة إلى أن السياسة الإقليمية التي تتبناها الولايات المتحدة في إطار النظام العالمي الجديد ترتكز على تقسيم القارة الإفريقية، ومنها منطقة القرن الإفريقي ومنطقة البحيرات الكبرى وغيرها إلى مناطق نفوذ رئيسية.
ويمكن تلخيص السياسة الأمريكية الخاصة بمنطقة القرن الإفريقي فيما يلي:
1- تقليص الدور الأوروبي في المنطقة.
٢ - تصفية الأنظمة المعادية أو المتمردة على سيدة العالم.
3- تمكين زعامات شابة، وموالية لها من الاستيلاء على الحكم، وتسلم مقاليد الأمور.
4- ترويج فكرة تكوين تكتل اقتصادي يضع جميع شعوب منطقة القرن الإفريقي قد يتطور إلى اتحاد كونفدرالي بين دول منطقة القرن الإفريقي جميعًا.
5- إعداد إثيوبيا كقوة إقليمية محورية عظمى تلعب دور الشرطي الوفي لتنفيذ المنطقة لتدور في فلكها السياسة الأمريكية في بقية الدول طوعًا أو كرهًا.
وبناءً على هذه المعطيات فإن إثيوبيا تمثل رأس حربة ومخلب قط للولايات المتحدة وإسرائيل بطبيعة الحال.
ولكن الاتحاد الأوروبي الذي انحسر دوره في القارة الإفريقية وشرع نجمه يقترب من الأفول يحاول مقاومة الضغط الأمريكي الرامي لنشر أشرعة النفوذ الأمريكي على القارة بأسرها، لذا نراه يتحالف مع بعض زعماء منطقة القرن الإفريقي من الطراز التقليدي الذين لا يزالون يحتفظون بعلاقات متميزة مع أوروبا، ولعل الرئيس الكيني دانيال أرب موي، والرئيس الجيبوتي حسن جوليد هما الوحيدان اللذان استعصيا على الخضوع للسياسة الأمريكية.
ويلقي الصراع الأمريكي الأوروبي بظلاله وانعكاساته على مبادرات المصالحة والعملية السلمية في الصومال التي تنتقل بين أديس أبابا ونيروبي، الأمر الذي أصابه بالعطب والشلل والدوران حول نقطة جامدة.
وإلى جانب هذين المحورين ظهر في الساحة مؤخرًا محور ثالث يتمثل في جامعة الدول العربية بزعامة كل من اليمن ومصر، وخاصة بعد تفجر أزمة الحدود البحرية بين اليمن وإريتريا في شهر من ديسمبر من عام ١٩٩٥م، وذلك عندما وجهت إريتريا إنذارًا إلى المواطنين اليمنيين والحامية العسكرية اليمنية المرابطة في جزيرة حنيش الكبرى تطور بمغادرة الجزيرة، ثم انتهى الأمر باحتلال إريتريا عسكريًا للجزيرة، ويرى المحللون أن إسرائيل كانت ضالعة في المخطط الإريتري لإزاحة اليمن من أرخبيل حنيش، وذلك لأسباب استراتيجية بهدف إتاحة الفرصة لإسرائيل للتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
ويبدو أن هذه العملية نبهت الدول العربية المطلة على البحر الأحمر وخاصةً اليمن ومصر إلى دور الصومال في الحفاظ على الأمن القومي العربي في ساحل البحر الجنوبي للبحر الأحمر، وذلك عن طرق مواجهة المحور الثلاثي المكون من إثيوبيا وإريتريا وإسرائيل وحول هذه المحاور الثلاثة تدور العملية السلمية، ومبادرات المصالحة الرامية إلى إيجاد حل للمعضلة السياسية في الصومال.
وباستثناء المحور العربي الذي ضعف مع لانشك في صدق نواياه وإخلاصه تجاه القضية الصومالية، فإن المحورين الآخرين يخططا لإضعاف الصومال في نهاية المطاف وتمزيق وحدته، وربطه بالدول الإقليمية المسيحية، وبس أشرعة الهيمنة الغربية على الصومال، الأمر الذ يلحق أضرارًا بالغة بالمصالح القومية للصومال وإهدار الحقوق المشروعة للشعب الصومالي تحرير أراضيه السليبة التي لا تزال تحت الاحتا الإثيوبي الصومال الغربي، والكيني المقاطع الشمالية الشرقية المعروفة اختصارًا بـ ED بالإضافة إلى الهيمنة الاقتصادية والثقافية ضد المشروع الغربي لأن كلًّا من إثيوبيا وكينيا ينتميان من الناحية الروحية والعقائدية، والثقافية إلى العالم الغربي المسيحي.
وبعد تسليط الأضواء على هذه المحاور التي تدور حولها مبادرات المصالحة في الصومال من وبعد الإشارة السريعة إلى الأهداف الرئيسية من هذه المحاور، نود أن تلخص المنهجية التي تقوم عليها المبادرات التي يتبناها كل محور من هذه المحاور الثلاثة على التوالي:
1- محور إثيوبيا -الولايات المتحدة
تقوم منهجية هذا المحور على توجيه دعوة إلى كافة الفصائل الصومالية للاشتراك في مؤتمر عام بدون استثناء أي فصيل مهما كان حجمه أو وزنه السياسي، شريطة أن يمثل ولو بطنًا أو فخذًا من أفخاذ القبائل الصومالية، ودون تعطيل المسيرة في حالة رفض أحد الفصائل أو التكتلات السياسية مهما كان حجمها أو نفوذها السياسي في نطاق المعادلة السياسية في الصومال، ومن هذا المنطلق تم عقد مؤتمر منتجع سودري في إثيوبيا في الفترة ما بين ١٩٩٦/١/٢٢م - ۱۹۹۷/۱/۳م، والذي شارك فيه ٢٣ فصيلًا أو بالأحرى أجنحة فصائل تجدر الإشارة إلى أن الكتلة الرئيسية في ذلك المؤتمر كانت أصلًا أعضاء ولفترة طويلة في التحالف الصومالي للإنقاذ بزعامة السيد علي مهدي محمد، وبالتالي كانت على درجة عالية من الانسجام والتنسيق والتقارب بين وجهات النظر في القضايا المطروحة على بساط البحث.
هذا ولقد تغيب عن هذا المؤتمر كل من حسين عيديد رئيس حكومته، والسيد محمد إبراهيم عجال رئيس ما يسمى بجمهورية أرض الصومال، بعد أن رفضا فكرة المؤتمر شكلًا ومضمونًا ولأسباب مختلفة وتوصل المؤتمرون إلى القرارات الآتية ۱ - تشكيل مجلس وطني باسم المجلس الوطني للإنقاذ مكون من 41 عضوًا ومن أبرز مهامه:
أ - تشكيل حكومة مركزية ذات قاعدة عريضة خلال 6 أشهر من تاريخ انتهاء المؤتمر.
ب - إعادة الأمن والاستقرار إلى ربوع الصومال.
ج - إعداد الميثاق الوطني للفترة الانتقالية.
2- اختيار مجلس رئاسي مكون من 5 أعضاء من المجلس الوطني للإنقاذ على أن تكون مدة رئاسة كل عضو من أعضاء المجلس الرئاسي شهرًا واحدًا فقط.
3- تشكيل لجان عمل مختلفة مثل اللجنة التنفيذية، اللجنة السياسية، ولجنة الشؤون الاجتماعية، ولجنة العلاقات الخارجية، ولجنة الشؤون الدفاعية، ولجنة التخطيط والاقتصاد.
4 - تكليف كل من علي مهدي، وعثمان عانو بإقناع حسين عيديد باللحاق بقطار المصالحة الوطنية والمشاركة في المؤتمرات التي تقرر عقدها في مقديشو في شهر أبريل الماضي، وفي مدينة بوصاصو في شهر يونيو الحالي.
من خلال قراءة متأنية لقرارات مؤتمر منتجع سودري يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:
1 - أن منهجية التعامل التي اتبعها أوصياء هذا المؤتمر ومخططو استراتيجياته تقوم أساسًا على افتراض أن تعزيز ودعم أحد التحالفات الرئيسية بتقديم التسهيلات اللازمة من جهة ومحاصرة بل وتضييق الخناق على الأطراف الرافضة من جهة أخرى مع ترك الباب مفتوحًا ووضع آلية تسمح للأطراف الممتنعة بالانضمام إلى مسيرة الوفاق واللحاق بالركب في وقت لاحق، قد يؤدي في نهاية المطاف إلى إنعاش عملية السلام وتحريك عجلة المصالحة، وكسر الانطلاق السياسي في الصومال.
2- أنه من غير المقبول أن تظل القضية الصومالية مشلولة تراوح في مكانها إلى أجل غير مسمى، الأمر الذي قد يسبب مضاعفات خطيرة ويؤدي إلى عواقب وخيمة ليس على الصومال فحسب بل على منطقة القرن الإفريقي بصفة عامة، بسبب تعنت بعض القبائل ليس إلا.
من هنا لا بد من إيجاد صيغة ما تخرج الأزمة الصومالية من عنق الزجاجة إلى فضاءات تسمح بانطلاق قافلة المصالحة لتشق طريقها نحو حل المعضلة السياسية في الصومال، وذلك عن طريق مؤتمر عام تشترك فيه غالبية الفعاليات السياسية لتشكيل الحكومة الوطنية المنشودة.
3- حشد تأييد عالي لقرارات هذا المؤتمر عن طريق إقناع المنظمات الدولية مثل منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية مثل جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والاتحاد الأوروبي، ومنظمة الوحدة الإفريقية، ومجموعة دول الإيقاد لتأييد قرارات مؤتمر منتجع سودري، وفعلًا أصدر مجلس الأمن الدولي بيانًا يعرب فيه عن ارتياحه إزاء النتائج التي تمخض عنها مؤتمر سودري، ووصفها بأنها تمثل خطوة إيجابية، ودعا الأسرة الدولية إلى تأييدها، وتقديم الدعم اللازم لها، كما دعا الأطراف الصومالية التي قاطعت هذا المؤتمر إلى اللحاق بقطار المصالحة قبل فوات الأوان.
4- وضع خطة واضحة المعالم ومحددة الأبعاد لتنفيذ قرارات المؤتمر، ووضع جدول زمني لمتابعة تنفيذها، حتى لا تلقى مصير القرارات الكثيرة التي توصل إليها زعماء الفصائل في العديد من المؤتمرات والتي ذهبت أدراج الرياح قبل أن يجف المداد الذي وقعت به.
بيد أنه على الرغم من أن المجلس الوطني للإنقاذ نجح في عقد مؤتمر مقديشو في الموعد المقرر له لمراجعة وتقويم الأعمال التي تم إنجازها في الفترة السابقة، وكذلك تشكيل لجنة مكونة من خبراء القانون لإعداد الميثاق الوطني، إلا أن مؤتمر بوصاصو الذي كان من المقرر عقده في العاشر من يونيو الحالي لم ينعقد، الأمر الذي يلقي بظلال من الشك والريبة على إمكانية عقده حتى في وقت لاحق من الشهر السابع.
وباستثناء لجنة الميثاق الوطني برئاسة المستشار القانوني الشهير، ورئيس أحد أجنحة المؤتمر الصومالي الموحد USC عبد الله معلم، التي أنجزت مهمتها، وأنهت أعمالها حسب تصريحات أدلى بها رئيس اللجنة، فإن اللجان المختلفة المنبثقة عن مؤتمر سودري أنجزت حتى الآن أقل من القليل من المهام المناطة بها والمسؤوليات الملقاة على عاتقها، والأدهى من ذلك أن مؤتمر سودري اختفى من على شاشات الإعلام العالمي والمحلي، كما أفادت بعض المصادر المطلعة بأن خلافات نشبت بين بعض أعضاء المجلس الرئاسي حول العديد من القضايا المهمة.
2- المحور الأوروبي الكيني
يقوم هذا المحور على اعتبار مشكلة العاصمة مقديشو حجر الزاوية لحل الأزمة الصومالية، ومن هنا يولي الأولوية القصوى لحل مشكلة العاصمة باعتبارها المدخل الصحيح والمفتاح الوحيد لحل المعضلة السياسية في الصومال، ويعتبر أية مبادرة تصالحية تقوم على تهميشها أو الالتفاف حولها محكوم عليها بالفشل، وتسعى بنفسها نحو حتفها.
ومن هنا فإن مؤتمر نيروبي المنعقد في شهر أكتوبر من العام المنصرم والذي شارك فيه كل من علي مهدي، وحسين عيديد، وعثمان حسن علي عاتو، تحت رعاية الرئيس الكيني، ودعم الاتحاد الأوروبي، كان مخصصًا لمناقشة وبحث موضوع واحد هو إيجاد حل المشكلة مقديشو...
وعلى الرغم من أن قرارات المؤتمر لم تر النور حيث أصبحت مقديشو مسرحًا لأشرس المعارك بين المليشيات التابعة لأقطاب الصراع في المدين والموقعين لاتفاقية نيروبي، التي ينص البند الأول فيها على ضرورة وقف إطلاق النار فورًا وإزالة الحواجز المصطنعة بما في ذلك ما يعرف بالخط الأخضر، بيد أن المؤتمر نفسه كان رمزًا واضحًا وتجسيدًا عمليًا لهذه السياسة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن القائم بأعمال السفارة الإيطالية في الصومال، والمقيم حاليًّا بصفة مؤقتة في نيروبي جوسيببي كاسيني أجرى اتصالات مكثفة مع الزعماء الموقعين لاتفاقية نيروبي كما قام برحلات مكوكية لإنعاش الاتفاقية، وضخ دم جديد في شرايينها الذابلة، واللافت للنظر أن هذه التحركات الدبلوماسية الأوروبية بقيادة إيطاليا نشطت بصورة ملحوظة بعد توقيع اتفاقية سودري تحت رعاية الحكومة الإثيوبية المتحالفة في هذا المضمار مع الولايات المتحدة، الأمر الذي يوحي بأن صراعًا مريرًا بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تدور رحاه في الساحة الصومالية.
وتجدر الإشارة إلى أن الدبلوماسية الإيطالية منیت بانتكاسة موجعة، وإخفاقات قاسية، بل عقَّدت الأمور بصورة أكبر، وزادت الطين بلة، حين نظمت لقاءً ثنائيًّا بين علي مهدي وحسين عيديد في فندق رمضان الواقع على الخط الفاصل بين شطري العاصمة، الأمر الذي أدى إلى انزعاج عثمان عانو الذي وجه نقدًا لاذعًا إلى السفير الإيطالي متهمًا إياه بالتدخل في الشؤون الداخلية للصومال والتآمر على القضية الصومالية، والتحيز لأطراف ضد أطراف أخرى، مما أفضى إلى سحب البساط من تحت أقدام الدور الأوروبي في المرحلة الراهنة على الأقل، وألجأها إلى سياسة التذبذب بين تأييد المبادرة العربية مرة، والمبادرة الإثيوبية مرة أخرى علاوة على ذلك، فإن السياسة الأوروبية تجاه الصومال تنطوي على مخاطر جسيمة تهدد وحدة الأراضي الصومالية، ويفضل الدبلوماسيون الأوروبيون في معرض حديثهم عن الصومال استخدام مصطلحات جديدة ابتدعوها، وتتم عن تبييت خطير يستهدف وحدة الصومال وسيادته القومية.
ومن هذه الأسماء والمصطلحات الخطيرة تقسيم الصومال بعد اندلاع الحروب الأهلية إلى أربع مقاطعات رئيسية على أسس قبلية، وهي من الشمال إلى الجنوب 1- منطقة الشمال الغربي أرض الصومال.
2 - منطقة الشمال الشرقي بوصاصو
3- المنطقة الوسطى
4 - المناطق الجنوبية.
وهي أسماء جديدة تحمل في ثناياها جرثومة تقسيم الصومال مرة أخرى، ولكن في هذه المرة إلى كانتونات هزيلة يسهل ابتلاعها أو ترويضها من قبل الدول المجاورة مثل إثيوبيا وكينيا، وفي الختام فإننا نود أن نؤكد بأن المبادرات الأوروبي خالية عن أي محتوى أو بُعد يوحي بأنها تهدف إلى إعادة بناء الكيان الصومالي على سابق عهده.
3- المحور العربي
يشكل الصومال أهمية استراتيجية قصوى للأمن القومي العربي، ليس فقط لأنه يمثل حلقة محورية للتحكم في حركة المواصلات النفطية وحركة المرور البحري والعسكري ما بين البحر المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الأطلسي، وبين المحيطين الهندي والهادي، وإنما لتأثيره الدائم والمستمر في العلاقات الدولية أيضًا، وكذلك لتأثيره على المصالح العربية اقتصاديًّا وأمنيًّا تأثيرًا مباشرًا بالمتغيرات الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى هذه الأهمية الاستراتيجية، فإن الصومال عضو في جامعة الدول العربية وجزء من الأمة العربية.
ومن هذا المنطلق فإن منهجية المبادرات التصالحية التي تتبناها بعض الدول العربية كمصر واليمن وبمباركة جامعة الدول العربية تنطلق من ثوابت أساسية، أهمها المحافظة على استقلال وسيادة الصومال ووحدة أراضيه وإعادته إلى الحظيرة العربية كدولة موحدة مستقلة، وبناءً عليه فإن المبادرة العربية تقوم على منهجية المصالحة الشاملة، شريطة أن تسبقها عمليات تمهيدية هي بمثابة كسح للألغام، وتنقية للأجواء عبيد مصالحات ثنائية وثلاثية بين زعماء الفصائل الصومالية، وخاصة بين أولئك الذين لا يزالون يتناحرون في العاصمة مقديشو، وبعد إزالة بؤر التورم تعتزم الدول العربية التنسيق مع الأطراف الدولية والإقليمية والمحلية المعنية لطرح مبادرة المصالحة الوطنية الشاملة عبر عقد مؤتمر عام تشترك فيه جميع الفعاليات السياسية في الصومال تحت رعاية المجتمع الدولي، لإنهاء المعضلة السياسية، وتشكيل الحكومة المركزية المنشودة حتى يعود الصومال إلى الأسرة الدولية، ويحتل مكانته في المحافل الدولية التي ظلت شاغرة طيلة السنوات السبع الماضية، وخلال الشهر الماضي فقط نجحت الدبلوماسية العربية في تنظيم لقاء بين السيد حسين محمد عيديد والسيد عثمان حسن علي عانو اللذين توصلا إلى اتفاق بينهما، وأبرما اتفاقية في صنعاء تحت رعاية فخامة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، كما نجحت الدبلوماسية المصرية في تنظيم لقاء بين السيد حسين محمد عيديد والسيد علي مهدي محمد في القاهرة، فوقعا اتفاقية مهمة عرفت باتفاقية القاهرة، وتنص كل من اتفاقيتي القاهرة وصنعاء على ضرورة حل مشكلة العاصمة مقديشو، وذلك بإيقاف جميع العمليات القتالية وإزالة الحواجز المصطنعة بما في ذلك ما يسمى بالخط الأخضر، وإعادة فتح المرافق الحيوية مثل المطار والميناء الدوليين.
كما تتضمن الاتفاقيتان بنودًا تدعو جميع الأطراف الصومالية إلى عقد مؤتمر للمصالحة الشاملة شريطة أن يكون مكان انعقاده داخل الأراضي الصومالية.
وفي الختام نود أن نطرح هذا السؤال أو بالأحرى، فإن هذا السؤال يطرح نفسه، هل كل هذه المبادرات التصالحية لها تأثير تراكمي أو اختزالي أغلب الظن، وفي ضوء التحليل السابق، فإنها اختزالية أكثر مما هي تراكمية لأنها تفتقر إلى التنسيق المطلوب، كما أن الصراع الأوروبي الأمريكي يلقي بظلاله وتأثيراته السلبية، مما يرجم الجانب الاختزالي لهذه المبادرات، ويبدو أن كل مبادرة تسحب البساط من تحت أقدام سابقتها، ولكن أين يكمن الخلل في هذه المبادرات كلها؟ الخلل يكمن في اتباع المحاور الثلاث منهجية حصر عمليات المصالحة في زعم الفصائل المتناحرة، وتهميش دور الفعالية السياسية غير المسلحة.
سياسة الولايات المتحدة ترتكز على تقسيم منطقة القرن الإفريقي.. وإثيوبيا تقوم بدور رأس الحربة لا بد من إيجاد صيغة تخرج الأمة الصومالية من عنق الزجاجة بعقد مؤتمر عام تشارك فيه كل الفعاليات السياسية
المبادرة التصالحية المطروحة اختزالية وتفتقر إلى التنسيق المطلوب.. والصراع الأمريكي الأوربي في المنطقة يؤثر عليها سلبيًّا.