; حسان شاعر الرسول | مجلة المجتمع

العنوان حسان شاعر الرسول

الكاتب د. محمد عادل الهاشمي

تاريخ النشر الخميس 01-يونيو-1978

مشاهدات 100

نشر في العدد 398

نشر في الصفحة 30

الخميس 01-يونيو-1978

يطالعنا شعر حسان بن ثابت وقد سجل جل أحداث عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى ليعتبر شعره وثيقة تاريخية بجوار كونه وثيقة وجدانية، لما يتصل برسول الله بخاصة..

وتتراءى في حلقة اليوم، ونحن على كثب من سيادة الإسلام على جزيرة العرب، فيما خلا مكة التي تتهيأ للفتح، يتراءى لنا حسان وهو يرهف شعره لهذا الحدث الضخم- فتح مكة-، وقد خصه باهتمامه مرهصًا بحدوثه قبل أوانه، وذلك بقصيدة من غرر قصائده مطلعها:

عفت ذات الأصابع فالجواء***إلى عذراء منزلها خلاء

وقد ترسم السنن الجاهلي في قسمها الأول، مما بعث على ترجيح الباحثين أن هذا الجزء قد نظم في الجاهلية ثم ضم إلى القسم الإسلامي لاتفاق وزنهما ورويهما، ويفتتح القسم الإسلامي بالمطلع التالي:

عدمنا خيلنا إن لم تروها***تثير النقع موعدها كداء

ويمضي حسان بعد ذلك في وصف أفراس الجهاد بجزالة رائعة، ونفس بطولي يشيع فيه التصوير الحي المبدع والحركة المروارة، فهو لا يرجو خيلًا في حرب لا تحقق سبيل الفتح والظفر من سمات- جياده أنها تصعد في سباق مع ظلال الرماح المعرضة على مناكب فرسانها، نباريها السبق فتحطم كل ما عرف من مقاييس السرعة والسبق، قد شاركت المجاهدين عناءهم وجهادهم فما أحراها بالاحتضان والحنو والرعاية:

يبارين الأسنة مصعدات***على أكتافها الأسل الظماء

نظل جيادنا متمطرات***تظلمهن بالخمر النساء

وينذر الشاعر كفار قريش بحزم واثق بالنصر، أن يخلو طريق مكة للمؤمنين، حيث وعدهم الله الفتح والاعتمار، وإلا فالحرب الضروس يقرر مصيرها رب السماء، ولا غرو فكفة المؤمنين راجحة لا تعدل فجبريل أمين الله في صفها، ونصر الله معقود بنواصي جنودها:

فأما تعرضوا عنا اعتمرنا***وكان الفتح وانكشف الغطاء

وإلا فاصبروا لجلاد يوم***يعز الله فيه من يشاء

وجبريل أمين الله فينا***وروح القدس ليس له كفاء

لقد تفتحت السماء عن رسالة الحق لأبناء الأرض يسفر بها رجل عرف الجميع أمانته وصدقه، ولكن قريشًا تلج في تكذيب دين الله، فتضع نفسها في كفة الضلال والحفاظ على سفاهة الجاهلية:

وقال الله قد أرسلت عبدًا***يقول الحق أن نفع البلاء

شهدت به فقوموا صدقوه***فقلتم لا نقوم ولا نشاء

وبعد أن يضع الشاعر قريشًا في مكانها مسفهة مكذبة لدعوة الله.

يجلو دور الأنصار في الدعم العملي للرسالة في معترك الوغى، وفي حومة الشعر والبيان، ولا عجب فهم جند الله الظافرون اختصهم الله بنصرة دينه، وذخرهما بقوته ومدده:

وقال الله قد سيرت جندًا***هم الأنصار عرضتها الاغاء

فنحكم بالقوافي من هجانا***ونضرب حين تختلط الدماء

وفي ختام القصيدة يتصدى شاعرنا لأبي سفيان، وكان قد تعرض لرسول الله فيعيره بخوائه وجبنه.

ويجلو مكانه الرسول الكونية، ومهمته الربانية التي تستبدل بعالم الشر عالم الفضيلة والخير ويمزج العجب بالهزء من أبي سفيان الذي يفتئت على شخصية كرمها الله ووسدها أقدس رسالة وهكذا يفضي حسان إلى الغاية في إيجاز ودون تكثر إذ يقول:

ألا أبلغ أبا سفيان عني***فأنت مجوف نخب هواء

هجوت محمدًا فأجبت عنه***فشركما لخيركما الفداء

أتهجره ولست له بكفء***وعند الله في ذاك الجزاء

هجوت مباركًا برًا حنيفًا***أمين الله شيمته الوفاء

فمن يهجو رسول الله منكم***ويمدحه وينصره سواء

ثم لا يسعه إلا أن يزج بثقله كله نصره لرسول الله، يفتديه بكل عزیز غال:

فإن أبي ووالده وعرضي***لعرض محمد منكم وقاء

ونتساءل بعد هذا، ما لون قصيدة حسان التي عرضنا لها؟ وإلى أي غرض من الأغراض الشعرية تنتمي؟ إذا نظرنا إليها متحررين من رقة الأحكام التقليدية الموروثة، فلن نقع في رأينا تحت غرض من أغراض الجاهلية من مدح أو هجاء- بل تفسح فيها مزيجًا من الأفكار تغاير في مثلها الفكرية والوجدانية عما عهدناه من تلك الأغراض.

فالجياد في مطلع القصيدة ذات صفات جديدة منفردة، أكسبتها إياها آفاق الجهاد الجديدة كما نلمح إنذار الشاعر للمشركين يتجلى باستنصاره القوى الكونية التي لا تقف لها قوى الأرض مجتمعة راما الرسالة الإلهية التي بشر بها الرسول مجمعًا القيم العلوية الجديدة التي كذبت بها قريش، وتبناها الأنصار الذين اكتسبوا بها اتصالهم بقوة الأزل والأبد فكانوا جنود الله ورجاله..

وفي ختام القصيدة التي كان يتوقع أن يرد الشاعر فيها على الهجاء بمثله فلا نلقى فيما تعهد من فن الهجاء القديم سوى بيت واحد، أما الأبيات الأخرى فتقتبس من القرآن طريقًا فذه في التعبير، أنها عرض للخطوط المتقابلة بالموازاة والمقارنة التي تحفل بها آيات القرآن الكريم، وتكاد تطرد في كثير من المواقف والمشاهد.

أن الشاعر ليعمد على هذه الطريقة، إلى الارتفاع بشخصية الرسول الكونية والانخفاض. بشخصية أبي سفيان الجاهلية. ويعرض الموقف هكذا ويدع صورة المقابلة لمن يسمع أو يتصور ليحكم بنفسه على افتئات ذي القيم المهترئة على صاحب الرسالة الإلهية الكونية وشتان..

ولا يفوت الشاعر أن يضفي الطابع الذاتي على الموقف، فيزج بنفسه وبكل غال يملكه أو يلوذ به تفدية للرسول...

ونتساءل بعد هذا: أيعقل أن يكون هذا اللون من الشعر تكرارًا لأنماط القول في الجاهلية؟

إنه بالتأكيد لا ينتمي إلى غرض من أغراض الجاهلية، فهو باب جديد في ألوان القول الفنية، لأنه يلبي هتافًا جديدًا، لا عهد للناس به من قبل.

إنه شعر الدعوة تنساب قوافيه من خلال التمثل والاعتناق والبذل في سبيل المثل الأعلى الذي آمن به الدعاة، فضلًا عن كونه محاولة فنية جديدة في طرق الصياغة وتشقيق القول.

وفي السنة التاسعة للهجرة، وفدت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قبائل العرب معلنة إسلامها، وكان من أبرزها وفد تميم، فتقدم شاعرها الزبرقان بن بدر فانبرى مفتخرًا:

نحن الكرام فلا حي يعادلنا***منا الملوك وفينا تنصب البيع

وكان حسان غائبًا، فحين حضر أمره الرسول أن يجيب شاعر القوم فأنشد قصيدته المشهورة ومنها الأبيات التالية:

إن الذوائب من قهر وإخوتهم***قد بينوا سنة للناس تتبع

يرضى بها كل من كانت سريرته***تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا

قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم***أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا

سجية تلك منهم غير محدثة***إن الخلائق، ما علم، شرها البدع

لا يبخلون على جار بفضلهم***ولا يصيبهم في مطمع طبع

لا يجهلون وأن حاولت جهلهم***في فضل أحلامهم عن ذاك متسع

أعفة، ذكرت في الوحي عفتهم***لا يطبعون ولا يرديهم الطمع

أعطوا نبي الهدى والبر طاعتهم***فما ولي نصرهم عنه وما نزعوا

إن قال سيروا أجدوا السير جهدهم***أو قال عوجوا علينا ساعة ربعوا

نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها***إذا الزعانف من أظفارها خشعوا

لا يفخرون إذا نالوا عدوهم***وإن أصيبوا فلا خور ولا جزع

كأنهم في الوغى والموت مكتنع***أسد ببيشه في أرساغها فدع

أكرم بقوم، رسول الله شيعتهم***إذا تفرقت الأهواء والشيع

فإنهم أفضل الأحياء كلهم***إن جد بالناس جد القول أو شمعوا

وكان قد وقع القصيدة في نفوس القوم عظيمًا، حتى أن الأقرع بن حابس شريف القوم أذعن قائلًا:

- إن هذا الرجل- أي الرسول- لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا.. وأسلم هو وقومه.

هذا انطباع القوم آنذاك، وأنها، ولا ريب، من غرر القصائد التي قيلت في الجاهلية والإسلام جزالة ومتانة، وجمالًا في تلوين الصياغة، وهي تلبية لموقف معين، لا بد أن يراعي عقلية القوم الذين جاؤوا وافدين على رسول الله ولما يسلموا، ولذلك كانت تحمل قيمًا مشتركة بين العصرين، وهذا من أسباب تأثيرها في القوم، وهي نقيضة فخرية، لا بد للشاعر أن يأخذ فيها بأسباب الفخر الطاغي الذي يرمي إلى البذل والسبق، وهكذا صنع حسان والنقاد جميعًا يشيدون بهذه القصيدة ولكن ما تقييمها في ميزاننا الذي رسمناه؟

إن حسانا في القصيدة السابقة كان داعية، أما في هذه فشاعر يتعالى بالفخر، ومن هنا يختلف طابع القصيدتين، ففي هذه القصيدة يجعل المهاجرين والأنصار سادة الدنيا التي سيقبل عليها كل من تعمقت فيه التقوى والإذعان لله. وهم أنفع لأشياعهم وضر لأعدائهم، تلك سجيتهم وأصالة طبعهم، وجل ما ذكره أنفًا ينسجم وطبيعة الإسلام، إلا أنه جعل من المهاجرين والأنصار محذرًا للفكرة والدعوة يسنون ويشرعون، بينما مصدر الدعوة الوحي، والتشريع الإلهي، وما يسن صاحب الرسالة تشريعًا إلا تفويضًا من ربه، وليس هذا أمرًا تشريعيًا كما يتبادر إلى بعض الأذهان. ولكنه يصل بالآفاق الأدبية اتصال ساعة وغنى فني، فالمصدر الإلهي مصدر كبير لثراء المعطيات الأدبية والآفاق الفنية، وهو سر استعلاء الدعوة وكونيتها ورحابة أفقها. وكان يستطيع حسان أن يستثمر هذه المعطيات الكبيرة، وأن يرود آفاقًا أوسع وعوالم أرحب وأشمل، فلم عاج عن هذا الطريق اللاحب في قصيدته واختار الطريق الأضيق؟

يتبادر إلى الخاطر أن الموقف قد أملى عليه ذلك، فقد اعتاد العرب الفخار بأنفسهم، والاعتداد بأحيائهم، وحسان هنا لم يفتخر بقبيلة أو حي ولكنه جسد الافتخار بأصحاب الدعوة من مهاجرين وأنصار، متابعة للموقف القبلي، ويظل عنده الذوائب من فهر وإخوتهم أي- المهاجرون والأنصار محور القصيدة ومصدر الفخر والاعتزاز، ولكن بقيم إسلامية أحيانًا كالعفة والطهر من الدنس، وطاعة الرسول والانتصار له والالتفاف من حوله، وبقيم مشتركة كبذل الفضل والحلم والشجاعة والثبات والصبر.

وصفوة القول: إن القصيدة بمعيار النقاد- القدامى جيدة رائعة، وإن كانت بمعيار التصور الإسلامي الذي نحتكم إليه، تفتقر إلى شمول النظرة الفنية وسعتها، كما تفتقر إلى احتواء أصول القيم الإسلامية وتصوير الحياة من خلالها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 83

99

الثلاثاء 26-أكتوبر-1971

غداً تشرق الشمس

نشر في العدد 185

155

الثلاثاء 29-يناير-1974

الصبر.. ضرورة لحياة الدعاة

نشر في العدد 241

125

الثلاثاء 18-مارس-1975

الابتلاء في سبيل الله