; حسن البنا.. في عيون عارفيه | مجلة المجتمع

العنوان حسن البنا.. في عيون عارفيه

الكاتب يحيى بشير حاج يحيى

تاريخ النشر السبت 21-أكتوبر-2006

مشاهدات 60

نشر في العدد 1724

نشر في الصفحة 45

السبت 21-أكتوبر-2006

 نستطيع القول إن الإمام الشهيد حسن البنا- طيب الله ثراه- قد أخذ ساحة واسعة من اهتمام معاصريه سواء الذين عرفوه عن قرب، أم الذين سمعوا عنه وما كتب عنه وعن دعوته كثير لا يمكن في هذه العجالة استيعابه جله أو كله؟! وهذا الاهتمام الذي أشرنا إليه انصب على مجمل شخصيته- يرحمه الله- بدءًا من وصف شخصه إلى منهج تفكيره، إلى صدقه وإخلاصه إلى أثر دعوته في مصر وغيرها.

 يقول الدكتور الطاهر أحمد مكي تحت عنوان «صورة إنسانية بعيدة عن السياسة« مجلة الدوحة القطرية/ يوليو 1985م) وهو يصفه وافدًا إلى إحدى قرى مصر: بدأت أتأمله من على بعد أولًا، ومن قريب فيما بعد هذا الضيف الوافد يرتدي ملابس بيضاء فضفاضة بسيطة ونظيفة، ويلف فوق طربوشه شاشًا، معتدل القامة والبنية، أبيض مشربًا بحمرة، مرسل اللحية، نافذ البصر والبصيرة! يتحرك وسط الريفيين البسطاء كأنه هالة من نور، وهم حوله فرحون به يعرف كيف يملك قلوب المئات الذين توافدوا من النجوع التي حول القرية، بعضهم طلاب في الأزهر، والغالبية فلاحون، جاؤوا مدعوين، أو ليسلموا عليه، أو مستطلعين«.

 وليس غريبًا على البنا تلك الزيارات لأرياف مصر، فقد ذكر الشيخ محمد لغزالي- رحمه الله- أن الإمام زار ثلاثة آلاف قرية من أصل أربعة آلاف وهو عدد ضخم إذا قيس بمدة حياته؟ أو بأوقات فراغه؟!

 ويضيف: كان البنا نموذجًا في دقته على ذكاء شديد وقدرة فائقة في تحويل المواقف لصالحه، يتمتع بذاكرة قوية فهو ذكر أسماء الذين التقى بهم لدقائق قليلة وذكرت أسماؤهم أمامه مرة واحدة وله ندرة عجيبة على أن يتكلم العربية الصحيحة والبسيطة والواضحة دومًا، وعفة لسانه، فلا يخوض في سيرة أحد، ولا يذكر شخصًا بسوء، معارضًا أو عدوًّا، وإنما ينقد ما يراه من زيف وباطل، أو خروج على قواعد الدين نقدًا موضوعيًّا يشخص الداء ويصف العلاج، وهو يملك ناصية اللغة معجمًا وقواعد، ويحفظ القرآن كله، ويلم بالحديث في مجمله، ويدرك أسرارهما إدراكًا واعيًا، ويستخدم ذلك كله في مهارة إلى ثقافة معاصرة بلا حدود، يحار المرء معها: كيف وأين ومتى حصلها؟

أما كيف كان يجد الوقت الكافي فإن الأستاذ أنور الجندي في كتابه عنه بعنوان »حسن البنا الداعية الإمام والمجدد الشهيد« يقول: «كان في أغلب أيام الخميس يخرج من المدرسة إلى دار الجمعية، ثم يصرف أموره إلى الساعة الثانية أو الثالثة ثم يركب إلى محطة باب الحديد، ويسافر بالقطار، ويبيت بالبلدة التي يقصد إليها ويجتمع بالإخوان، وفي الصباح الباكر يكون في طريقه إلى بلدة أخرى لصلاة الجمعة وفي العصر تكون صلاته في بلدة ثالثة والعشاء في بلدة رابعة، وفي صباح السبت يكون في عمله بالقاهرة!!

 ويلخص الأستاذ أبو الحسن الندوي- رحمه الله- ما رآه من أثر هذه الشخصية الفذة، التي لم يقدر له أن يلتقي بها، في تقديمه لكتابه مذكرات الدعوة والداعية فيقول: «إن كل من عرف ذلك عن كثب لا عن كتب، وعاش متصلًا به عرف فضل هذه الشخصية التي قفزت إلى الوجود، وفاجأت مصر ثم العالم العربي والإسلامي كله بدعوتها وتربيتها وجهادها وقوتها الفذة، وقد تجلت عبقرية الداعي مع كثرة جوانب هذه العبقرية ومجالاتها في ناحيتين خاصتين لا يشاركه فيهما إلا القليل من الدعاة والمربين والزعماء والمصلحين، أولهما: شغفه بدعوته وإيمانه واقتناعه بها، وتفانيه فيها وانقطاعه إليها بجميع مواهبه وطاقاته ووسائله والناحية الأخرى تأثيره العميق في نفوس أصحابه وتلاميذه، ونجاحه المدهش في التربية والإنتاج، فقد كان منشئ جيل ومربي شعب، وصاحب مدرسة علمية فكرية وخلقية.«

ويصفه الدكتور مصطفى السباعي- طيب الله ثراه- فيقول: «لقد قدر لي أن أعرف حسن البنا في أواخر حياته، وأن أكون على مقربة منه في أيام محنته الأخيرة، ثم في أيام استشهاده، ثم قدر لي بعد ذلك أن أطوف في بعض أنحاء مصر في مدنها وقراها، وفي ساحلها وداخلها فوالله ما رأيت إنسانًا أروع في الفداء وأخلص في النصح، وأنبل في التربية وأكرم في النفس، وأعمق أثرًا في الإصلاح من حسن البنا- رحمه الله. «

ويبرز الشيخ محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين الأكبر جوانب من شخصية الإمام الشهيد، وقد لقيه واستمع إليه، وتعاونا معًا في الدفاع عن فلسطين، وحشد المجاهدين فيقول: «كان -رحمه الله- حريصًا على جمع كلمة المسلمين، وإعزاز أخوة الإسلام، وتوثيق الروابط فيما بينهم للتعاون على البر والتقوى، وتحقيق ما فيه رفعة شأنهم، وكان يرى أن وطنه هو الوطن الإسلامي الكبير«

إن شخصية مثل شخصية الإمام الشهيد لا يقوى التعتيم والتشويه على طمسها، كما لا يطمح النسيان وطول الزمن إلى حجبها، فهي أكبر من النسيان، وأعظم أثرًا من التعتيم عليها، إنها الشخصية التي أوجز الشيخ المجاهد محمد الحامد في بيان حالها إذ يقول: »إن المسلمين لم يروا مثل حسن البنا منذ مئات السنين، في مجموع الصفات التي تحلى بها، وخفقت أعلامها على رأسه الشريف«!

الرابط المختصر :