العنوان الدقائق الغالية
عنوان تمهيدي التربية الحركية للقاعدة الصلبة
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1973
مشاهدات 23
نشر في العدد 132
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 02-يناير-1973
سجود المحراب، واستغفار الأسحار، ودموع المناجاة:
سيماء يحتكرها المؤمنون، ولئن توهم الدنيوي جنانه في الدينار، والنساء، والقصر
المنيف؛ فإن:
جنة
المؤمن في محرابه (1)
ولقد منَّ الله على الناس بكثير من المباح الحلال
يفند الرهبانية، ولكن المؤمن له لذة كلما توجه إلى ربه، وصفاء روح، تتضاءل بجانبها
لذة المباح، فيهجر الكثير منه حذرًا من كدر يعكر الصفاء الذي هو فيه.
جرب ذلك المؤمنون قديمًا، زمن العيش البسيط، وعاشر
السهروردي شلة منهم، ووصفهم، وخرج بنتيجة، فقال: «الذائقون حلاوة المناجاة لابد أن
يجدوا صفو الأنس في الصلاة، ويتكدرون بيسير من الاسترسال في المباح»(2).
وجربه المؤمنون اليوم، زمن المدنية المعقدة،
وأنابوا صالحًا منهم يصف ما يجد كل منهم، ويقول:
|
هَاتِـني سَـجَّـادَتِـي |
فَهِيَ صَفَائِي وَسُرُورِي |
|
وَهِيَ شَوْقِي وَدِثَارِي |
وَهِيَ نِبْرَاسُ الطَّهُورِ |
|
ثُمَّ دَعْنِي فِي صَلاَتِي |
فِي مُنَاجَاةِ القَدِيرِ (3) |
فهي صفاؤه، وسروره، وشوقه..
بل إن الصلاة في يوم هذه المدنية لأظهر في إضفائها
السرور، بينما يطيل التعقيد على الإنسان حياته الحاضرة، فيسأم، ويمل، ويضجر،
تختصرها الصلاة إلى بضع ساعات فحسب، فيعيش في اطمئنان، وراحة بال، ولئن كان لنظرية
آينشتين في نسبية الوقت نصيب من الصحة، فإن في الصلاة هذا النصيب، كما يشرحه مصطفى
صادق الرافعي ويقول:
«يا لها حكمة أن فرض الله علينا هذه الصلوات بين
ساعات وساعات، لتبقى الروح أبدًا إما متصلة أو مهيأة لتتصل، ولن يعجز أضعف الناس
مع روح الدين أن يملك نفسه أنه متوجه بعدها إلى ربه، فخاف أن يقف بين يديه مخطئًا
أو آثمًا، ثم هو إذا ملك نفسه إلى هذه الفريضة ذكر أن بعدها الفريضة الأخرى، وأنها
بضع ساعات كذلك، فلا يزال من عزيمة النفس وطهارتها في عمر على صيغة واحدة لا يتبدل
ولا يتغير، كأنه بجملته- مهما طال- عمل بضع ساعات»(4).
فطول الحياة نسبي:
هو طويل جدًا، مخيف مظلم للجاهلي..
وهو قصير، هين منير للمصلي.
وحياة الجاهلي ركود مستمر.
وحياة المصلي حركة، تزيد صوابًا، أو تستدرك اعوجاجًا.
وإنها (الله أكبر) تنهي هذا الركود، وتؤسس الحركة..
(الله أكبر!)
من بين ساعات وساعات من اليوم ترصع الحياة في هذه
الكلمة نداؤها تهتف: "أيها المؤمن: إن كنت أصبت في الساعات التي مضت، فاجتهد
للساعات التي تتلو اللقاء، وإن كنت أخطأت فكفّر، وامح ساعة بساعة"(5).
وأظهر حركة يولدها التكبير: حركة التمييز والفرقان،
بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
فإنك إن قلت: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا
الضَّالِّينَ﴾ استشعرت في كل ركعة طائفة من هذه الأصناف الثلاثة، وتخصص كل ركعة
لمن ظهر منهم في زمن واحد، أو بلد واحد، فتجول في ركعات يومك بلاد الإسلام أجمع،
وتستعرض تاريخ الإسلام أجمع.
ففي ركعة تذكر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه
الأطهار رضي الله عنهم مثالًا لمن أنعم الله عليهم، وتذكر أبا جهل ومسيلمة مثلًا
للمغضوب عليهم والضالين.
وفي ركعة أخرى تذكر هودًا وصالحًا مثلًا ممن أنعم
الله عليهم، عليهم السلام، وعادًا وثمود من الهالكين.
وفي ركعة أخرى تذكر الحسن البصري وابن سيرين وابن
المسيب ممن أنعم الله عليهم، وأهل الردة، والجهم بن صفوان، والجعد بن درهم من
المتخبطين.
وفي أخرى تذكر الإمام أحمد بن حنبل ورهطه من
المحدثين الموفقين، وبشرًا المريسي وابن دؤاد من الظالمين.
وفي أخرى تذكر ابن تيمية وابن القيم وابن الجوزي من
المصلحين، وأصحاب وحدة الوجود والفناء الموهوم والشطح والابتداع من المدلسين.
وفي أخرى تذكر الإمام البنا وعودة وسيد، وثباتهم
أمام الطغاة المتجبرين.
وفي أخرى تذكر حركة النور، وحزب ماشومي، وضلال
أتاتورك وسوكارنو من الكاذبين.
وبذلك تعقل صلاتك، والمرء ليس له من صلاته إلا ما
عقل منها، وتجدد عهدك مع أجيال المؤمنين، وتنبذ المفسدين، وتلك هي حركة الإيمان؛
فإن الإيمان الحق ما أخذ منك الولاء، وتركك على المفاصلة.
رجال مدرسة الليل
ولكن تمام التذكر يكون مع الهدوء والسكون.
فمن ثم كانت مدرسة الليل.
وكان ترغيب الله للمؤمنين أن يجددوا سمت الذين:
﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذاريات: 17-18).
وإذا انتصف الليل، في القرون الأولى، كانت أصوات
المؤذنين ترتفع تنادي:
|
يَا رِجَالَ اللَّيْلِ جِدُّوا |
رُبَّ صَوْتٍ لاَ يُرَدُّ |
|
مَا يَقُومُ اللَّيْلَ إِلاَّ |
مَنْ لَهُ عَزْمٌ وَجِدُّ (6) |
وإنها حقًا مدرسة، فيها وحدها يستطيع رجالها أن
يذكوا شعلة حماسهم، وينشروا النور في الأرجاء التي لفتها ظلمات الجاهلية.
إنها تجربة إقبال يوجزها فيقول:
|
نَائِحٌ وَاللَّيْلُ سَاجٍ سَادِلُ |
يَهْجَعُ النَّاسُ وَدَمْعِي هَاطِلُ |
|
تَصْطَلِي رُوحِي بِحُزْنٍ وَأَلَمْ |
وِرْدُ «يَا قَيُّومُ» أُنْسِي فِي الظَّلَمْ |
|
أَنَا كَالشَّمْعِ دُمُوعِي غَسْلِي |
فِي ظَلاَمِ اللَّيْلِ أُذْكِي شُعَلِي |
|
مَحْفِلُ النَّاسِ بِنُورِي يُشْرِقُ |
أَنْشُرُ النُّورَ وَنَفْسِي أَحْرِقُ (7) |
وإن دعوة الإسلام اليوم لا تعتلي حتى يذكي دعاتُها
شُعَلَهُمْ بليل، ولا تشرق أنوارها فتبدد ظلمات جاهلية القرن العشرين ما لم تلهج
بـ«يا قيوم».
ما نقول هذا أول مرة، وإنما هي وصية الإمام البنا
حين خاطب الدعاة فقال: «دقائق الليل غالية، فلا ترخصوها بالغفلة»(8).
أفعيينا أن نعيد السمت الأول، أم غرنا اجتهاد في
التساهل والتسيب والكسل جديد؟!
إن القول لدى الله لا يبدل، ولكنا أرخصنا الدقائق
الغالية بالغفلة، فثقل المغرم، ولم يجعل الله لنا من أمرنا يسرًا.
إن انتصار الدعوة لا يكمن في كثرة الرق المنشور، بل
برجعة نصوح إلى العرف الأول، ومتى ما صفت القلوب بتوبة، ووعت هذا الكلام أذنٌ
واعية، كانت تحلة الورطة الحاضرة التي سببتها الغفلة المتواصلة..
ذلك شرط لا بد منه.
وكأن النصر حُجِبَ عنا لأننا نادينا من وراء
الحجرات، وجهرنا رافعين أصواتنا نوجب على الله لنا هذا النصر إدلالًا، نبيعه ونثبت
لنا حقًا عاجلًا في الثمن من دون أن نقدم بين يدي بيعنا همسًا في الأسحار، ولا
الدمع المدرار، وإنما النصر هبة محضة، يقر الله بها عين من يشاء من رجال مدرسة
الليل في الحياة الدنيا، ولا يلت الآخرين المحصرين من ثمنهم في الآخرة شيئًا،
ويوقع أجرهم عليه.
إن تعلم الإخلاص، وفضح الأمل الكاذب الدنيوي أجلى
أعطيات مدرسة الليل، كما يقول وليد، وذلك ما توجب تربيتنا تركيزه وتعميقه في
النفوس.
قال- والحق ما قال-:
|
يَا لَيْلُ قِيَامُكَ مَدْرَسَةٌ |
فِيهَا القُرْآنُ يُدَرِّسُنِي |
|
مَعْنَى الإِخْلاَصِ فَأَلْزَمُهُ |
نَهْجًا بِالجَنَّةِ يُجْلِسُنِي |
|
وَيُبَصِّرُنِي كَيْفَ الدُّنْيَا |
بِالأَمَلِ الكَاذِبِ تَغْمِسُنِي |
|
مِثْلُ الحِرْبَاءِ تَلَوُّنُهَا |
بِالإِثْمِ تُحَاوِلُ تَلْمُسَنِي |
|
فَأُبَاعِدُهُ وَأُعَانِدُهَا |
وَأُرَاقِبُهَا تَتهَّجَسُنِي |
|
فَأَشُدُّ القَلْبَ بخالقه |
وَالذِّكْرُ الدَّائِمُ يَحْرُسُنِي (9) |
وأكثر من هذا، فإن من يتخرج في مدرسة الليل يؤثر في
الأجيال التي بعده إلى ما شاء الله، والمتخلف عنها يابس قاسٍ تقسو قلوب الناظرين
إليه، والدليل عند بشر بن الحارث الحافي منذ القديم؛ شاهده، وأرشدك إليه، فقال: «بحسبك
أن قومًا موتى تحيا القلوب بذكرهم، وأن قومًا أحياء تقسو القلوب برؤيتهم»(10).
فلم كان ذلك إن لم يكن ليل الأولين يقظة، وليل
غيرهم نومًا؟! ونهار الأولين جِدًّا، ونهار الآخرين شهوة؟!
أتسبقك الحمامة؟
وإنه لقلب رقيق قلب الفقيه الزاهد أبي سهل
الصعلوكي، يظهره تأنيبه لنفسه في قوله:
|
أَنَامُ عَلَى سَهْوٍ وَتَبْكِي الحَمَائِمُ |
وَلَيْسَ لَهَا جُرْمٌ وَمِنِّي الجَرَائِمُ |
|
كَذَبْتُ لَعَمْرُ اللهِ لَوْ كُنْتُ عَاقِلًا |
لَمَا سَبَقَتْنِي بِالبُكَاءِ الحَمَائِمُ (11) |
فإن الذنب لا يُغْسَل إلا بدمع، والشجاعة تُسْقَى
بدموع الليل، وما عرف تاريخ الإسلام رجاله إلا كذلك، ولم يقل ابن القيم باطلًا في
وصفه لهم بأنهم:
|
يُحْيُونَ لَيْلَهُمُ بِطَاعَةِ رَبِّهِمْ |
بِتِلاَوَةٍ، وَتَضَرُّعٍ، وَسُؤَالِ |
|
وَعُيُونُهُمْ تَجْرِي بِفَيْضِ دُمُوعِهِمْ |
مِثْلَ انْهِمَالِ الوَابِلِ الهَطَّالِ |
|
فِي اللَّيْلِ رُهْبَانٌ، وَعِنْدَ جِهَادِهِمْ |
لِعَدُوِّهِمْ مِنْ أَشْجَعِ الأَبْطَالِ |
|
بِوُجُوهِهِمْ أَثَرُ السُّجُودِ لِرَبِّهِمْ |
وَبِهَا أَشِعَّةُ نُورِهِ المُتَلاَلِي (12) |
وسأل عبدالوهاب غزالٌ الليلَ عن أروع أسراره، وأبان
جوابه عن إصابة المؤمنين والمذنبين في تحريهم إياه، واستمع لتحاورهما:
|
قُلْتُ لِلَّيْلِ: كَمْ بِصَدْرِكَ سِرٌّ |
أَنْبِئْنِي مَا أَرْوَعُ الأَسْرَارِ؟ |
|
قَالَ: مَا ضَاءَ فِي ظَلاَمِي سِرٌّ |
كَدُمُوعِ المُنِيبِ فِي الأَسْحَارِ (13) |
أفترى المؤمنين إلا مصدقًا بجواب الليل، فهو مسارع
مستبق؟!
أم ترى أهل البلاغة إلا في إذاعة لما قال؟ يستملون
الناس:
فَازَ مَنْ سَبَّحَ وَالنَّاسُ هُجُوعْ
يَدْفِنُ الرَّغْبَةَ مَا بَيْنَ الضُّلُوعْ
وَيَغْشَاهُ سُكُونٌ وَخُشُوعْ
ذَاكِرًا لِلَّهِ وَالدَّمْعُ هُمُوعْ
سَوْفَ يَغْدُو ذَلِكَ الدَّمْعُ شُمُوعْ
لتُضِيءَ الدَّرْبَ يَوْمَ المَحْشَرِ
سَجْدَةً لِلَّهِ عِنْدَ السَّحَرِ (14)
ويلقنون المذنبين المخطئين طريق الجنة، فيستملون
المسرف في أخرى أن:
عُدْ إِلَى اللَّهِ بِقَلْبٍ خَاشِعِ
وَادْعُهُ لَيْلًا بِطَرْفٍ دَامِعِ
يَتَوَلَّاكَ بِعَفْوٍ وَاسِعِ
وَيُبَدِّلْ كُلَّ تِلْكَ السَّيِّئَاتِ
حَسَنَاتٍ أَجْرُهَا لَنْ يَنْفَدَا
كُلُّ هَذَا العَفْوِ لِلْعَبْدِ المُنِيبِ
سَابِغًا مِنْ خَالِقِ كَوْنٍ رَحِيبِ
للَّذِي تَابَ إِلَيْهِ مِنْ قَرِيبِ (15)
الهوامش
(1) شطر لوليد في مجلة التربية الإسلامية: 7/ 637.
(2) عوارف المعارف، الملحق بـ «إحياء علوم الدين»: 5/ 196.
(3) لياسين خليل الهيتي في مجلة التربية الإسلامية: 6/ 222.
) 4 ،5) وحي
القلم: 1/ 359، 364.
(6) عن مجلة
التربية الإسلامية: 7/ 498، لأحد وعاظ القرن السادس.
(7) ديوان الأسرار والرموز: 79.
(8) مجلة «الدعوة»: عدد 63.
(9) أغاني المعركة: 38.
(10) طبقات السلمي: 46.
(11) طبقات الشافعية للسبكي: 3/ 171.
(12) إغاثة اللهفان: 255.
(13) ديوان المثاني: 35.
(14) لوليد في مجلة التربية الإسلامية: 7/ 636.
(15) الوليد في أغاني المعركة: 94.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل