; حسنات أجرها لن ينفدا | مجلة المجتمع

العنوان حسنات أجرها لن ينفدا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1973

مشاهدات 1

نشر في العدد 132

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 02-يناير-1973

وفي اخرى تذكر ابن تيمية وابن القيم وابن الجوزي من المصلحين ، واصحاب وحدة الوجود والفناء الموهوم والشطح والابتداع من المدلسين .

وفي أخرى تذكر الامام البنا وعودة وسيد ، وثباتهم أمام الطغاة المتجبرين .

وفي أخرى تذكر حركة النور ، وحزب ماشومي ، وضلال أتاتورك وسوكارنو من الكاذبين .

وبذلك تعقل صلاتك ، والمرء ليس له من صلاته الا ما عقل منها ، وتجدد عهدك مع أجيال المؤمنين ، وتنبذ المفسدين ، وتلك هي حركة الايمان ، فان الايمان الحق ما اخذ منك الولاء ، وتركك على المفاصلة .

 

• رجال مدرسة الليل

ولكن تمام التذكر يكون مع الهدوء والسكون .

فمن ثم كانت مدرسة الليل .

وكان ترغيب الله للمؤمنين ان يجددوا سمت الذين ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ . ( الذاريات : ١٧ - ١٨ ) .

وإذا انتصف الليل ، في القرون الاولى ، كانت اصوات المؤذنين ترتفع تنادي :

يا رجال الليل جدوا

رب صوت لا يرد

ما يقوم الليل الا

من له عزم وجد «٦»

وإنها حقا مدرسة ، فيها وحدها يستطيع رجالها أن يذكروا شعلة حماسهم ، وينشروا النور في الإرجاء التي لفتها ظلمات الجاهلية .

إنها تجربة إقبال يوجزها فيقول :

نائح والليل ساج سادل

يهجع الناس ودمعي هاطل

تصطلي روحي بحزن والم

ورد « يا قيوم » انسي في الظلم

انا كالشمع دموعي غسلي

في ظلام الليل أذكي شعلي

محفل الناس بنوري يشرق

انشر النور ونفسي احرق «۷»

وان دعوة الإسلام اليوم لا تعتلي حتى بذكي دعاتها شعلهم بليل ، ولا تشرق أنوارها فتبدد ظلمات جاهلية القرن العشرين ما لم تلهج بـ « يا قيوم » .

ما نقول هذا اول مرة ، وإنما هي وصية الإمام البنا حين خاطب الدعاة فقال :

« دقائق الليل غالية ، فلا ترخصوها بالغفلة . » «۸»

أفعيينا ان نعيد السمت الأول ، أم غرنا اجتهاد في التساهل والتسيب والكسل جدید ؟

إن القول لدى الله لا يبدل ، ولكنــا ارخصنا الدقائق الغالية بالغفلة ، فثقل المغرم ، ولم يجعل الله لنا من امرنا يسرا .

إن انتصار الدعوة لا يكمن في كثرة الرق المنشور ، بل برجعة نصوح الى العرف الأول ، ومتى ما صفت القلوب بتوبة ، ووعت هذا الكلام اذن واعية ، كانت تحلة الورطة الحاضرة التي سببتها الغفلة المتواصلة .

ذلك شرط لا بد منه .

وكان النصر حجب عنا لأننا نادينا من وراء الحجرات ، وجهرنا رافعين أصواتنا نوجب على الله لنا هذا النصر بإدلال ، نبيعه ونثبت لنا حقا عاجلا في الثمن من دون أن نقدم بين يدي بيعنا همسا في الاسحار ، ولا الدمع المدرار ، وانما النصر هبة محضة ، يقر الله بها عين من يشاء من رجال مدرسة الليل في الحياة الدنيا ، ولا يلت الآخرين المحصرين من ثمنهم في الآخرة شيئا ، ويوقع اجرهم عليه .

ان تعلم الاخلاص ، وفضح الامل الكاذب الدنيوي أجلى أعطيات مدرسة الليل ، كما يقول وليد ، وذلك ما توجب تربيتنا تركيزه وتعميقه في النفوس .

قال ، والحق ما قال :

يا ليل قيامك مدرسة

فيها القرآن يدرسني

معنى الإخلاص فالزمه

نهجا بالجنة يجلسني

ويبصرني كيف الدنيا

بالأمل الكاذب تغمسني

مثل الحرباء تلونها

بالإثم تحاول تلمسني

فأبعده واعاندها

واراقبها تنهجسني

فاشد القلب يخالفه

والذكر الدائم يحرسني «٩»

وأكثر من هذا ، فإن من يتخرج في مدرسة الليل يؤثر في الأجيال التي بعده الى ما شاء الله ، والمتخلف عنها يابس قاس تقسو قلوب الناظرين إليه ، والدليل عند بشر بن الحارث الحافي منذ القديم ، شاهده ، وارشدك اليه ، فقال : « بحسبك ان قوما موتى تحيا القلوب بذكرهم ، وان قوما احياء تقسو القلوب برؤيتهم . » «۱۰»

فلم كان ذلك إن لم يكن ليل الاولين يقظة ، وليل غيرهم نوما ؟ ونهار الأولين جدا ، ونهار الآخرين شهوة ؟

 

أتسبقك الحمامة ؟

وأنه لقلب رقيق قلب الفقيه الزاهد أبي سهل الصعلوكي ، يظهره تأنيبه لنفسه في قوله :

انام على سهو وتبكي الحمائم

وليس لها جرم ومني الجرائم

كذبت لعمرو الله لو كنت عاقلا

لما سبقتني بالبكاء الحمائم «۱۱»

فان الذنب لا يغسل إلا بدمع ، والشجاعة تسقى بدموع الليل ، وما عرف تاريخ الإسلام رجاله إلا كذلك ، ولم يقل ابن القيم باطلا في وصفه لهم بأنهم :

يحيون ليلهم بطاعة ربهم

بتلاوة ، وتضرع ، وسؤال

وعيونهم تجري بفيض دموعهم

مثل انهمال الوابل الهطال

في الليل رهبان ، وعند جهادهم

لعدوهم من أشجع الأبطال

بوجوههم أثر السجود لربهم

وبها أشعة نوره المتلالي «۱۲»

وسأل عبد الوهاب غزال الليل عن أروع أسراره ، وأبان جوابه عن اصابة المؤمنين والمذنبين في تحريهم اياه ، واستمع لتحاورهما :

قلت لليل : كم بصدرك سر

أنبتني ما أروع الأسرار ؟

قال : ما ضاء في ظلامي سر

كدموع المنيب في الأسحار «۱۳»

افترى المؤمنين ألا مصدق بجواب الليل، فهو مسارع مستبق ؟

أم ترى أهل البلاغة إلا في اذاعة لما قال ؟ يستملون الناس .

٭فاز من سبح والناس هجوع٭

٭يدفن الرغبة ما بين الضلوع٭

٭ويغشيه سكون وخشوع٭

٭ذاكرا لله والدمع هموع٭

٭سوف يغدو ذلك الدمع شموع٭

لتضيء الدرب يوم المحشر

سجدة لله عند السحر «١٤»

ويلقنون المذنبين المخطئين طريق الجنة ، فيستملون المسرف في اخرى أن :

٭عد الى الله بقلب خاشع٭

٭وادعه ليلا بطرف دامع٭

٭يتولاك بعفو واسع٭

ويبدل كل تلك السيئات

حسنات أجرها لن ينفدا

٭كل هذا العفو للعبد المنيب٭

٭سابقا من خالق الكون الرحيب٭

٭الذي تاب إليه من قريب٭ «١٥»

 

«١» شطر لوليد في مجلة التربية الإسلامية ٦٣٧/٧

«۲» عوارف المعارف الملحق بإحياء علوم - الدين ١٩٦/٥

«۳» لياسين خليل الهيتي في مجلة التربية الإسلامية ٢٢٢/٦

«٤» - «٥» وحي القلم ٣٥٩/٣٦٤/١

«٦» عن مجلة التربية الاسلامية /٤٩٨/٧ لأحد وعاظ القرن السادس

«۷» ديوان الاسرار والرموز ۷۹ «۸» مجلة « الدعوة » عدد ٦٣

«۹» اغاني المعركة /٣٨

«۱۰» طبقات السلمي /٤٦

«۱۱» طبقات الشافعية للسبكي ۱۷۱/۳

«۱۲» إغاثة اللهفان / ٢٥٥

«۱۳» ديوان المثاني ٣٥

«١٤» لوليد في مجلة التربية الإسلامية ٦٣٦/٧

«١٥» لوليد في اغاني المعركة / ٩٤

الرابط المختصر :